عن خيارات أردوغان الخاطئة أيضاً وأيضاً

قبل الخوض في دلالات فوز أكرم إمام أوغلو؛ (مرشّح) المعارضة التركيّة برئاسة بلديّة اسطنبول، على مرشّح السلطة ورئيس الوزراء السابق بِن علي يلدرم، لفت انتباهي اختيار حزب "الشعب الجمهوري" وحلفاؤه اسم "تحالف الأمّة"، في حين اختارت السلطة التركيّة ("العدالة والتنمية" الإسلامي و"الحركة القوميّة" المتطرّف) اسم "تحالف الشعب"؟! علماً أنه من المفترض أن مشاريع حزب "العدالة والتنمية" عابرة للحدود والقوميّات، بينما مشروع المعارضة يركّز على الشعب التركي ومصالحه الوطنيّة! ليس لدي تفسير لهذين الخيارين اللذين ليسا مجرّد تسميتين انتخابيّتين عابرتين. ولأن التحليل السياسي يحتمل الظنَّ أيضاً، ربما لأن "الشعب الجمهوري" يريد أن يوحي بأنه على وشك خلع التعريف التقليديّ الصلب والمتوارث للهويّة التركيّة على أن من يعيش في تركيا هو الأتراك وحسب، و"كم هو سعيد من يقول إنه تركي"، و"تركي واحد بالدنيا" وأن الأتراك "شعب الله المختار" أو "خير قوميّة أخرجت للناس"! وأن التعريف الجديد للهويّة التركيّة بالنسبة للحزب قائم على أن تركيا أو الأمّة التركيّة قواها التنوّع القومي والإثني وتعدد الثقافات التي لم يعد هناك مجال للاستمرار في إنكارها وهضم استحقاقاتها الوطنيّة والديمقراطيّة والدستوريّة، كما جرى سابقاً على زمن الحكومات العلمانيّة والإسلاميّة المتعاقبة. بينما اختيار حزب العدالة والتنمية اسم "تحالف الشعب" الذي أخذ منحاً ضمن الدائرة القوميّة التركيّة، أعتقد أن مؤشّر على المزيد من انزلاق الحزب الإسلامي الحاكم نحو التزّمت القومي، تحت تأثير تحالفه مع حزب "الحركة القوميّة" المتطرّف.

بالعودة إلى دلالات فوز المعارضة التركيّة برئاسة بلديّة إسطنبول، يمكن اعتبار هذا الفوز بمئة فوز حققته المعارضة التركيّة، وأن خسارة بِن علي يلدرم بألف خسارة تمنى بها السلطة التركيّة، لأسباب كثيرة، ربما أبرزها:

أولاً: كثيراً ما تحدّث حزب "العدالة والتنمية" عن الإنجازات الاقتصاديّة والنهوض الاقتصادي، ومقارنة تركيا الآن، بتركيا الثمانينات والتسعينات. وإسهاب الحزب الإسلامي الحاكم في الحديث عن الإنجازات الخدميّة كمطار إسطنبول الجديد، وشبكات الطرق والأنفاق والترامواي، وانخفاض معدّلات البطالة والتضخّم والمديونيّة الخارجيّة...ألخ، ومع كل ذلك، قالت إسطنبول: لا لحزب العدالة والتنمية، ولا لأردوغان وليس لــ يلدرم، لأن القاصي والداني يعلم بأن الأخير لا وزن له في الحزب الحاكم، واختياره كمرشّح الحزب في إسطنبول كان خيار وقرار أردوغان أكثر من كونه خيار وقرار الحزب. من دون أن نسهو عن أن بداية مشوار أردوغان السياسي في السلطة كان في إسطنبول سنة 1994.

ثانياً: كان وصف أردوغان بأن "من يخسر إسطنبول، يخسر تركيا" دقيقاً وفي محلّه، وهو يعي ويدرك أهميّة إسطنبول من حيث الدلالة الاقتصاديّة والشعبيّة والتاريخيّة. وحين أظهرت نتائج الانتخابات البلديّة في آذار الماضي فوز مرشّح المعارضة، لم يصدّق أردوغان وأركان حكمه أنهم فعلاً خسروا إسطنبول. لذا، طعنوا في النتائج، وطالبوا بإعادة التصويت، وكان لهم ذلك. ولكن النتائج قالت لهم مجدداً: لقد خسرتم، وانتهى الأمر.

ثالثاً: استنفار الحزب الحاكم كل أجهزة الدولة بخاصّة منها الإعلاميّة لصالح مرشّحه، ومع ذلك خسر الحزب ومرشّحه. ويكفي إجراء مراجعة سطحيّة لأداء وكالة الأناضول الرسميّة وقنوات "تي أر تي" وكل المؤسسات الحكوميّة التي يفترض أن تكون تابعة للدولة، وعلى مسافة واحدة من إمام أوغلو ويلدرم، ليكتشف المرء أن "الأناضول" و"تي ار تي" كانتا منحازتين تماماً للأخير. ناهيكم عن الترسانة الإعلاميّة المواليّة للحزب الحاكم والمؤسسات التي تسير على رصيف الحزب. والسؤال: لو لم تكن كل تلك المؤسسات الحكوميّة مكرّسة لخدمة يلدرم هل كان سيحصل على 44،99 نقطة؟! زد على هذا وذاك، الفارق بين الفائز والخاسر 9،22 نقطة ليس ضئيلاً حتّى يتم تبريره!

رابعاً: نتائج الانتخابات، وتزايد الفارق بين المرشّحين من 13 ألف إلى نحو 800 ألف، هذه النتائج لا تعني أن طعون العدالة والتنمية

من دلالات انتخابات إسطنبول؛ أن المعارضة التركيّة قويّة، ولكنها لن تستطيع فعل شيء، إلاّ إذا توحّدت تحت سقف أجندة واحدة

لم تكن في محلها وباطلة وحسب، وبل ارتدّت عكساً، وازدياد شعبية المعارضة بما يزيد عن 780 ألف صوت خلال ثلاثة أشهر، فأوحت النتائج وكأنَّ "العدالة والتنمية" من تلاعب بنتائج الجولة الأولى وليست المعارضة. إذن، والحال هذه، هناك انحدار سريع لشعبيّة العدالة والتنمية في إسطنبول.

من دلالات انتخابات إسطنبول؛ أن المعارضة التركيّة قويّة، ولكنها لن تستطيع فعل شيء، إلاّ إذا توحّدت تحت سقف أجندة واحدة. وهذه الأجندة تملي على كل الأطراف المشاركة فيها إبداء المرونة وتقديم التنازلات لبعضها البعض. وهذا ما حدث. ولكن اللافت أن حزبيّ "الشعب الجمهوري" و"الشعوب الديمقراطيّة" الموالي لـ "العمال الكردستاني" (جناح جميل بايك)، لم يصلا إلى هذه الصيغة في الانتخابات البرلمانيّة السابقة. فما الذي استجد؟ ما الذي تغيّر في حزب "الشعب الجمهوري" بحيث يمكن اعتباره نقلة نوعية إيجابيّة حيال الكرد والقضيّة الكرديّة في تركيا؟! على "العمال الكردستاني"، و"الشعوب الديمقراطيّة" أن يشرحا للكرد في تركيا وخارجها؛ كيف يمكن اعتبار فوز أكرم إمام أوغلو "فوزاً للكرد، ولحزب الشعوب الديمقراطيّة" كما قالت بروين بولدان، البرلمانيّة الكرديّة، والرئيسة المشتركة لحزب (HDP)؟ كيف يمكن أن نفهم فوز مرشّح حزب مصطفى كمال أتاتورك الذي دمّر مدينة ديرسيم وارتكب مذبحة هناك سنة 1938، وعلّق قائد انتفاضة ديرسم سيد رضا على أعواد المشانق، وارتكب مجازر 1925، وأعدم شيخ سعيد بيران ورفاقه، وأباد هذا الحزب الكرد على امتداد عقود، كيف يمكن أن يكون فوز مرشّحه فوزاً للكرد ولحزب HDP؟! إذا كان الأمر على النحو الذي ذهبت إليه بولدان، فلتحلّ حزبها وتنضمّ إلى حزب "الشعب الجمهوري" الأتاتوركي؟! من دون أن ننسى بأن "الشعب الجمهوري" الذي كان يحكم تركيا سنة 1938، ودمّر ديرسم، وعلّق قيادة الثورة الكرديّة على أعواد المشانق، هذا الحزب لم يعتذر عن تلك المجزرة المروّعة التي راح ضحيّتها ما يزيد عن 12 ألف وفق الإحصائيّات الرسميّة، ونحو 60 ألف وفق التقديرات الكرديّة! في حين قدّم رجب طيب أردوغان اعتذاراً رسمياً وباسم الدولة التركيّة عن مجزرة ديرسم سنة 2011! وبالتالي، على قيادة PKK في قنديل أن تفسّر للكرد كيف أن فوز إمام أوغلو هو فوز للكرد؟ ماذا سيحصل الكرد من "الشعب الجمهوري" حتّى يأمر PKK جماهيره بالتصويت لإمام أوغلو؟ من دون أن نسهو عن أن قرار قيادة PKK كان بالضد من رغبة أوجلان الذي بات يميل نحو العدالة والتنمية. وحاول الأخير استثمار أوجلان في الوقت البدل الضائع، عبر السماح لمحاميه اللقاء به، وتمرير بعض الرسائل والأوامر لقيادة الحزب في قنديل وفي سوريا وتقضي بـ"ضرورة مراعاة حساسيات تركيا في سوريا". ما هو مفروغ منه، وأشرتُ إليه في أكثر من مقام ومقال؛ أن هوّة الخلاف بين جميل بايك وفريقه وعبد الله أوجلان والموالين القلائل له ضمن حزب HDP ستزداد، وربما تظهر للعلن لاحقاً. وعطفاً على سلف، ما سرّبته صحيفة "صباح" المقرّبة من الحكومة عن لقاء جمع موفد أردوغان وهكان فيدان (مدير الاستخبارات) وأوجلان، بهدف الاستنجاد به أو استثماره، كي يطلق دعوة تطالب الكرد بالحياد، وعدم التصويت لأكرم إمام أوغلو. والحياد هنا، تأييد لمرشّح العدالة والتنمية. ذلك أن الأصوات الكرديّة التي حسمت الأمر ورجّحت كفّة مرشّح المعارضة نحو الفوز. لكن حزب HDP وبضغط من قيادة PKK في قنديل، تكتّم على فحوى دعوة أوجلان! وما يؤكّد ذلك البيان[1] الخاص الذي أصدره العمال الكردستاني بخصوص انتخابات إسطنبول، وكشف لأوّل مرّة أن هناك خلافا بينه وبين أوجلان، عبر نفي وجود هكذا خلاف، واصفاً التحالف بين "الشعوب الديمقراطي" و"الشعب الجمهوري" بـ"الاتفاق الديمقراطي"، داعياً إلى تطوير هذا الاتفاق، وأن مهندسه هو "قائد الشعب الكردي؛ أوجلان" عبر "أفكاره وطروحاته ودعواته لانتهاج الخطّ الثالث (النأي بالنفس؛ لا مع السلطة، لا مع المعارضة)"! علماً أن ما جرى، لا علاقة له بهكذا تصوّر أو طرح أو دعوة. ذلك أن PKK هو الذي أجبر HDP على التحالف مع "الشعب الجمهوري CHP" والتصويت لمرشّحه. ولا يوجد هنا خط ثالث أو أي شكل من أشكال الحياد!

واعتبر بيان "الكردستاني" حزب "الشعب الجمهوري" الأتاتوركي من ضمن القوى الديمقراطيّة، بالقول: "إن الموقف الذي اتخذه حزب HDP في 23 حزيران، فتح الطريق أمام القوى الديمقراطيّة والاتفاق الديمقراطي، وأن من دفع الكرد للتحرّك بهذه الذهنيّة والعقليّة الديمقراطيّة القويّة هو قائد الشعب الكردي، آبو (الاسم الحركي لأوجلان)". وانتقد البيان من يلقي بظلال الشكّ على ذلك الاتفاق على أنه بالضدّ من رغبة أوجلان، وقال: "أولئك الذين يقيّمون هذا الاتفاق على أنه يخالف الخط الآيديولوجي والسياسي للقائد آبو، إمّا أنهم يتعامون عن الحقيقة، أو يحاولون عمداً قلب الحقيقة". وحاول البيان كيل المدائح لأوجلان والتأكيد على التزام الحزب به مرشداً وقائداً، وأن الحزب لم يخرج عن نهجه، بل إن الاتفاق الحاصل في 23 حزيران، هو إحدى ثمار هذا النهج السلمي الديمقراطي الداعي إلى حل القضيّة الكرديّة في إطار دمقرطة تركيا. وأكّد البيان أن "العلاقة بين العمال الكردستاني وأوجلان هي من المتانة والقوّة التي لن تستطيع قوى الحرب الخاصّة النيل منها" في إشارة إلى ما بات يظهر للعلن في الأوساط الكرديّة والتركيّة عن خلاف حاصل بين أوجلان وقيادة حزبه.

أعتقد أن نتائج انتخابات إسطنبول مثلما ستسرّع من حدوث انشقاقات ضمن "العدالة والتنمية"، كذلك ربما ينتقل الشقاق إلى داخل حزب "الشعوب الديمقراطيّة" أيضاً، ويظهر جناح موال لأوجلان، في مواجه الجناح الموالي لجميل بايك.

كذلك من دلالات فوز إمام أوغلو أن الديمقراطيّة ما زالت حاضرة ومؤثّرة في تركيا، رغم هيمنة الحزب الإسلامي الحاكم على كل مفاصل الدولة ومؤسساتها، ورغم حملات الاعتقال وانتهاكات حقوق الإنسان في تركيا. وأن الـ"44،99 نقطة التي حصل عليها يلدرم، هي ليست كلها أصوات العدالة والتنمية. مع الأخذ بعين الاعتبار أن عشرات الآلاف من السوريين الذين تم تجنسيهم مؤخّراً، والموجودين في إسطنبول، كلهم أو جلُّهم صوتوا ليلدرم. كذلك، الـ44 نقطة، فيها أيضاً أصوات حزب "الحركة القوميّة" المتطرّف. ما يعني أن تآكل شعبيّة الحزب الحاكم، وشعبيّة أردوغان، لم يعد ضرباً من المبالغة أو التهويل والمؤامرة الكونيّة على تركيا وأردوغان. وعليه، فوز إمام أوغلو، سيفتح أعين أميركا وأوروبا، ومحور السعوديّة - مصر - الإمارات عليه، بحيث يتم دعمه للحدود القصوى، كي يتمكّن من زحزحة أردوغان عن عرشه. ولتفادي هكذا سيناريو، ربما يضطر أردوغان إلى فكّ ارتباطه بحزب "الحركة القوميّة"، والانفتاح على الأكراد الذين لولاهم لما فاز إمام أوغلو، وكذلك الانتفاح على محور السعوديّة - مصر - الامارات، ولن يكون ذلك إلاّ عبر التضحية بالإخوان وقطر وإيران.

أيضاً الـ54 نقطة التي حصل عليها إمام أوغلو ليست كلها أصوات حزب "الشعب الجمهوري". بل هناك نسبة كبيرة من أصوات الكرد ذهبت له. و"الشعب الجمهوري" يعرف تماماً حجمه وحزب HDP في إسطنبول. وغالب الظنّ أن أنصار الداعية الإسلامي فتح الله غولن، صوّتوا لإمام أوغلو. وربما أنصار حزب "السعادة" الإسلامي (الرفاه سابقاً) هم أيضاً صوّتوا لمرشّح المعارضة!

والسؤال، ماذا سيقدّم حزب كمال كيليشدار أوغلو للكرد، لقاء طوق النجاة الذي رماه حزب HDP له؟ وهل المكاسب التي حققها الأخير من الصفقة مع حزب "الشعب الجمهوري"، تساوي مخالفة حزب HDP رغبة أوجلان بالحياد، ودعم "العدالة والتنمية" بشكل غير مباشر؟!

المؤسف والمخزي والكارثي أن الفاشيّة والعنصريّة المقيتة تجاه السوريين في تركيا، والتي أغرق بها

جماعات المعارضة السوريّة في تركيا، بات لزاماً عليها تحسس مواقعها، والتحوّط لنتائج ومفرزات تغيّر قواعد اللعبة داخل "العدالة والتنمية" بشكل خاص، وداخل تركيا، عموماً

الموالون للمعارضة صفحات التواصل الاجتماعي، تلك الفاشيّة، تحالف معها حزب PKK جناحه العلني حزب HDP، ووصف بيان PKK ذلك التحالف بـ"الاتفاق الديمقراطي" الذي يبشّر بدمقرطة تركيا!؟ وإذا كان يجوز في السياسة أي شيء، على حزب العمال الكردستاني التوقّف عن الحديث حول السياسة الأخلاقيّة والقيم والمبادئ الأخلاقيّة التي صدّع الرؤوس بها.

كذلك جماعات المعارضة السوريّة في تركيا، بات لزاماً عليها تحسس مواقعها، والتحوّط لنتائج ومفرزات تغيّر قواعد اللعبة داخل "العدالة والتنمية" بشكل خاص، وداخل تركيا، عموماً.

إزاء الخسارة الفادحة التي مني بها أردوغان وحزبه، والتي تعتبر بألف خسارة، منذ استلامه الحكم سنة 2002 ولغاية اللحظة، لا مناص أمام أردوغان وحزبه من إجراء مراجعة نقديّة جادّة، والتعرّف أكثر على دور الكُرد في تلك الخسارة، وكيف فشل أردوغان في كسبهم إلى جانبه. وكيف تعامل أردوغان بانتهازية مع أوجلان، محاولة الأخير مساعدة أردوغان مرّة أخرى، ولكنه فشل. حيال ذلك، إمّا سنشهد هجمة شرسة انتقاميّة على الكرد وحزب HDP، أو الانفتاح الجاد والمثمر والعملي والملموس من قبل أردوغان ونظامه على الكرد وأوجلان، ومحاولة تلافي الأخطاء الناجمة والقراءات الخاطئة والقرارات الخاطئة السابقة والمتكررة التي اتخذها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

 

[1]  https://anfkurdi.com/kurdistan/kck-bi-xurtkirina-tifaqa-demokratik-em-tekosine-ges-bikin-115094

شارك برأيك

أشهر الوسوم