عودة الحريري إلى لبنان.. الاستثمار بفشل البدائل وعودة التطرف

2024.02.17 | 06:48 دمشق

عودة الحريري إلى لبنان.. الاستثمار بفشل البدائل وعودة التطرف
+A
حجم الخط
-A

صفتان في لبنان لا يتوقف أصحابها عن ممارستها بشكل لافت، الأولى صفة الاستكبار التي يمارسها حزب الله على اللبنانيين، تحت حجج حماية لبنان من أخطار وأعداء وحروب، وتحت هذه الحجج أمعن الحزب في احتلال الكيان اللبناني وممارسة أدوار متفرقة أهمها القتال إلى جانب الأنظمة المتوحشة أو دعم الميليشيات الطائفية في كل أنحاء العالم.

الصفة الثانية هي صفة التعلق المرضي بزعامة محددة والدوران السياسي حولها، وتعليق الآمال على خروجها من النفق المظلم، وهذا الأداء تتميز به كل الأطراف الداخلية اللبنانية، لكنها اليوم تبدو تلازم المحيطين بزعيم تيار المستقبل سعد الحريري، والذي اختار من أبو ظبي منفاه الاختياري، بعد رفع الغطاء السعودي عنه منذ سنوات.

وأمام تلك التغيرات الحاصلة عقب أحداث 7 من أكتوبر 2023، وأمام كل المساعي الأميركية والإيرانية والغربية الجارية لإعادة ترتيب الواقع الاقليمي وخريطة النفوذ الدولية في المنطقة، أعيد فتح ملف عودة الحريري للعمل السياسي على حصان التسويات والتحولات التي ستنتج عن طوفان الأقصى.

ومنذ أسابيع حرصت ماكينات إعلامية متعددة على نشر أخبار عودته للمشهد الداخلي، على اعتبار أنه عراب التسويات والأقدر على قيادة دفة البلاد في ظل المشهدية التي سيجري ترتيبها من رحم الدماء والصواريخ والحروب، وهذا الضخ يجري من خلاله الاستعانة بمجموعة من المعطيات المرئية وغير المرئية، أهمها:

جرى التلويح بعودة الحرارة السعودية مع الحريري عبر لقاءات جمعته بمسؤولين سياسيين سعوديين، وهذا الأمر لا يبدو في جوهره صحيحاً

  1. اللقاء الذي جمع مستشار الحريري للشؤون الروسية جورج شعبان بمستشار بوتين لشؤون الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف في موسكو، والذي عمل مقربون من الحريري على اعتباره مؤشراً لدعم خارجي لعودة الحريري، وخاصة أن الأطراف المعنية في محيط الحريري حرصت على ترداد مجموعة من الأقاويل أهمها أن هناك ترحيباً روسياً بعودة زعيم المستقبل إلى السياسة، وضرورة حل الملف السوري بالأطر السياسية، وهذا الأمر في مضمونه السياسي عادي بكون شعبان مقيماً في موسكو ويلتقي المسؤولين هناك باستمرار.
  2. جرى التلويح بعودة الحرارة السعودية مع الحريري عبر لقاءات جمعته بمسؤولين سياسيين سعوديين، وهذا الأمر لا يبدو في جوهره صحيحاً على اعتبار أن الرياض وضمن نشاطها في اللجنة الخماسية حول لبنان، أعادت طرح ملف رئاسة الحكومة انطلاقاً من أهمية الملف على المستوى الاستراتيجي للسعوديين والخليجيين، ما يعني أن الرجل ليس ضمن الخارطة الإقليمية لصناعة الحل في لبنان.
  3. يسعى مقربون من الرجل للحديث عن أهمية عودته لقطع الطريق على مسارين أساسيين، الأول ملف اللاجئين السوريين والفلسطينيين والحديث عن توطينهم، وعودة نغمة الأعداد والديموغرافيا والتي تمارس وفقاً لمتطلبات مصالح الأطراف، وهذا الأمر غير جدي، ولا يمكن حله بعودة الحريري أو بغيابه طالما أن النظام السوري لا يقدم تنازلات سياسية في ملف عودتهم.
  4.  والملف الثاني هو الحديث عن تصاعد التأييد الشعبي ضمن المشهد السني لحركة حماس وجماعات الإسلام السياسي في المنطقة، وهذا التأييد العاطفي مرده الرئيسي هو العاطفة اللبنانية مع القضية الفلسطينية والمقاومة في فلسطين، وهي استمرار لتأييد النضال الفلسطيني مع حركة فتح في حقبة سابقة واليوم مع حماس كونها رأس الحربة في المشروع، وعليه فالحديث عن تطرف إسلامي وإسلامي سياسي بات لعبة مكشوفة لا تنطلي على الدول والأطراف المعنية في صياغة الحلول اللبنانية، على اعتبار أن السنة أكثر ميلاً في فطرتهم الاجتماعية لمشروع الدولة الوطنية الجامعة، وليس المشاريع الأممية، بدليل نتائج انتخابات 2022 وحصول خرق في البيئة لقوى مدنية وعلمانية.
  5. يبرز حديث رئيسي فحواه أن الأطراف التي أقصت الحريري منذ سنتين، لم تستطع حتى اللحظة خلق بديل سياسي عنه في الحضور والمركزية والزعامة، وهذا الأمر في عمقه السياسي غير منطقي، لأن صناعة البدائل السياسية لا تجري بسنة أو سنتين، بدليل أن صناعة رفيق الحريري في اللعبة السياسية استغرقت أكثر من 12 عاماً سبقت اتفاق الطائف، ما يعني أن السبب غير موجود أصلاً، انطلاقاً من أن صناعة القيادة الوطنية تحتاج لأعوام، واليوم ومع الأجيال السياسية الصاعدة في المنطقة وتحديداً في الخليج، بات تركيز الأجيال الجديدة على أفكار ومشروعات أخرى غير مرتبطة بزعامة وقيادة لحظية وعاطفية.

بالمحصلة وأمام حملات المطالبة بعودة الرجل للسياسة بعد كل المطبات السياسية التي خلفتها فكرة فرض زعامة على الناس وإجبارهم على الاقتناع أنها قدرهم الأبدي، تبدو غير واقعية وتأثيرها سيكون مرحلياً تنتهي مع انتهاء إحياء ذكرى اغتيال رفيق الحريري، أي في حدها الأقصى حتى نهاية شباط الحالي.

بالنظر إلى ما يكتبه إعلام الممانعة عن عودة الرجل للعبة السياسية تدرك أهمية إعادة ترتيب وإنعاش النظام السياسي القائم على المحاصصة

والأكثر غرابة أنّ المتشوقين لعودة "الحريرية السياسية" للعب أدور داخلية وخارجية، هم أركان النظام السياسي التقليدي ومعهم حزب الله، فبالنظر إلى ما يكتبه إعلام الممانعة عن عودة الرجل للعبة السياسية تدرك أهمية إعادة ترتيب وإنعاش النظام السياسي القائم على المحاصصة، انطلاقاً من ثابتة تاريخية عمرها 20 عاماً، وهي أن المشروع قائم بذاته على التسويات "الترقيعية" والتعايش الروحي مع احتلال الدولة والكيان من قبل الميليشيا المسلحة.

من محاولات تجميل حزب الله والنظام السوري من 1992 إلى 2005، واستمراراً مع الوريث منذ 2005 في التحالف الرباعي وصولاً إلى تسوية انتخاب ميشال عون وتشريع سلاح وحروب حزب الله في المنطقة، والتي مايزال لبنان يدفع أثمان باهظة حتى يومنا هذا أولاً في اقتصاده وسياسته الداخلية وهيبة المؤسسات والمرافق العامة، وصولاً إلى سياسته الخارجية والتي انحدرت من لعب أدوار تاريخية إلى الانحياز لميليشيات تهرب المخدرات وتقصف المدن.

المجتمعات والمدن هي ملك لأصحابها، ومحاولات فرض زعامات على أبنائها تبدو محاولات فاشلة، في لحظة تاريخية تعيشها المنطقة والتي قد يترتب عليها مرحلة إصلاحية جديدة، تصنع على يد جيل أكثر ملاءمة مع المتغيرات.