icon
التغطية الحية

"ولاد بديعة" أو سوريا كما يراها الأسد: دولة بريئة وشعب مجرم

2024.04.07 | 10:38 دمشق

fhhdk6755
+A
حجم الخط
-A

لأن حوامل الأعمال الفنية كثيرة، يمكن أن تقرأ أي عمل بحوامله الإبداعية أو أن تقرأه عبر خطوطه كالخط السياسي؛ ولأن الدعايات المباشرة صارت ممجوجة مرفوضة، فإن الترويج المتستّر للأفكار والتوجهات السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية صار الأكثر انتشارًا وأثرًا، وهذا ما يبيح لنا القراءة بمعزل عن الأدوات الفنية.

"فاحتْ ريحة البارود.. يا هلا وطلت الأسود.. الله ولبيسة العقال.. الله وشيالة الفرود.. واحدكم بعشر رجال قد المرجلة وقدود" في الحلقة السابعة من العمل تتصاعد كاريزما أبو الهول "يمثّله محمد حداقي" على أنغام هذه الأغنية المُلازمة له، والتي سرعان ما كُرّستْ كهُوية سماعيّة لمسلسل "ولاد بديعة" حاسمًا أمره بأن الدّالّة العنفيّة هي التي تحمله، والدّالّة العنفية هنا هي العائدة على الناس وليس على الدولة؛ ونجح القائمون على العمل بإرضاء شهوة الكاريزما عند شريحة كبيرة من المتابعين الذين استخدموا الأغنية لتعزيز صورة حضورهم وقوته أسوة بشخصية أبي الهول وتسخيرًا لدلالة العنف في البارود والأُسود والسلاح الفردي المعبّر عن المغامر الفرد-البطولي الذي لا يتبع مؤسسة.

في تلمّس سياسيٍ لمكونات العمل نجد أن الناس بفئاتهم هم المكون الأساسي وإلى جانبهم تظهر بخجل سلطة الدولة عبر أشخاص أو أماكن أو حوارات، لكنّ تمايزًا أساسيًا يظهر بين الناس والدولة بممارسة العنف، فنلاحظ أن الناس يمارسونه أكثر وأشد من الدولة وبكل صوره؛ مع أن أحد تعاريف الدولة الحديثة -ربما أهمها وأصدقها- بأنها السلطة التي تحتكر ممارسة العنف؛ فبهذا المعنى نجد أن السلطة في مسلسل ولاد بديعة تحاول احتكار ممارسة العنف، وكفّ يد الناس عنه، إذًا ها هي ذي على طريق إنشاء دولة حديثة.

بشكل واضح وصريح ينتهك المسلسل كل الروابط الاجتماعية بين الناس ويفترضها مسمومة، من علاقة الإخوة الموسوم العمل باسمهم، حتى علاقة الأم بالابن والعلاقة بين الأصدقاء وعلاقة الزوج بزوجته

هذه الدولة، التي لا تحتكر العنف، لا علاقة لها بقتل الناس لبعضهم، ولو كانت الجريمة بالجملة، فقد قتل أبو الهول وأخوه ما يزيد على عشرة أشخاص دفعة واحدة عمدًا دون خشية محاسبة أو خطة للنجاة بفعلتهما، وحوادث القتل كثيرة في العمل فمنهم من قُتل مرتين؛ كما لا علاقة للدولة بتفجير وحرق الناس ممتلكات بعضهم، وتكرر هذا مرارًا، ولا علاقة لها أيضًا بجرائم الخطف والتشبيح والتشليح وانتشار السلاح بين الناس كأنه قطع حلوى، ولا علاقة لها بالاستغلال والابتزاز ولا بالتزوير ولا النصب ولا الاحتيال، الدولة هنا هي السلطة الأمنية أما الموظفون الحكوميون فهم من الناس، إنما الدولة/السلطة تسعى لمحاربة الإجرام والفساد، ملفًا ملفًا وجماعة جماعة، وعندما يصلها ملفٌ أو مجموعة فقد آذنت ساعتهم، والقانون يطبق بالمراقبة وحين يتعاون الناس مع الدولة/السلطة؛ هذا كله يمرر الحامل السياسي للعمل، دولة طيبة وناسٌ أشرار، أو دولة بريئة وناسٌ مجرمون.

***

ما بين الدبّاغين والفلاحين، تبدأ المشكلة الاجتماعية الأولى؛ يلوّث الدباغون المياه الذاهبة إلى أراضي الفلاحين بمخلّفات معاملهم، بينما يتقاضى الفلاحون خوات من الدباغين من جراء تهديدهم المستمر بأن يتقدموا بعريضة إلى البلدية، وتبقى المفاوضات والخلافات بين الفريقين مبنية على الضرر القائم والابتزاز المستمر، فالفلاح لا يعتني بأرضه ومحصوله ويستعيض عن الزراعة بالخوّة والابتزاز، والدباغ لا يراعي مشكلة الأراضي الزراعية بتركيب منقٍّ للمياه، حتى تتدخل الدولة فتنقل الدباغات إلى مكان آخر لا ضرر فيه لأحد، فالناس هم الأشرار والدولة هي المنجية؛ ثم تبرز مشكلة العقوبات الغربية على سوريا التي تعيق ازدهار الصناعة وليس الدولة وإجراءاتها، والناس يحاولون التحايل على العقوبات وبسبب خبثهم وقلة ضمائرهم يوقعون ببعضهم أمام الشركات الأجنبية، فالعقوبات الخارجية والمكائد الداخلية تعرقل التطور الصناعي وليس الدولة الفاشلة فالناس هم الفشلة المفشلون.

بمراحل أولية من العمل نُطلّ على أحد المواقع الفريدة غير المعروضة سابقًا في الدراما السورية، حلبة للمراهنات وصراع الديكة؛ الناس يضيعون أموالهم وأحلامهم في مراهنات على بطولات وهمية يقوم بها ديكة، تثبت المأزق السلوكي والذهني الذي يقع به هؤلاء الحمقى، من الذين يضعون أموالهم تحت رحمة صراع ديك إلى الذين ينفقون أموالهم في شرائه وتغذيته، أما الدولة فلا تظهر إطلاقًا، ولا علاقة لها بما يفعلون، كأنهم في عالم موازٍ، وفي ذات العالم الموازي، يحتاج شاهين الدباغ "يمثّله سامر إسماعيل" إلى شهادة جامعية استكمالًا لشروط خطبته، فيدرس ويجتهد لتحصيل شهادة الثانوية العامة السورية، ولكنه بكل سهولة يشتري شهادة جامعية من خارج سوريا، كما يشتري له والد خطيبته درجتَي الماجستير والدكتوراة، فالتعليم خارج سوريا يُشترى على الهاتف أما في سوريا فلا بد من اجتهاد ومثابرة!

***

أحد مواقع التصوير وسط أحياء مدمرة بالكامل، لا نعرف ماذا حلّ بها، كأنها من تلقاء نفسها تدمّرت، يستغلها الناس بعمليات النصب والاحتيال، فيبيعون ويشترون وفق عقود أو وكالات مزوّرة، يفعل الناس ما يفعلون بلا أية علاقة قريبة أو بعيدة عن رجالات الدولة، بل ينتحلون صفتهم أحيانا، أما المقيمون في هذه المناطق فمجرمون وعصابات متنوعة، فهي أأمن لهم، حسب حواراتهم، وهذا ما يضمّن إجابة على عدم اهتمام الدولة بخدمة المناطق التي دمرتها، فتقتصر مهمتها هنا على محاربة المجرمين المقيمين هناك، أي التضييق على الناس المقيمين هناك ما أمكن تحت حجة كف أذى المجرمين.

ولن يغفل العمل عن الجانب الديني، ويحمّل مسؤولية الاحتيال والاستغلال فيه للناس أيضًا، فالشيخ -المرجعية الدينية- هو الذي يتيح المجال لمستغلٍ نصابٍ يعاني من اضطرابات نفسية وأخلاقية بأن يصل إلى الناس ويمارس دجله باسم الدين عليهم، نجح مختار "يمثله محمود نصر" بأن يصير مؤثرًا تحت عباءة وعظ ديني، بالتحايل على أحد المشايخ، أما الدولة فلا علاقة لها بالمؤسسة الدينية أبدًا ولا تتدخل بها، فهو اتهامٌ أيضًا للناس بالفساد هنا، أما الدولة فلا تستخدم ولا تستغل المؤسسة الدينية، حتى أنها لا تحمي الناس من نصابيها.

في الحلقات الأولى يتكرر تعبير بعدة صيغ بحوارات بين سكر "تمثلها سلافة معمار" ويمان "يمثله عدنان أبو الشامات"، تحديدًا عندما تواجههم مشكلة ويريدون حلها بطرقهم الملتوية التي استخدموها سابقًا، تظهر عبارة (الوضع تغيّر) أو (اللي كان يزبط من قبل ما عاد يزبط هلأ) وما شابهها، تدلل هذه العبارات على تغيّرٍ في وضع الدولة وسلطتها وتعاملها مع جرائم الناس وأنها لم تعد الدولة الفاسدة الفاشلة كما كانت، وأن الإصلاح ومحاربة الفساد على قدمٍ وساق.

بشكل واضح وصريح ينتهك المسلسل كل الروابط الاجتماعية بين الناس، ويفترضها مسمومة، من علاقة الإخوة الموسوم العمل باسمهم، حتى علاقة الأم بالابن "جمعة وأمه"، وعلاقة الأصدقاء "يحيى ومختار"، وعلاقة الزوج بزوجته "عارف وبديعة" "سكر وأزواجها"، وعلاقة المحسن بالمحسن إليه "عارف وبديعة"، لتبرز بالمقابل علاقة الفرد بالسلطة/الدولة وكيف أنها المنجية، كما في حالة سجن سكر لمدة بسيطة مقابلة جزء من جرائمها، فالناس أشرار والدولة طيبة.