بوجود إس-300 روسيا تلتزم الصمت بعد القصف الإسرائيلي.. ما السبب؟

ضربات صاروخية إسرائيلية على مواقع إيران قرب دمشق (رويترز)
موسكو - طه عبد الواحد- تلفزيون سوريا

التزمت موسكو الصمت، ولم تسارع، على غير عادتها، في إعلان موقف من القصف الإسرائيلي لمواقع على الأراضي السورية، هو الأول من نوعه، منذ تسليم روسيا النظام منظومة "إس-300" للدفاع الجوي، والتي كان من المفترض أن تتصدى للقصف الإسرائيلي. في الأثناء أخذت وكالة "سبوتنيك" الحكومية الروسية على عاتقها الدفاع عن سمعة وهيبة هذه المنظومة، بمساعدة "متحدثين" من دمشق، ونقلت عن مصدر عسكري من النظام قوله إنه لم يتم استخدام تلك المنظومة في التصدي للقصف، وأن "الأهداف المعادية تم إسقاطها بالوسائط التقليدية التي تمتلكها قوات الدفاع الجوي، من مضادات جوية وصواريخ سام المطورة، التي تعاملت مع الموقف وأسقطت الأهداف المعادية بدقة متناهية". إلا أن المصدر، كما والوكالة الروسية، لم يوضحا لماذا لم تُستخدم منظومة "إس-300"، على الرغم من أن القصف طال مناطق تصنف أنها حساسة نظراً لقربها من العاصمة دمشق، واستمر نحو ساعة كما قالت بعض المصادر.

دبلوماسي روسي قال لوكالة "تاس" في 7 من تشرين الثاني الماضي، إن "الخبراء التقنيين الروس انتهوا من عمليات تركيب كتائب صواريخ إس -300.

وإذ يصعب تخمين طبيعة التعليق الروسي على القصف الإسرائيلي، لكن يُرجح أن يكون ضمن إطار تصريحات "المصدر" السوري، وربما تزيد وزارة الدفاع الروسية وتحيل عدم استخدام المنظومة في التصدي للهجوم إلى عدم الانتهاء بعد من تدريب قوات النظام على استخدامها، سيما وأن مصدرا عسكريا –دبلوماسيا روسيا قال لوكالة "تاس" في 7 تشرين الثاني الماضي، إن "الخبراء التقنيين الروس انتهوا من عمليات تركيب كتائب صواريخ إس -300 ". وأكد أن الكتائب الصاروخية الثلاثة أصبحت الآن في وضعية الاستخدام القتالي، وأشار إلى أنه "يبقى الآن الانتهاء من تدريب العسكريين السوريين على استخدام المنظومة الصاروخية". أي كانت الذرائع التي ستسوقها موسكو ودمشق حول أسباب "صمت" هذه المنظومة الصاروخية، فإن الحدث بحد ذاته يفرض تساؤلات عدة حول الأهداف الحقيقية لإرسالها إلى سوريا، ونشرها في مناطق خارج القواعد العسكرية الروسية هناك.

 

(إس-300) إلى سوريا لكن لضمان أمن العسكريين الروس حصراً

منذ إطلاقها العملية العسكرية في سوريا، كانت روسيا حريصة على فتح قنوات تنسيق مع إسرائيل، بغية وضع آليات لتفادي أي حوادث أو صدام بين قوات الجانبين خلال تنفيذ عمليات في الأجواء وعلى الأراضي السورية. ووفر التنسيق للجانب الإسرائيلي إمكانية شن عدد كبير من الهجمات ضد مواقع على الأراضي السورية، دون أي اعتراض من جانب الروس، باستثناء مطالبة "دبلوماسية بخجل" بالتوقف عن انتهاك الأجواء السورية. إلا أن كل شيء تغير في 17 من أيلول الماضي، حين أسقطت الدفاعات الجوية في قوات النظام، طائرة روسية ظنت أنها واحدة من مقاتلات إسرائيلية كانت تقصف منشآت على الساحل السوري. وأدت تلك الحادثة إلى تدمير الطائرة الروسية ومقتل 15 عسكريا روسيا كانوا على متنها.

وبعد أن حملت موسكو تل أبيب المسؤولية عن الحادثة، أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في 24 من أيلول عن الرد الروسي، والذي شمل بما في ذلك "تسليم منظومة إس 300 لسوريا"، ووعد أن تقوم الرادارات الروسية بالتشويش على الأقمار الصناعية ورادارات الاتصالات على متن الطائرات التي تشن هجمات على الأراضي السورية. إلا أن الوزير شويغو، كما وجميع كبار المسؤولين الروس الذين تحدثوا عن هذه الخطوة، لم يستخدموا أي عبارات تشير بوضوح إلى أن هذه المنظومة ستكون بشكل تام بيد قوات النظام، وخاضعة لقراره. واقتصر الأمر في هذا الشأن على إشارات خجولة مثل ما قاله شويغو بأن "إس-300 ستعزز بشكل ملحوظ الدفاعات الجوية في الجيش السوري". 

وبموازاة الكشف عن عزمها "تسليم" سوريا منظومة "إس-300"، ورغم حدة التوتر مع الإسرائيليين حينها، كانت روسيا حريصة على طمأنتهم بأن هذه الخطوة ترمي إلى تعزيز أمن وسلامة العسكريين الروس. هذا ما دأب المسؤولون الروس على تكراره. وأكد الكرملين أن هذه الخطوة جاءت تحت إملاءات المصالح الروسية حصراً، وقال دميتري بيسكوف المتحدث باسم الرئاسة الروسية: "يجب أن يكون واضحا للجميع ضرورة خطوات روسيا لتعزيز أمن عسكرييها. لهذا تنطلق روسيا في هذه الحالة حصراً من مصالحها هذه، وخطواتها ليست موجهة ضد دولة ثالثة، بل هي خطوات تهدف إلى حماية عسكريينا"، وأكد أن قرار تسليم سوريا منظومة "إس-300" تم اتخاذه في سياق الجهود لتعزيز أمن العسكريين الروس. أما الوزير شويغو فقد عبر عن قناعته بأن تلك التدابير ستبرد "الرؤوس الساخنة"، و"ستمنعهم عن ارتكاب أي أعمال تحمل تهديداً لعسكريينا". كما لم تساعد تصريحات المسؤولين في النظام على توضيح الموقف بشأن "السيادة" على المنظومة في سوريا. إذ اكتفى وليد المعلم، وزير خارجية النظام بالتعبير عن أمله بأن "تغطي إس -300 الأجواء السورية بالكامل"، وأشار إلى أن روسيا وعدت بذلك، وقال "نثق بالروس"، دون أن تصدر عنه أي عبارات توضح الطرف الذي ستكون المنظومة خاضعة لقراراته.

 

الأسد الابن يمنح بوتين ما لم يحصل عليه أندروبوف من الأسد الأب

روسيا سعت عبر نشر البطاريات إلى تحقيق حلم الزعماء السوفيات ليونيد بريجنيف ويوري أندروبوف، بإقامة قاعدة بحرية في طرطوس، وإقامة قاعدة جوية في عمق الأراضي السورية.

ليست كل الجوانب المتعلقة بـ "تسليم" روسيا لدمشق منظومة "إس-300" غامضة، وهناك بعض المسائل التي باتت واضحة اليوم، وربما تساعد على فهم أفضل لما يجري. إذ كشفت شركة إسرائيلية عن نشر روسيا بطاريات "إس-300" في مدينة مصياف التابعة لريف حماة، والتي تعرضت قبل ذلك لقصف إسرائيلي، قالت مصادر إنه استهدف موقعا مرتبطا بالبرنامج الصاروخي الإيراني. كما كشفت وسائل إعلام سورية معارضة عن نشر بطاريات أخرى في مطار التيفور شرقي حمص، مطلع تشرين الأول، حيث انتشرت فيه قوات روسية بعد أن انسحبت منه قوات الحرس الثوري الإيراني. ورأى كثيرون في تلك التحركات محاولات روسية للحد من النفوذ الإيراني. ومع عدم التقليل من أهمية وجهة النظر هذه، إلا أن روسيا سعت عبر نشر البطاريات في تلك المواقع حصراً إلى تحقيق حلم الزعماء السوفيات ليونيد بريجنيف ويوري أندروبوف، بإقامة قاعدة بحرية في طرطوس، وإقامة قاعدة جوية في عمق الأراضي السورية وأخرى صاروخية لضمان أمن أجواء القاعدة البحرية.

حينها، كما هي الحال اليوم "لم يكن أمن سوريا يقلق أو يعني العسكريين السوفييت عندما قرروا إقامة هذه القواعد على أراضيها، لأن رؤيتهم للموقف الاستراتيجي هي التي دفعتهم نحو تلك الخطوة"، وفق ما يقول الدبلوماسي السوفياتي ليونيد غرينيفسكي، الذي رافق المحادثات السوفياتية –السورية بهذا الشأن، ويروي في مذكراته أن موسكو السوفياتية ودمشق وضعتا نص اتفاقية حول تلك القواعد في عام 1980، ونصت حينها على "السماح بدخول القطع البحرية الموانئ السورية والتوقف فيها، وإقامة قاعدة دعم تقني فني في طرطوس فيها ورشة صيانة ومستودعات ذخيرة ومؤن لتزويد السفن. على أن يتم بناء محطتين لتوقف السفن بالقرب من حظيرة في طرطوس وفي خليج بالقرب من اللاذقية بقدر استقبال 20 قطعة بحرية". والحديث يدور طبعا بما في ذلك عن توسيع القاعدة التي أقامها السوفيات عام 1972 لتصبح قاعدة عسكرية بحرية متكاملة. وكان هناك في تلك الاتفاقية بند حول نشر طائرات حربية سوفياتية في مطار التيفور بينها 46 مقاتلة تم الاتفاق على أن تحمل إشارات تعريف سورية. وبناء قواعد صواريخ للدفاع الجوي لحماية القواعد الروسية على الأراضي السورية". إلا أنه لم يتم توقيع تلك الاتفاقية إذ اشترط حافظ الأسد أن تقوم تلك القوات بحماية الأجواء السورية، وحدد مدة الاتفاقية بعام واحد فقط.

بقيت الأمور عالقة الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وتدمير المقاتلات الإسرائيلية الدفاعات الجوية السورية في لبنان. في أعقاب ذلك اتخذ السوفيات قرارا سريعا بإعادة تأهيل 10 قواعد دفاع جوي سورية، كما أرسلوا إلى سوريا 144 صاروخا من نوع فولغا، و100 صاروخ محمول على الكتف (ستريلا2) و12 طائرة (ميغ 23)، إضافة إلى 100 عربة مدرعة. وفي منتصف تشرين الأول 1982 تم توقيع اتفاقية مدتها عشر سنوات، تنص على نشر السوفيات في سوريا قواعد منظومة "إس-200" للدفاع الجوي. وفي عام 1983 بدأت عملية نشر تلك الصواريخ في الضمير شرقي دمشق، وقرب حمص، بينما تمركز فوج مروحيات التشويش الإلكتروني على أراضي مطار عسكري قرب دمشق يرجح أنه مطار المزة العسكري، فضلا عن وحدات تشويش سوفياتية انتشرت في الجولان وأخرى في البقاع في لبنان.

 

كيف انسحب السوفييت من سوريا؟

المخاوف من عملية عسكرية إسرائيلية ضد سوريا والقواعد السوفياتية هناك، دفع القادة السوفيات إلى اتخاذ قرار بانسحاب تدريجي للقوات من الأراضي السورية، إلى أن ينسحب آخر عسكري بحلول صيف عام 1984

وكما يحذر الروس في أيامنا هذه من أن إرسال "إس-300" إلى سوريا سيجبر كل من يفكر على اختراق أجوائها أن يعيد حساباته ألف مرة، رأى الجنرالات السوفيات عام 1983 أن إسرائيل ستضطر بعد نشر "إس-200" أن تأخذ على محمل الجد أن أي عدوان أو استفزاز لسوريا لن يمر دون عقاب. إلا أن المخاوف من عملية عسكرية إسرائيلية ضد سوريا والقواعد السوفياتية هناك، دفع القادة السوفيات إلى اتخاذ قرار بسحب تدريجي للقوات من الأراضي السورية، إلى أن ينسحب آخر عسكري بحلول صيف عام 1984. وهذا ما جرى، وبقيت قواعد "إس-200" بيد القوات السورية، بينما لم يحصل أندروبوف من الأسد الأب على أي قواعد جوية أو صاروخية، وبقيت القاعدة في طرطوس أقرب إلى محطة صيانة لكن دون رصيف قادر على استقبال سفن كبيرة.

الوضع في عهد الثنائي الأسد الابن- بوتين كان مختلف تماماً، وحصل الروس من الابن، مقابل دعمهم له، وحماية "كرسيه"، على قواعد بحرية وجوية وصاروخية على الساحل، وباتفاقيات لمدة نحو نصف قرن، تمنح العسكريين الروس حصانة على الأراضي السورية أوسع من الحصانة الدبلوماسية في بعض الحالات. ويبدو أن بوتين حقق حلم أندروبوف واستكمل نشر القواعد الروسية حين أرسل بعد سقوط الطائرة في 17 من أيلول، بطاريات "إس-300" لإقامة قواعد دفاع جوي في مصياف وفي "التيفور" قرب حمص، يبدو واضحا من تصريحات المسؤولين الروس أن مهمتها الرئيسية حماية القواعد الروسية والعسكريين فيها.  

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم