"وباء المعلومات".. من يضبط فضاء الشبكات الاجتماعية؟

2021.12.19 | 07:03 دمشق

1-7.jpg
+A
حجم الخط
-A

يقود الحديث عن وسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارها منصة ضخمة وواسعة تتدفق منها يومياً آلاف القصص الإخبارية، للسؤال عما إذا كان هذا الهامش الكبير في حرية النشر، يجب أن يخضع لمحددات وضوابط تضمن عدم استغلاله لنشر الأخبار المفبركة أو المضللة، مقابل سؤال آخر يعارض فرض أي قيود وقوانين تنظم النشر على جدران "الفيس بوك" و"الانستجرام" و"الواتساب" وغيرها.. مع مبدأ الحريات الفردية في التعبير ونقل الأفكار والآراء دونما حدود.

إن ما يدفع لضرورة السؤال حقيقة، هو اعتماد هذه الوسائل كمصدر موثوق، فقد أوجدت دراسة حديثة(1) أن أكثر من 50% من مستخدمي الإنترنت في 24 دولة يستخدمون الشبكات الاجتماعية لمواكبة آخر المستجدات، وأن كثير منهم يحددون ما إذا كان المحتوى موثوقاً أم لا، من خلال عدد الأشخاص الذين شاركوا أو تفاعلوا إيجاباً مع القصة الإخبارية المنشورة.

"وباء المعلومات"… السارس وفيروس كورونا

رافق السارس(2) حين الإعلان عنه لأول مرة كوباء عالمي مطلع عام 2003، فيض من الشائعات والأخبار الممزوجة بالخوف والتكهنات، حينذاك أطلقت صحيفة واشنطن بوست مصطلح "وباء المعلومات" وصفت فيه دور التكنولوجيا في تهويل وتضخيم الحقائق عن هذا الوباء.

ولم يختلف الأمر عندما ظهر فيروس كورونا لأول مرة قبل 3 سنوات، ويشير تقرير لمنظمة الصحة العالمية نشر خلال هذا العام(3)، أن أكثر من 6000 آلاف شخص حول العالم دخلوا المشفى في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2020، والسبب هو معلومات مضللة عن فيروس كورونا، في حين يقدر باحثون موت 800 شخص على الأقل للسبب نفسه.

في منتصف 2020 أظهر استطلاع(4) أجرته جامعة ملبورن ومنظمات دولية وأممية، وغطى ما يقارب 23500 مشارك تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عاماً، في 24 دولة حول العالم، أن 43% على الأرجح سيشاركون محتوى "علمياً" على شبكاتهم الخاصة للتواصل، إن صادفوها. وأن 60% من الأشخاص بين عمر 16 و24 عاماً، في بريطانيا قد استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومات.

وإلى جانب العوامل النفسية في التعاطي الفردي مع الأخبار حول "covid 19" واحتمالية أكبر لسوء فهم هذا المرض، كأسباب تدفع المستخدمين لنشر الأخبار المفبركة أو المعلومات الخاطئة، تسهم الأحداث الكبرى في انتشار مزيد منها على الشبكات الاجتماعية، وهي أداة فعالة ـ الأخبار المزيفة ـ لتسويق البروبغندا لدى الدول المستبدة، يمكن أن تكون كذلك، سلاحاً انتخابياً أو بين الأطراف في مناطق النزاع.

إبادة الروهينغا

في كانون الأول/ ديسمبر من هذا العام، واجهت "ميتا" وهي الشركة الأم لفيس بوك دعوى قضائية رفعها ممثلون عن أقلية الروهينغا في ميانمار، جاء في الدعوى، أن "فيس بوك يشبه روبوتاً مبرمجاً لغرض واحد هو تطوير التطبيق، والحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن نمو فيس بوك، الذي تغذيه الكراهية والانقسام والمعلومات المضللة، قد خلف مئات الآلاف من الروهينغا المدمرين في أعقابه"، وفي عام 2018 قال حقوقيون أمميون يوثقون الجرائم بحق أقلية الروهينغا، إن "فيس بوك" لعب دوراً في نشر الكراهية.

مكافحة الأخبار الكاذبة.. سيف ذو حدين

رغم آثار هذه الظاهرة ونتائجها الخطيرة، إلا أن مسألة مكافحة الأخبار الكاذبة، تثير مخاوف صحفيين وحقوقيين، من أن تتحول إلى ذريعة يتم من خلالها ملاحقة الصحفيين، وفي نيسان/ أبريل عام 2019، أعربت شبكة مراسلون بلا حدود عن قلقها العميق(5)، من التوجه نحو سياسة تكميم الأفواه، وذلك عندما هاجم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب شبكة CNN الأميركية واتهمها بفبركة الأخبار ضده، وأيده آنذاك زعماء عدة دول حول العالم.

وفي عام 2017 اتخذت الأمم المتحدة موقفاً(6)، من الأخبار الزائفة، واعتبرتها في بيان مشترك مع منظمات دولية أخرى  وسيلة الدول لنشر دعايتها وتبرير عرقلة الصحافة.

عودة سريعة إلى التاريخ

أدى هجوم شنه الشاعر الإنجليزي "جون ميلتون" في كتابه "AREOPAGITICA" الصادر عام 1644، على دور النشر ورخص الطباعة والممارسات الرقابية على المحتوى، إلى ولادة أقدم النظريات الإعلامية، عرفت بنظرية الحرية(7)، واستنادا إليها، يحق للكاتب أو صاحب الرسالة الإعلامية نشر ما يراه صحيحاً، وترفض النظرية ممارسة الرقابة.

بالطبع، تعرضت النظرية للنقد الواسع لتأثيرها السلبي على مصداقية الصحافة، وتعارضها مع المعايير المهنية والأخلاقية الناظمة لها.

تشبه شبكات التواصل الاجتماعي إلى حد كبير مفهوم المجال العام(8)، أوجده عالم الاجتماع الألماني "يورغن هابرماس"، وارتبط في عام 1989 بالصحافة الرقمية، وطبقا للمفهوم، يعتبر الإنترنت فضاء عاماً يتيح النشر للجميع، وبقدر ما لذلك من إيجابيات باعتباره شبكة مناصرة ومنصة ضخمة لتبادل الأفكار والنقاش، هناك سلبيات، كأن تكون مثلاً معرضاً للخيال المتنكر بزي الحقيقة..

يبرز السؤال الأهم حول هذا الفضاء الاجتماعي.. هل هناك قدرة على ضبط النشر عليه في سياق مكافحة الأخبار الكاذبة والمضللة، بشكل يضمن عدم استغلال هذه القوانين وتطويعها لملاحقة الصحفيين أو تصفية الحسابات السياسية؟

أيُّ خوارزميات لهذا الغرض تشرف عليها الحكومات ستثير قلق المستخدمين، وأي تقنيات ستعتمدها "ميتا" قد تثير مخاوف مماثلة بمستوى أقل ربما.. ولأجل ذلك، يرى تقرير(9) مطول للأمم المتحدة، أن مواجهة نشر الأخبار الكاذبة يكون من خلال تعزيز موثوقية المعلومات، ذلك أن أي قوانين في هذا الصدد تثير القلق، في ظل احتمالية استغلالها.

إذاً، نحن أمام مشكلة عالمية تشبه إلى حد ما مشكلة الاحتباس الحراري، تختلف سرعة انتشارها مع اختلاف تعاطينا معها.


(4) (1): https://cutt.ly/aYVc3Ks

     (2): https://cutt.ly/2YVvKrV

     (3): https://cutt.ly/lYVv0lq

     (5): https://cutt.ly/rYVbODC

(9) (6): https://cutt.ly/aYVbMu5

     (7): Global Perspectives on the Impact of Mass Media on Electoral Processes - 2021  - page 86 

     (8): https://bit.ly/3bTk7eN