يتخبَّطون

يتخبَّطون

الصورة
عنصر من الدفاع المدني ينظر إلى السماء خوفاً من قصف طائرات النظام على مدينة دوما(رويترز)
16 كانون الثاني 2019

ياسر الأطرش

أديب وكاتب صحفي 

مَن منا نحن السوريين يعرف أو حتى يستطيع أن يتوقع ما يمكن أن يحدث في بلاده غداً؟

بعد ثماني سنوات من عمر الثورة لم نزدد إلا تخبّطاً وحيرة، لأنَّ المتسلطين على القضية السورية ما عادوا يقاطعون مصالحهم مع مصالحنا، كما كانت الأمور عليه حتى عام 2015 أي ما قبل التدخل الروسي المباشر في سوريا، ومع ظهور حلف "أستانة" في 2017، بدت الإرادات الدولية والإقليمية تتنازع سوريا وكأنها قد أصبحت تركة رجل عقيم مقطوع من شجرة لا وارثين له ولم يترك وصية حتى! 

أما اليوم؛ ومع عقد المجتمع الدولي العزم على إيجاد حل سياسي للقضية من خلال تشكيل لجنة دستورية ووضع دستور للبلاد يؤسس لمرحلة جديدة وحكم مقبول من قبل معظم فئات الشعب، كما يأملون، فإن دخول لاعبين مجانين على الخط، لا يعرفون ماذا يريدون، يجعل الضوء الذي في نهاية النفق يتلاشى، مولِّداً حيرة من حيرة وضبابية عقيمة لا تنتج إلا العمى على المدى القصير والمتوسط.

لا يبدو ترامب عارفاً لماذا أتى ولا لماذا قصف ولا لماذا سيغادر، أما ثمن تخبّطه فندفعه نحن السوريين من أعمارنا

لا يبدو ترامب عارفاً لماذا أتى ولا لماذا قصف ولا لماذا سيغادر، أما ثمن تخبّطه فندفعه نحن السوريين من أعمارنا التي أنهكتها المنافي وأتعبَها الشتات، ومن مصائرنا التي صارت كأوراق خريفية في مهب ريح مجنونة.

ومع حسم مصير المناطق التي استعاد نظام الأسد السيطرة عليها بقوة إجرامية روسية وميليشياوية إيرانية، يظل مصير إدلب وشرق الفرات معلّقاً إلى حين، وربما إلى وقت طويل، نظراً لأن إدلب تخضع لتجاذبات داخلية وإقليمية معقدة، ولكون شرق الفرات بوجود مكوّن انفصالي يخوض واحدة من معاركه التاريخية بعيداً عن الثورة ومطامحها، فالواقع على الأرض يشي بأن مكوّناً عرقياً استغل الظرف لإنشاء كيان انفصالي ضمن محاولات تاريخية متكررة لم تعد على الانفصاليين أو خصومهم إلا بالوبال.

منطقة "آمنة" في إدلب تم التوافق عليها بين ضامني أستانة في أيلول الماضي؛ لم تكن في الواقع "آمنة" إلا لمصالحهم، أما لنحو أربعة ملايين مدني يلوذون بها فهي: سيول وخيام منتهكة وفوضى سلاح وضوائق اقتصادية واجتماعية لا تنتهي... والأسوأ من ذلك كله أن سيطرة "هيئة تحرير الشام" على المنطقة برمتها عسكرياً وإدارياً وضعت الناس أمام سيناريوهات متخيلة بقسوة منها: انقضاض قوات الأسد عليهم أو التدمير على يد سلاح القتل الروسي أو الانخراط في مطحنة الأمر الواقع مستسلمين لموت بطيء على مراحل!.

أما المنطقة "الآمنة" التي تحدث عنها ترامب مؤخراً، فتبدو بلا ملامح ولا هوية ولا مستقبل، منطقة بطول 500 كم وعمق 40 كم، ستغدو مستنقعاً للموت لا يجف، ففيها سيجرب المغامرون، وفيها ستتم تصفية الحسابات التاريخية، وفيها تتأكد مقولة تمزق الجغرافيا السورية، وربما تغدو منفى إجبارياً لكثير من فاقدي الخيارات ممن ضاقت بهم "سوريا الأسد" ولم تجد خطاهم طريقاً إلى المنافي المأمولة.

إنهم يتخبَّطون، أولئك الذين تصدوا للحل السوري وزعموا أنهم إنما يريدون المحافظة على وحدة سوريا ونسيجها الاجتماعي، فهم من بعد إسهامهم في تمزيق المجتمع، لجؤوا إلى تمزيق الجغرافيا بشكل عشوائي يتغير بتغير المعطيات والتحالفات، ما يعني أننا لن نحظى حتى بتخبط مستقر!

 

شارك برأيك