حرب غزة وتأثيرها على الاقتصاد العالمي: السيناريوهات المحتملة

2023.11.16 | 06:19 دمشق

حرب غزة وتأثيرها على الاقتصاد العالمي: السيناريوهات المحتملة
+A
حجم الخط
-A

شكلت عملية طوفان الأقصى التي شنتها حركة حماس على مستوطنات غلاف غزة في الأراضي الفلسطينية المحتملة والحملة اللاحقة التي أطلقتها إسرائيل للقضاء على الجماعة، سبباً في تقديم سيناريوهات جيوسياسية عديدة تؤثر على الاقتصاد العالمي والأسواق العالمية. وكما هي الحال عادة مع مثل هذه الصدمات، فإن التفاؤل قد يكون مضللاً.

وبعد مرور أكثر من شهر على الحرب ورصد التطورات السياسية والاقتصادية على مستوى العالم يمكن تلخيصها في أربعة سيناريوهات رئيسية.

في السيناريو الأول، تظل الحرب محصورة في الغالب في غزة، مع عدم وجود تصعيد إقليمي يتجاوز المناوشات الصغيرة مع وكلاء إيران في البلدان المجاورة لإسرائيل؛ والواقع أن أغلب اللاعبين يفضلون الآن تجنب التصعيد الإقليمي. إن الحملة التي يشنها الجيش الإسرائيلي في غزة تؤدي إلى تآكل حماس إلى حد كبير، مما يؤدي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا بين المدنيين، ويظل الوضع الجيوسياسي الراهن غير المستقر قائماً. بعد أن فقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كل الدعم، يترك منصبه، لكن المشاعر العامة الإسرائيلية تظل متشددة ضد قبول حل الدولتين. وعليه، تتفاقم القضية الفلسطينية؛ وتجميد تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع المملكة العربية السعودية؛ وتظل إيران قوة مزعزعة للاستقرار في المنطقة؛ من وجهة نظر الولايات المتحدة وحلفائها.

الولايات المتحدة قد تحاول اعتراض صادرات النفط الإيرانية لمعاقبتها على دورها المزعزع للاستقرار في المنطقة، وسوف يستمر الاقتصاد الإيراني في الركود في ظل العقوبات الحالية، مما يزيد من اعتماده على العلاقات الوثيقة مع الصين وروسيا

إن الآثار الاقتصادية والسوقية لهذا السيناريو خفيفة. وسوف يتراجع الارتفاع المتواضع الحالي في أسعار النفط، وذلك لأنه لن تحدث أي صدمة للإنتاج الإقليمي والصادرات من منطقة الخليج. ورغم أن الولايات المتحدة قد تحاول اعتراض صادرات النفط الإيرانية لمعاقبتها على دورها المزعزع للاستقرار في المنطقة، وسوف يستمر الاقتصاد الإيراني في الركود في ظل العقوبات الحالية، مما يزيد من اعتماده على العلاقات الوثيقة مع الصين وروسيا.

ومن ناحية أخرى فإن إسرائيل سوف تعاني من ركود اقتصادي خطير، ولكن يمكن التحكم فيه، وسوف تشهد أوروبا بعض التأثيرات السلبية مع تسبب الارتفاع المتواضع في أسعار النفط والشكوك الناجمة عن الحرب في تقليص ثقة الشركات. ومن خلال خفض الناتج، والإنفاق، وتشغيل العمالة، فإن هذا السيناريو قد يدفع الاقتصادات الأوروبية الراكدة حاليا إلى الركود المعتدل.

وفي السيناريو الثاني، فإن الحرب في غزة يعقبها تطبيع وسلام إقليمي. وتنجح الحملة الإسرائيلية ضد حماس من دون أن تسفر عن عدد أكبر من الضحايا بين المدنيين، وتتولى قوى أكثر اعتدالاً ــ مثل السلطة الفلسطينية أو تحالف عربي ــ إدارة القطاع. ويستقيل نتنياهو (بعد أن فقد دعم الجميع تقريبا)، وتركز حكومة معتدلة جديدة من يمين الوسط أو يسار الوسط على حل القضية الفلسطينية والسعي إلى التطبيع مع المملكة العربية السعودية.

وخلافاً لنتنياهو، فإن هذه الحكومة الإسرائيلية الجديدة لن تلتزم علناً بتغيير النظام في إيران. ويمكن أن يضمن قبول الجمهورية الإسلامية الضمني للتطبيع الإسرائيلي السعودي مقابل إجراء محادثات جديدة نحو اتفاق نووي يتضمن تخفيف العقوبات. وهذا من شأنه أن يسمح لإيران بالتركيز على الإصلاحات الاقتصادية المحلية المطلوبة بشكل عاجل. ومن الواضح أن هذا السيناريو سيكون له آثار اقتصادية إيجابية للغاية، سواء على المستوى الإقليمي أو العالمي.

وفي السيناريو الثالث، يتصاعد الوضع إلى صراع إقليمي يشمل أيضاً حزب الله في لبنان وربما إيران. يمكن أن يحدث هذا بعدة طرق. إيران، خوفاً من عواقب القضاء على حماس، تطلق العنان لحزب الله ضد إسرائيل لإلهائها عن العملية في غزة. أو تقرر إسرائيل معالجة هذا الخطر من خلال شن ضربة استباقية أكبر على حزب الله. ثم هناك جميع الوكلاء الإيرانيين الآخرين في سوريا والعراق واليمن. وكل منهما حريص على استفزاز القوات الأميركية في المنطقة كجزء من استراتيجية وحدة الساحات.

وإذا انتهى الأمر بإسرائيل وحزب الله إلى حرب واسعة النطاق، فمن المحتمل أن تشن إسرائيل أيضًا ضربات ضد المنشآت النووية الإيرانية وغيرها من المنشآت، على الأرجح بدعم لوجستي أميركي. فمن المرجح أن تستغل إيران، التي خصصت موارد هائلة لتسليح وتدريب حماس وحزب الله، الاضطرابات الإقليمية الأوسع لتحقيق حلمها بامتلاك أسلحة نووية  

وإذا قامت إسرائيل ـ وربما الولايات المتحدة ـ بقصف إيران، فإن إنتاج وصادرات الطاقة من الخليج سوف يتراجع، وربما لعدة أشهر. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى صدمة نفطية على غرار ما حدث في السبعينيات، يعقبها ركود تضخمي عالمي (ارتفاع التضخم وانخفاض النمو)، وانهيار أسواق الأسهم، وتقلب عائدات السندات، والاندفاع نحو أصول الملاذ الآمن مثل الذهب. وستكون التداعيات الاقتصادية أكثر حدة في الصين وأوروبا مقارنة بالولايات المتحدة، التي أصبحت الآن مصدراً صافياً للطاقة ويمكنها فرض ضرائب على الأرباح غير المتوقعة لمنتجي الطاقة المحليين لدفع تكاليف الإعانات للحد من التأثير السلبي على المستهلكين سواء من الأفراد أو الشركات.

لكن ما مدى احتمالية كل سيناريو؟ يمكن القول إن احتمالا بنسبة 50% لتحقيق السيناريو الأول؛ ٪15 للسيناريو الثاني؛ ٣٥% للسيناريو الثالث.

النبأ السيئ هنا هو أن الأسواق حالياً لا تخصص سوى 5% في أفضل تقدير لاحتمال نشوب صراع إقليمي من شأنه أن يخلف تأثيرات تضخمية حادة في مختلف أنحاء العالم، في حين أن الرقم الأكثر منطقية من وجهة نظر رياضية هو 35%

الخبر الجيد أنه بنسبة 50 ٪ تشير التطورات لعدم تصاعد الصراع في مختلف أنحاء المنطقة، مما يعني ضمنا أن التداعيات الاقتصادية ستكون خفيفة أو يمكن احتواؤها. ولكن النبأ السيئ هنا هو أن الأسواق حالياً لا تخصص سوى 5% في أفضل تقدير لاحتمال نشوب صراع إقليمي من شأنه أن يخلف تأثيرات تضخمية حادة في مختلف أنحاء العالم، في حين أن الرقم الأكثر منطقية من وجهة نظر رياضية هو 35%.

ومثل هذا التفاؤل أمر بالغ الخطورة، وخاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن الاحتمال المجمع لسيناريو مدمر عالميًا (الأول والثالث) لا يزال ٥٠%.  

في الوقت الحالي، يتم تسعير الأسواق على أنها قريبة من الكمال وتفضل السيناريوهات الأكثر اعتدالاً. لكن الأسواق كثيرا ما أخطأت في تقدير الصدمات الجيوسياسية الكبرى. ولا ينبغي لنا أن نتفاجأ إذا حدث ذلك مرة أخرى.

ومع شروع إسرائيل في شن حملة عسكرية للقضاء على حماس في غزة، فلا يزال يتعين علينا أن نرى ما إذا كان الصراع سوف يتصاعد إلى حرب إقليمية أوسع نطاقاً. وإذا حدث ذلك فإن التداعيات الاقتصادية العالمية يمكن أن تشمل صدمة نفطية على غرار ما حدث في السبعينيات، وانهيار أسواق الأسهم، والركود التضخمي العميق.