تركيا الغائب الحاضر في قمة بوتين ترامب

تتجه الأنظار إلى العاصمة الفنلندية هلسنكي التي تستضيف اجتماع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي دونالد ترامب في 16 تموز الجاري، فقبل عام التقى بوتين وترامب لأول مرة في هامبورغ في أروقة قمة مجموعة العشرين، وبعد ذلك ببضعة أشهر تم التواصل بينهما على عجل في فيتنام خلال قمة أبيك.

في اللقائين السابقين في هامبورغ ودانانغ، لم يتفق الرئيسان على شيء تقريباً، مع أخذنا بعين الاعتبار اتفاق خفض التصعيد الأميركي الروسي الأردني حول جنوب سورية، والذي بات شيء من الماضي.

اللافت أنه لم تكد تمضي أيام قليلة على بدء العملية العسكرية للنظام وتسارعها باتجاه درعا،

أنقرة لن تكون بعيدة عن أجواء قمة هلسنكي - ولاسيما من بوابة دمشق، ونفوذ طهران هناك - بعد مرحلة من التوتر مع واشنطن لم تنته بعد.

مع إعلان الروس أن منطقة خفض التصعيد هناك باتت منتهية، حتى تداولت وسائل الإعلام موعد القمة الروسية الأميركية، وبدأت معها التكهنات حول أي صفقة تنتظر الملفات الدولية المعقدة.

ملفات كبيرة صعبة ومعقدة - من أوكرانيا إلى سورية ومن كوريا الشمالية إلى إيران – ستكون على جدول أعمال قمة هلسنكي التاريخية بين بوتين وترامب، والمشكلة هي أنه ليس ممكناً تحقيق أي تقدم حقيقي في أي منها.

أنقرة لن تكون بعيدة عن أجواء قمة هلسنكي - ولاسيما من بوابة دمشق، ونفوذ طهران هناك - بعد مرحلة من التوتر مع واشنطن لم تنته بعد، مع عدم طي صفحة منبج حتى اللحظة، واستمرار دعم واشنطن الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني (المصنف إرهابيا في تركيا والناتو)، زارعة بذلك بذور تمزيق الجمهورية العربية السورية، ومهددة الأمن القومي للجارة تركيا.

مرت العلاقات التركية - الأميركية بمرحلة ساخنة، وشهد خط أنقرة – واشنطن قبل أسابيع، سلسلة لقاءات مكثفة على أعلى المستويات، فالإدارة الأميركية اضطرت للمبادرة إلى العمل على قضية أجلتها منذ زمن طويل، وبدأت التركيز فعليًّا على ما ستفعله مع تركيا، فمن ناحية، يضغط الكونغرس على ترامب لتوضيح سياساته تجاه تركيا، ومن ناحية أخرى، يدرس الرئيس الأميركي ما يمكن القيام به بالتعاون مع تركيا بخصوص الملف السوري.

كما أنه لم يعد خافياً على أحد، أن التحرّكات العسكرية التركية، أخيراً في سورية (عملية درع الفرات، وغصن الزيتون) في شقٍّ منها، نتيجة للتقارب التركي- الروسي، بالنظر إلى حقيقة أن النظام بات تحت حماية موسكو، وأن العلاقات الروسية- التركية في تحسّن متزايد، وبات واضحاً دخول موسكو وأنقرة مرحلة جديدة من الشراكة في سورية، فروسيا تتفهم مصالح تركيا في المناطق الشمالية السورية، وهي تشبه مصالح روسيا في شرق أوكرانيا، وليس من الصعب التكهن بأن الذي يدعم الموقف التركي في شأن حزب العمال الكردستاني، ستكون لديه أفضل العلاقات مع أنقرة.

سبق وكشفت التصريحات الرسمية الروسية، وتلك الصادرة عن الأمم المتحدة، والتحولات في الخريطة السورية، مشروع الولايات المتحدة التقسيمي، لتكرار سيناريو شمال العراق في سورية، إلا أن واشنطن بدأت تصطدم مع واقع مختلف، حيث أن شمال سورية يختلف كلّياً عن شمال العراق جغرافيًا وديموغرافيًا، فالعرب يشكلون أغلبية مطلقة في معظم المناطق السورية، عربية التاريخ والديموغرافيا، ومنبج على سبيل المثال يشكل العرب فيها أكثر من 94 بالمئة، ويسكنها أيضا التركمان والأكراد والجركس، بالإضافة لعامل آخر لم تأخذه واشنطن في الاعتبار وهو أن تؤدّي نهاية الحرب على «داعش» إلى حروب عدة في سورية والعراق، معظمها بين حلفاء أميركا أنفسهم.

أوضحت تركيا عن موقفها صراحة، وبشكل لا غبار عليه بخصوص منبج وشرق الفرات، ووضعت خارطة طريق مشتركة مع الولايات المتحدة بشأن منبج، وتشير بعض المصادر أن هناك فضولا حاليًّا في واشنطن حول ما سيكون عليه موقف تركيا حيال خطة قد تبحثها قمة ترامب- بوتين المرتقبة، بشأن إقامة مناطق خفض التوتر شرق الفرات، ما يجعل تركيا الغائب – الحاضر في قمة هلسنكي التاريخية.

فمن المتوقع، أن يبحث ترامب مع بوتين، خارطة طريق لشرق الفرات، في إطار مستقبل تسوية سياسية في سورية،

يزداد التركيز على تركيا في المرحلة القادمة، وواشنطن لا تريد مزيد من التوتر في علاقتها مع تركيا، لعدم دفعها إلى التقارب أكثر مع موسكو، والمساس بمصالحها الكبرى في المنطقة.

في الوقت الذي يتساءل كثيرون عن ما تخطط له واشنطن بشأن الامتداد السوري للعمال الكردستاني، الذي عملت معه الولايات المتحدة، وعلى وجه الخصوص بعد خارطة طريق منبج حتى اليوم

و إذا صدقت التكهنات حول استعداد ترامب للحديث مع بوتين حول مصير النفوذ الإيراني في سورية، فإنه بالتأكيد يفكر في الوقت نفسه بإقامة تعاون مع تركيا حول إيران أيضاً، ومن هذه الزاوية قد يزداد التركيز على تركيا في المرحلة القادمة، وواشنطن لا تريد مزيد من التوتر في علاقتها مع تركيا، لعدم دفعها إلى التقارب أكثر مع موسكو، والمساس بمصالحها الكبرى في المنطقة.

يبقى القول: في سورية، يمكن لبوتين أن يعد بتقليص القوات الروسية هناك، مكرراً بذلك ما سبق وتحدث به، ويستطيع أيضاَ، بسهولة التعهد بعدم التدخل في الضربات الجوية الإسرائيلية على القوات الإيرانية، والميليشيات التابعة لها في سورية، حيث أن روسيا لم تحاول على الإطلاق اعتراضها سابقاً، ولن يعارض إقامة مناطق خفض توتر جديدة في حال عرض ترامب ذلك.

شارك برأيك

أشهر الوسوم