icon
التغطية الحية

17 جثة متفحمة مجهولة الهوية.. قصة مهاجرين سوريين قضوا في حرائق اليونان | فيديو

2023.10.04 | 17:11 دمشق

ءؤرلا
قصي الأحمد بالقرب من الموقع الذي توفي فيه شقيقه باسل
The New York Times- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

في أثناء عبورهم لغابات كثيفة متشابكة ووعرة في شمال شرقي اليونان، تعرض 18 طالب لجوء إلى مشكلة عويصة، إذ تعين عليهم أن يختاروا إما الطريق الأسلم الذي يمر بقرى ويصل إلى شوارع عريضة، ومن ثم إلى أحضان السلطات اليونانية، أو أن يسافروا عبر الغابات والحقول التي دمرتها أعنف موجة حرائق للغابات في أوروبا، فما كان منهم إلا أن اختاروا قطع الغابات.

في 21 آب، وتحديداً عند الساعة التاسعة ليلاً، احترقت مجموعة من طالبي اللجوء حتى الموت في أعنف موجة لحرائق الغابات سجلتها أوروبا، وعثر على جثثهم المتفحمة التي لم يستطع أحد التعرف إليها في اليوم التالي.

افترضت السلطات اليونانية بأن الضحايا ما هم إلا مهاجرون، نظراً لعدم وجود من يبحث عن أي مفقود من أهالي المنطقة. وبعد مرور أكثر من شهر، ماتزال هويات الضحايا وملابسات واقعة وفاتهم لغزاً.

ولكن خلال أسابيع من التغطية، تمكنت صحيفة نيويورك تايمز من جمع أجزاء القصة التي لم يكن يعرفها أحد حول رحلة تلك المجموعة وذلك خلال الساعات الأخيرة القاسية التي أمضاها أفرادها بين الحرائق. إذ كشفت التقارير عن وجود 12 شخصاً على الأقل كان حرس الحدود اليوناني قد ألقى القبض عليهم ثم أعادهم إلى تركيا.

ولهذا قرروا أن يخاطروا عبر حرائق الغابات مهما كلف الأمر لتجنب إلقاء القبض عليهم مرة أخرى، فقد هرب هؤلاء من سوريا التي دمرتها الحرب بحثاً عن حياة أفضل في أوروبا، غير أن المنية وافتهم في تلك التلة ذات التضاريس الوعرة، فاختلط رماد أجسادهم بتراب إقليم إيفروس، حيث تسببت أزمة المناخ بحرائق شرسة في الغابات ترافقت مع أزمة هجرة سبق لها أن تسببت بمأساة في هذه المنطقة.

 

 

تم التعرف إلى هوية جثة واحدة فقط عبر تحليل الحمض النووي، وذلك لأن معظم أقارب بقية الضحايا يعيشون في سوريا ولا يمكنهم السفر لإجراء فحوص مماثلة، غير أن المقابلات التي أجريت مع مسؤولين يونانيين، وعاملين في مجال الإغاثة وأكثر من عشرين قريباً للضحايا، ومهرب أوصلهم إلى هذا الطريق، زودتنا بأدلة حول هويات البقية.

قامت صحيفة التايمز البريطانية بالتدقيق في الرسائل الصوتية ومقاطع الفيديو وبيانات المواقع والصور التي أرسلت لأهالي الضحايا، فتبين بأن ما لا يقل عن خمسة منهم كانوا أطفالاً أو مراهقين، وذلك بحسب ما ورد في المقابلات وفي الفيديوهات.

في أواسط شهر أيلول، رافق مراسل لصحيفة التايمز شقيقاً وأربعة من أبناء عم أحد الضحايا الذين جرى التعرف إلى هويته، وذلك إلى الموقع الذي لقيت تلك الضحية حتفها فيه.

كشفت الفيديوهات والرسائل الصوتية التي قدمها الأقارب عن تزايد خوف تلك المجموعة وهي تحاول التغلب على النيران، إذ عندما أخذت النار تصعد التلة، وتقترب منهم من جهة الخلف، أطلق الرجال والفتيان سيقانهم للريح بين الأشجار فوصلوا إلى طريق وعر، ثم اختبأ ثلاثة منهم داخل كوخ صغير ومهمل كان الرعاة يلجؤون إليه في السابق، ظناً منهم بأن جدرانه الإسمنتية بوسعها أن تقيهم من النيران.

وعلى مسافة تبعد عن إحدى التلال ستين متراً، تجمع تسعة أشخاص بينهم طفلان على الأقل، ففارقوا الحياة هناك معاً، في حين قطع أحد الرجال مسافة بعيدة أسفل التلة، إلا أن سرعته لم تنقذه من الحرق هو أيضاً.

 

The charred remains of a small building in a fire-scoured landscape.

الكوخ الذي أوى إليه ثلاثة من طالبي اللجوء الذين احترقوا في اليونان

 

أثار إعلان السلطات اليونانية عن وفاة تلك المجموعة حالة من الذعر في سوريا التي تبعد نحو 160 كيلومتراً عن اليونان، فبدأ أهل الضحايا بمرحلة الانتظار المضنية، ثم أخذوا يشاركون آخر الأخبار ضمن مجموعة عبر إحدى وسائل الدردشة، ويعيدون ترتيب تحركات أحبائهم من خلال الفيديوهات والرسائل النصية، ليشجع كل منهم الآخر.

إذ حتى اليوم مايزال والد أحد الفتية الذين يٌعتقد أنهم احترقوا في الغابات يتأمل عودته، ويقول: "قلبي يحدثني بأنه حي".

خياران أحلاهما مر: الشرطة أو النار

خلال الفترة التي كبر فيها وترعرع كل من باسل الأحمد وشقيقه قصي في ريف حلب، كان باسل العابث المشاكس بين الأخوين، وذلك بحسب ما سرده لنا أولاد عمهما الأصغر منهما سناً، بما أن باسلاً كان يترأس مباريات رمي الحجارة التي يقيمها للأولاد، إلا أن باسل تغير عند بلوغه الخامسة عشرة من العمر، بعدما تأثر باجتهاد شقيقه قصي ومثابرته على دروسه.

حصل باسل على ماجستير في الهندسة وحقق المرتبة الأولى على دفعته في جامعة حلب، بحسب ما ذكره شقيقه، ثم أمضى الأشهر القليلة السابقة وهو يساعد في جهود التعافي والإنعاش بعد الزلزال المدمر في تركيا وشمال غربي سوريا، لكنه أدرك بأن الطريقة الوحيدة ليؤسس حياة جديدة له هي بالالتحاق بشقيقه وأولاد عمه في النرويج، بما أنهم جميعاً حصلوا على حق للجوء هناك خلال العقد الماضي.

 

Basel al-Ahmad, with a neat dark beard and a blue suit jacket bearing a decoration on a chain.

السوري باسل الأحمد أحد ضحايا حرائق الغابات في اليونان

 

طوال عقود كثيرة، بقي كل من يهرب من نزاع أو فقر مدقع يعبر التضاريس العصية لإقليم إيفروس، والتي تشتمل على نهر خطر، وذلك حتى يصل إلى أوروبا ويؤسس لنفسه حياة جديدة. ويعتبر هذا الطريق أحد أقدم طرق الهجرة وأكثرها ازدحاماً، كما تعتبر اليونان المحطة الأولى للمهاجرين والأخيرة بالنسبة لبعضهم.

سافر باسل، 28 عاماً، من سوريا إلى تركيا، وفي 11 آب قطع الحدود إلى اليونان بمساعدة أحد المهربين، برفقة 11 شخصاً آخرين، ولكن بعد مرور ثلاثة أيام، احتجز حرس الحدود تلك المجموعة وأعادوها إلى تركيا، وذلك بحسب رسائل واتساب أرسلها باسل لشقيقه الذي أجرت معه صحيفة التايمز مقابلة حول هذا الموضوع.

 

 

لم تكن تلك الحادثة مختلفة عن غيرها، إذ سجل اليونان حافل بعدما صارت أكثر دولة أوروبية معادية للمهاجرين، وخلال السنين الماضية، مارست السلطات اليونانية قمعاً ضد طالبي اللجوء على الحدود، واستخدمت العنف في أغلب الأحيان إلى جانب الترحيل خارج نطاق القانون، وذلك بحسب ما كشفته تقارير إخبارية، ومنظمات حقوقية ووكالة الحدود الأوروبية.

زاد قمع اليونان وقسوتها ضد المهاجرين في شهر حزيران، عندما غرق نحو 650 مهاجراً قبالة سواحلها إثر تحطم سفينة في المتوسط في حادثة تعتبر الأسوأ منذ عقد، وأشارت الأدلة إلى أن خفر السواحل اليوناني كان بوسعه إنقاذ هؤلاء المهاجرين، إلا أنه أحجم عن ذلك. بيد أن السلطات أعلنت أنها فتحت تحقيقاً بملابسات الحادثة.

تفرض قوانين اليونان المحلية والدولية وكذلك قانون الاتحاد الأوروبي على هذه الدولة أن تكون عادلة في منح أي شخص فرصة التقدم بطلب لجوء، أما الترحيل فيأتي بعد أن تستوفي عملية دراسة طلب اللجوء شروطها وتنتهي بالرفض. غير أن السلطات اليونانية أعلنت عن تطبيقها لسياسة صارمة لكنها عادلة على حد قولها، وأنكرت ضلوعها بأي شيء يخالف تلك القوانين.

 

A crowded inflatable dinghy on a wide river, seen through spindly tree branches.

مهاجرون في نهر إيفروس يحاولون العبور من تركيا إلى اليونان في عام 2020

 

خلال المحاولة الثانية للمجموعة نفسها، عبر باسل الحدود ليصل إلى اليونان في 17 آب، أي بعد يومين على اندلاع حرائق الغابات التي حاول أن يقطعها.

تظهر الرسائل التي أرسلها لشقيقه بأنه تحتم عليه مواصلة الجري في طرقات الغابات حتى يتوارى هو ومجموعته عن أعين الشرطة والجيش، وهكذا أخذ الجميع يجرون على أمل أن تبقى النار خلفهم.

في 20 آب، أرسل باسل رسالة صوتية لقصي جاء فيها: من المفترض للسائق أن ينقل المجموعة من نقطة تقع خارج قرية آفاس، إلا أن الحريق اشتعل بالقرب منها.

عند الساعة الرابعة عصراً من مساء اليوم التالي، أرسل باسل لقصي مقطع فيديو ظهرت فيه مروحية وهي ترمي الماء فوق النيران التي اقتربت كثيراً من المجموعة.

وفي فيديو آخر، أُرسل عند الساعة 8:12 ليلاً، نرى قسماً من المجموعة بينهم خمسة قاصرين، وهم يسيرون بسرعة بعيداً عن أعمدة الدخان، ونسمع رجلاً يقول لأحد أقاربه: "لقد وصلت النار إلينا، ولم يعد بوسعنا رؤية ضوء النهار".

كان آخر موقع عرف وصول المجموعة إليه قريب من قرية آفاس، وكان باسل آخر من بقي متصلاً بالشابكة عبر تطبيق واتساب في يوم 21 آب عند الساعة 8:18 ليلاً. وفي المقابلات التي أجريت، ذكر عدد من أهالي المنطقة بأن النار وصلت إلى المنطقة خلال الفترة ما بين الساعة الثامنة والتاسعة ليلاً.

البحث عبثاً عن إجابات

في اليوم التالي، أعلنت السلطات اليونانية عن وفاة 18 شخصاً، وهذا ما أثار رعب الأهالي، ثم بدأ قصي عملية بحث منهجية عن شقيقه الأصغر.

بدأ هذا الشاب البحث عبر فيس بوك، من خلال صفحة خصصت لمن يعبر من تركيا إلى شمالي اليونان.

يعمل قصي، 31 عاماً، مهندساً في النرويج، وكانت لديه رغبة في ذلك الحين لأن يصدق بأن أخاه مايزال حياً، أو لعله قد اختبأ في مكان ما، أو احتجز في اليونان أو تركيا، أما الأم في سوريا فقد أخذت تتصل به بلا توقف وتطالبه بأي خبر جديد عن شقيقه.

بعد مرور بضعة أيام، حصل قصي على أرقام أقارب لأشخاص سافروا بصحبة باسل من قبل مهرب رتب لهم أمور رحلتهم، فأنشأ مجموعة على واتساب لتبادل الأخبار فيما بينهم وكذلك الأمنيات بأن يبقى أقاربهم على قيد الحياة.

شاهد أحد الأقارب عبر الشابكة أن أهالي تلك المنطقة تحولوا إلى حراس واحتجزوا طالبي اللجوء خلال فترة احتراق الغابات، ظناً منهم بأن المهاجرين هم من أشعلوا تلك الحرائق.

وفي إحدى الحالات، احتجز ثلاثة من الحراس 13 سورياً وباكستانياً كانوا قد عبروا للتو إلى اليونان، وذلك خلال محاولتهم الهرب من الحريق، إلا أن اليونانيين الثلاثة حبسوهم داخل شاحنة خالية من النوافذ، وبثت الحادثة بأكملها عبر الفيس بوك، وسرعان ما أطلق سراح المهاجرين وتقدموا بطلبات للجوء.

 

Two police officers next to a wire-topped metal barrier half again as tall as them. One is looking through with binoculars.

ضباط من شرطة الحدود بالقرب من الجدار الذي أقيم على نهر إيفروس

 

وصل بعض الأقارب إلى حال يرثى لها لدرجة أنهم تمنوا أن يكون أقاربهم بين من احتجزهم اليونانيون الثلاثة.

ثم ضغط الأهالي على المهرب الذي نظم رحلة باسل ورفاقه، وهو سوري مقيم في تركيا ينادونه باسم أبي علي الحموي.

يقوم المهربون بإطلاع الأهل عن أي تطورات في رحلة أقاربهم وأبنائهم، لأن المهرب لا يحصل على أجره إلا عند وصول المهاجر للوجهة المتفق عليها، كما يقوم بعض المهربين بنشر آخر الأخبار التي تبشر بالتفاؤل والأمل عبر وسائل التواصل الاجتماعي وذلك على سبيل الدعاية لخدماتهم، ولمنع انتشار أي خبر سيئ.

أخبر المهرب الأهل بأن المجموعة تضم 18 شخصاً، بينهم باسل، وكانت مؤلفة من 12 سورياً أضيف إليهم ستة أشخاص التقوا بهم وهم في طريقهم إلى اليونان، وذلك بحسب الرسائل والفيديوهات التي أرسلها البعض منهم لأقاربهم.

ذكر المهرب للأهالي بأن لديه معلومات تفيد بأن جميع المفقودين احتجزوا في مخيم باليونان، فيما ينبغي أن يحصل المهرب على أجره الذي يعادل خمسة آلاف يورو عن كل طالب لجوء عند وصول المجموعة إلى صربيا.

في مقابلة أجريت عبر الهاتف، حاول الحموي أن يدافع عن تاريخه وسمعته في مجال التهريب، فأخبرنا بأن السلطات اليونانية ألقت القبض على ثلاثة سائقين أرسلهم لينقذوا المجموعة، وذكر بأنه نصح طالبي اللجوء بتسليم أنفسهم للسلطات، بدلاً من البقاء في الغابات.

ضمن المجموعة التي ضمت باسلاً، ثمة رجل كان يعمل مرشداً لصالح المهرب في تركيا، وفيها أيضاً أحد أبناء عمومة باسل من الأباعد، وهو شخص كان يعمل في مجال البناء بتركيا، أي إنه واحد من بين 3.5 ملايين لاجئ سوري يقيمون في تركيا منذ أن اندلعت الحرب السورية في عام 2011، والآن لم يعد أحد في تركيا يرحب بوجود هذه الجالية.

 

Portraits of two young boys with scrubland behind them. One is in a sleeveless top, the other a T-shirt with the slogan, “So What!”

محمود الداوود إلى اليسار وابن عمه علي الداوود في صورتين أرسلاهما إلى أهلهما من اليونان قبل أن يصبحا في عداد المفقودين

 

كان هنالك يافعان بين المجموعة، وهما محمود الداوود، 15 عاماً، وعلي الداوود، 13 عاماً، وهما أبناء عمومة، وقد فر كل منهما من سوريا ليصلا إلى تركيا برفقة أهلهما في عام 2016، ويخبرنا والد علي، أحمد، بأنه تقدم بطلب لإعادة توطين الأسرة فور وصوله إلى تركيا، بما أن تلك هي الطريقة الرسمية الوحيدة للتقدم بطلب لجوء في الاتحاد الأوروبي.

 

 

بعد سبع سنوات على ذلك، بقي التهريب فاعلاً في تركيا، خاصة بعد تغير مشاعر الشارع التركي تجاه السوريين كما أخبرنا أحمد، ولذلك قرر أهل الصبيين أنه من الأسلم لهما أن ينتقلا للعيش في أوروبا.

يظهر الصبيان في الفيديوهات التي تصور المجموعة التي كان باسل معها، غير أن أحمد لم يصدق بعد أنهما توفيا، وهذا ما دفعه للقول: "لعلهما في ميتم لأنهما طفلان، أو ربما حبسا في أحد السجون".

ونشرت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي قائمة بأسماء السوريين الـ 18 الذن قضوا في الحريق وأرفقوا صورهم.

 

 

شيء يشبه النهاية

سافر قصي إلى اليونان وقدم عينة من الحمض النووي للسلطات هناك في 27 آب الماضي، إذ بوسعه أن يسافر بحرية بين دول الاتحاد الأوروبي بما أنه يحمل جواز سفر نرويجيا.

وعلى الطرف الآخر من عملية التعرف إلى الضحايا نجد بافلوس بافليديس، وهو الطبيب الشرعي الوحيد الموجود في شمال شرقي اليونان، إذ خلال العقدين الماضيين، تركز عمله على تشريح جثث طالبي اللجوء ومحاولة العثور على أقربائهم، ويشرح لنا عمله بقوله: "الأمر أشبه بواجب بالنسبة لي، إذ ينبغي علي أن أبذل قصارى جهدي حتى أعيد الجثث لذويها ليتمكنوا من دفنها، بصرف النظر عمن يكون هؤلاء".

 

Pavlos Pavlidis between two autopsy tables. He has a gray beard, an untucked shirt, a white coat and a solemn expression.

الطبيب الشرعي بافلوس بافليديس

 

أطلق الطبيب سحابة دخان بعد أن عب من سيجارته داخل مكتبه الواقع في الطابق الأرضي من مشفى أليكساندروبوليس الذي يبعد مسافة تسعة كيلومترات جنوباً عن المكان الذي عثر فيه على جثث طالبي اللجوء الثمانية عشر. كان ذلك في يوم 28 آب، أي بعد يوم من إحضار الجثث وتشريحها من قبل هذا الطبيب.

تقع المشرحة على الطرف المقابل الذي يفضي إليه ممر، أما في الخارج فقد توقفت شاحنتا تبريد تابعتان للصليب الأحمر وتحمل كل منهما جثثاً تعود لضحايا لم يبلّغ أحد عن فقدانهم.

وأوضحت إيمان الطرابلسي المتحدثة بإسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الشرق الأوسط والأدنى لموقع تلفزيون سوريا أن الصليب الأحمر لا يوجد لديه معطيات أو تدخل في ملف المهاجرين في منطقة المتوسط واليونان.

يعتبر فحص الحمض النووي أفضل طريقة للتعرف إلى هوية الضحايا، ولهذا يقول الطبيب: "قد يخبرني أحد الأقارب بأن شقيقه كان طوله 180 سم، وبأن عينيه زرقاوان وشعره بني ولديه وشم، إلا أن كل ذلك لا يفيد عند احتراق الجثة، إذ تختفي العينان، والشعر والبشرة، ويذوي الجسد بأكمله".

في السادس من أيلول، أي بعد مرور عشرة أيام على تقديم الحمض النووي، تلقى قصي مكالمة هاتفية جاء فيها بأن العينة التي قدمها أظهرت وبشكل قاطع بأنه شقيق لأحد الضحايا، أي إن باسل فارق الحياة حقاً، وأغلب الظن أن بقية أفراد مجموعته لقوا مصرعهم هم أيضاً.

انتشر الخبر عبر مجموعة الواتساب، فاعترض البعض على طريقة فحص الحمض النووي وقالوا: نريد أن نرى الجثث، حتى لو كان من الصعب التعرف إليها، في حين راسل آخرون قصي بشكل شخصي وسألوه: كيف يمكننا تقديم عينة عن حمضنا النووي؟

لم يتبق أمام قصي إلا أن يقطع تلك الرحلة التي كان يخشى أن يقطعها، إذ سافر هو وأبناء عمه الأربعة للقاء الدكتور بافليديس بهدف التعرف إلى الجثة، وترتيب أمور نقلها إلى أمه في حلب، حيث ستدفن بشكل لائق.

 

Dr. Pavlidis, chin on hands, at an office desk stacked with files. A group of people is seated in front of him.

قصي الأحمد إلى اليسار في لقائه مع الدكتور بافليديس

 

مقابل مبلغ تراوح ما بين 3200 إلى 3400 يورو، وافق مكتب لدفن الموتى وفقاً للطريقة الإسلامية على نقل الجثة إلى تركيا ومنها إلى الحدود السورية، وهناك، سلم رفات باسل لمتعهدي دفن سوريين تولوا أمر نقلها إلى مدفن يقع خارج حلب، وفي 13 أيلول، دفنت الجثة بحضور الأم وبعض الأقارب.

رغب قصي برؤية المكان الذي دفن فيه شقيقه باسل، بل يجب عليه أن يعرف أين. كان قد حافظ على هدوئه ورباطة جأشه حتى تلك اللحظة، ولكن عندما وصل إلى سفح التلة برفقة أبناء عمومته، انهار من شدة حزنه، وأخذ يصرخ ويبكي وهو يضرب التراب، وبعدها جرى نحو ما تبقى من خيمة العزاء ولم يخرج منها. ثم تهاوى عند التلة بين الأشجار المحترقة، فجرى خلفه أولاد عمه وحملوه وأخذوا يبكون معه، فقطع صوت عويلهم وبكائهم الصمت الرهيب الذي يلف التلال المحترقة.

بعد ساعة من الزمن، جلس قصي في السيارة، وأخذ يحدق في الفراغ أمامه.

كان آخر شيء تعين عليه فعله هو تقديم صورة عن جواز سفره لقسم إطفاء الحرائق في المنطقة، إذ داخل مكتب صغير يترأسه ضابط إطفاء اسمه ديميتريس ليكيديس، وهو رجل في أواسط العمر، سمين جداً، ويداه مسودة بشكل كبير، جلس قصي ممسكاً بهاتفه بصمت، فخاطبه ليكيديس بالقول: "جئت بجثة شقيقك" وهو يتحاشى النظر في عينيه، ويتظاهر بملء استمارة أمامه، ثم تابع بالقول: "كنت أحد رجال الإطفاء الذين عملوا في الموقع".

عندئذ وقف قصي وسأله: "هل بوسعي أن أعانقك؟ لأنك آخر من رأوا شقيقي.. أشكرك من كل قلبي، وأعرب عن أسفي لما حدث".

فما كان من الضابط إلا أن نهض من مكانه، وقد اغرورقت عيناه بالدموع، ثم فتح ذراعيه وعانق قصي وهو يقول: "وأنا آسف لما حدث بل أعتذر بشدة عنه".

 

Qusai al-Ahmad kneeling in grief in a blasted landscape, while another man places a comforting hand on his back.

قصي الأحمد وهو يزور المكان الذي دفن فيه شقيقه باسل

 

المصدر: The New York Times