الأتراك البيض واللاجئون السوريون

شاع تعبير "الأتراك البيض" في الثقافة السياسية التركية، في العقدين الأخيرين بصورة خاصة، للدلالة على طبقة مشبعة بقيم الحداثة وامتيازاتها معاً، تتمتع بمستوى أعلى من التعليم والدخل، وترى في نفسها "أم الصبي" (الأمة) و"ابن الأب" (الدولة) ووريثة القيم الجمهورية (العقيدة الكمالية) بعلمانيتها ونزعتها الوطنية، موجودة جغرافياً في المدن الكبرى، وبخاصة في إسطنبول والشريط الساحلي الغربي.

في حين شكل سائر السكان في تركيا "زنوجها" في بر الأناضول بخاصة، محرومين، عموماً، من النفاذ إلى الموارد الوطنية، وإلى السلطة السياسية، بحظ أقل من التعليم والدخل، يلعب الإسلام دوراً مهماً في تكوينهم الثقافي المحافظ.

بوصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، بعد مخاض طويل ومؤلم، حدث نوع من الانقلاب الاجتماعي، فأصبح "الزنوج" في السلطة، وفي مركز الفعالية الاجتماعية. وبمرور السنوات تشكلت طبقة بورجوازية جديدة محافظة من حول السلطة، تختلف عن البورجوازية القديمة "البيضاء" في المزاج الاجتماعي – الثقافي، موالية عموماً لسلطة "العدالة والتنمية".

لكن التضافر الذي كان يجمع، في السنوات الأولى، بين الطبقات الدنيا والبورجوازية الجديدة في الكتلة "الزنجية"، لم يستمر طويلاً، فأخذت

على رغم صعود البورجوازية الجديدة ذات الأصول "الزنجية"، حافظت بورجوازية "الأتراك البيض" على مواقعها الطبقية، مع تراجع موقعها المركزي في الدولة

الثانية تنفصل، تدريجياً، عن قاعدتها بمقدار اندماجها في الدولة وتملكها لها، الأمر الذي بلغ ذروته في السنتين الأخيرتين، وظهر هذا الشرخ جلياً في الانتخابات البلدية (31 آذار – 23 حزيران) حيث فقد حزب السلطة نسبة معتبرة من شعبيته.

على الرغم من صعود البورجوازية الجديدة ذات الأصول "الزنجية"، حافظت بورجوازية "الأتراك البيض" على مواقعها الطبقية، مع تراجع موقعها المركزي في الدولة، وحافظت على دور فاعل في ميدان الثقافة اعتماداً على الإرث الكمالي الراسخ، على الرغم من المنافسة القوية من التيار المحافظ الصاعد. فلا يمكن تجاهل دور المؤسسة التعليمية في تربية أجيال مشبعة بقيم الجمهورية، ومثلها المؤسسة العسكرية. وعلى الرغم من صغر حجمها النسبي، لطبقة "الأتراك البيض" فعالية كبيرة في الاقتصاد والثقافة والفن والإعلام وبيروقراطية جهاز الدولة.

لدى هذه الطبقة نزعة وطنية متشددة، ومزاج "إمبراطوري" - استشراقي تجاه بلدان "الشرق الأوسط" وشعوبه، قابلان للتسويق لدى الطبقات الدنيا أيضاً، بما يضاعف من تأثيرها الإيديولوجي في المجتمع التركي.

من جملة من كتبوا عن الأحداث الأخيرة بحق اللاجئين السوريين في إسطنبول، لفتت نظري مقالة للكاتب "ثريا صو" حاول فيها تفسير سبب النفور الاجتماعي المتفاقم من وجود السوريين في تركيا. للوهلة الأولى بدا الرجل كما لو كان ينتقد ذلك النفور من خلال تشريحه. ولكن، بشيء من التمعن، يظهر الأساس "الاستشراقي" لتفكيره، الأمر الذي عزز لديّ ما وصلني من انطباعات سابقة كونتها من خلال قراءة بعض النصوص.

الفكرة الأساسية في مقالة "صو" هي أن سبب نفور الأتراك من اللاجئين السوريين هو أن هؤلاء "يذكرونهم بماضيهم" الذي يحاولون نسيانه. "ماضينا الفظ الفقير القبيح المخجل الذي نريد أن ننساه ونتركه وراءنا"

"إن سبب كرهنا للاجئين السوريين هو، في أحد وجوهه، أنهم يذكروننا بماضينا الذي نريد نسيانه. ذلك الماضي الشرقي، المنقّب، الأسمر، المُشعِر، الفائح برائحة العرق، الماضي بجِماله ونراجيله، الماضي البائس الذليل".

ضمير "نا" الذي يستخدمه الكاتب للدلالة على الأتراك، يشمل الكاتب نفسه من حيث أراد الظهور بمظهر الناقد لجماعته. فالصفات التي اختارها للاجئين السوريين، باعتبارها صفات "ماضي الأتراك" لا تنطوي على أي تعاطف أو رفض للصق تلك الصفات القبيحة حقاً باللاجئين السوريين الذين هم أبناء اليوم. كما يظهر هذا الاقتباس أن الكاتب لا يرى من الأتراك إلا فئة صغيرة تجاوزت تلك الصفات أو بعضها، أي "الأتراك البيض". في حين أن الأدب التركي لا يخلو من وصف أبناء شرق الأناضول وجنوبه بأنهم "سمر ومشعرين، تفوح منهم رائحة العرق.. إلخ". بكلمات أخرى: "زنوج تركيا" في عين "بيضها" يحملون نفس صفات اللاجئين السوريين اليوم في عين أولئك البيض! ربما مع إضافة "الجمل والنارجيلة". ربما هذا ما جعل الكاتب

الميل إلى التنميط موجود عند كل الجماعات البشرية تجاه "الغرباء". نحن نجهل الغرباء الدخيلين، فنلتقط بعض مظاهرهم الخارجية ومسالكهم فنعممها على الجماعة كلها

يعتبر تلك الصفات من الماضي بالنسبة للأتراك، هو صعود ممثلي "زنوج" تركيا إلى السلطة في العقدين الأخيرين، فذهب به الظن أن الأناضولي النمطي الذي طالما تعرض للإذلال والتهميش والتعالي، طوال التاريخ، قد تغير، فلم يعد اليوم "أسمر مشعراً متعرقاً" ونساؤهم لم يعدن منقبات أو محجبات!

الميل إلى التنميط موجود عند كل الجماعات البشرية تجاه "الغرباء". نحن نجهل الغرباء الدخيلين، فنلتقط بعض مظاهرهم الخارجية ومسالكهم فنعممها على الجماعة كلها. والتنميط تبسيط وإفقار بطبيعته، يثير استياء من يتعرضون له، ويسعون إلى إثبات أنهم ليسوا جميعاً متماثلين وأن هناك "من يشوهون صورتنا"، في موقف متملق تجاه المجتمع المضيف، مع صب جام الغضب على "مشوهي الصورة".

سألني سائق التاكسي من أين أكون، فقلت له إنني من حلب. فقال: "يعني سوري". أجبته بالإيجاب، ثم سألته: "ما الذي يخطر في بالك حين تسمع كلمة (سوري)؟". فقال: "الأمر يختلف من شخص لآخر، فليس كل السوريين متماثلين". وبعد إلحاح مني قال: "قد يكون سورياً ولكنه إنسان أيضاً"! فقلت له: "هل ترضى أن أقول عنك إنك تركي لكنك إنسان أيضاً؟" فشرح لي أنه يقصد بكلمة "إنسان" صفة الإنساني، أي الخيّر. فكرته هي أن السوري يمكن أن يكون "سورياً" أو "إنساناً" برغم سوريته! فللأول صورة سلبية جداً في ذهنه.

لا يصدر السائق المشار إليه من منظور استشراقي كالكاتب صاحب المقال، بل من نزعة ارتياب ونفور "طبيعي" من الغريب. وبخلاف المثقف الذي يميز بين الأجنبي الشرقي والأجنبي الغربي، ينظر السائق، على الأرجح، نظرة متماثلة تجاههما قائمة على التوجس والنفور.

الصعوبات الاقتصادية المتفاقمة في تركيا، تضغط بصورة أساسية ومباشرة على الطبقات الدنيا، تضيف إلى هذا النفور "الطبيعي" ذلك التعالي الاستشراقي الذي تزدهر سوقه في هذه الظروف، فيتحول أمثال السائق بسلاسة إلى عدوانيين يمكن أن ينكلوا بالغرباء. فالملاحظ في حوادث الاعتداء على اللاجئين السوريين أن الأشخاص العدوانيين، هم من الطبقات الدنيا أو من العاطلين عن العمل، أو من أفراد جماعات أهلية مهمشة (غجر أو كرد).

دعت ثلاث من منظمات المجتمع المدني المتعاطفة مع اللاجئين إلى وقفة احتجاجية في منطقة "فاتح" في إسطنبول يوم السبت. حضر الفعالية نحو مئة شخص، وقرؤوا بياناً رفضوا فيه الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها وزارة الداخلية التركية بحق اللاجئين السوريين. هاجمت مجموعة من الأتراك أولئك المجتمعين وهتفوا بالشعار الشهير (ما أسعد من يقول إنني تركي!). ولهذا الشعار مقابل سوري معروف هو (أنا سوري يا نيالي!) وإن كان أقل شيوعاً واستخداماً في سوريا.

الخلاصة أن الحلقة تضيق أكثر وأكثر على السوريين، على أرضهم أو في الشتات.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم