هل يُسْقِط الدولار المرحلة الأسدية؟

هل يُسْقِط الدولار المرحلة الأسدية؟

الصورة
155732640349137100-1.jpg
04 كانون الأول 2019

لا أحد على الإطلاق يشك، سواء جهر بذلك أم أخفى، في أن جمهورية الموز الأسدية أسوأ نظام مرَّ على سوريا منذ بدء تبلورها شعباً ودولة.. (يطلق مصطلح "جمهورية الموز" على الدولة الفاشلة التي تحكمها طغمة محددة هي أقرب إلى عصابة تفعل كل شيء في سبيل بقائها، وتحقيقاً لمصالحها، وأول ما أطلق المصطلح على جمهوريات في أميركا اللاتينية، أما حديثاً فيستخدم ليصف  كلَّ نظام قمعي أو دكتاتوري مستبد.. وبخاصة حين تكون الانتخابات فيه مزورة أو فاسدة، ويكون قائدها خادماً لمصالح دول خارجية..) ومن هنا فإن هذا المصطلح يتطابق تماماً مع نظام الأسد، يشير إلى ذلك ما آلت إليه الدولة السورية، فلا يذكر التاريخ أن خراباً بكل ما تعنيه كلمة خراب على صعيد البشر والشجر والحجر نال من سوريا كما حصل لها خلال السنوات التسع الماضية، وما يزال الخراب مستمراً مادامت رموز هذه الجمهورية قائمة..!

وعلى الرغم من أنَّ نظام الأسد أشاع ويشيع في الوسط المحيط به وفي العالم أنه على حق وأنه معاد لإسرائيل، وهو علماني ضد الإرهاب الذي يأتي من التطرف الديني وما إلى ذلك، إلا أنه عمل ويعمل على عكس ذلك تماماً، ولا حاجة للدخول في جزئيات هذا الجانب فمعظمه معروف، ولكن يكفي القول: إنَّ من له عدو كإسرائيل يأتي تصرُّفُه على صعيد بناء الدولة الشامل، لا على الصعيد العسكري الذي مُني بهزيمتين صارختين أعطت الأولى العدو مرتفعات الجولان بينما أهدتها الثانية التي سميت بالتحريرية قرى جديدة وتوقيعاً التزم به الأسد الأب بالامتناع عن إطلاق رصاصة واحدة على "عدوه اللدود"، وبالفعل مرت سبع وأربعون سنة لم تعبر الحدود السورية الإسرائيلية غير "النسائم العليلة"، وتعلن إسرائيل على الملأ بأن نظام الأسد صديق.. وأنها تقف على الحياد مما يجري في سوريا، ويضيف نتنياهو الملاحق في بلده بتهم الفساد بسبب آلاف معدودة من الدولارات أخذها رشوة (قد لا تشكل شيئاً تجاه ثروة أسرة الأسد التي سلبتها من عرق السوريين وكدهم، وتقدر بمليارات الدولارات، ويديرها رامي مخلوف وغيره من الوكلاء) بأنه متمسك باتفاق فصل القوات الذي حصل في 31 أيار من عام 1974 أي بعد عدة شهور فقط من "تحقيق النصر على جيش الدفاع الإسرائيلي الذي لا يقهر" وقد عده نتنياهو ترسيماً نهائياً للحدود في وقت انشغل فيه النظام بمقاتلة شعبه وتشريده..!

ويدرك الشعب السوري أن المعركة مع إسرائيل، قبل أن تكون عسكرية، هي معركة حرية وحضارة وتقدم شامل، (والحديث عما كانت عليه قبل العام 2011)، ولذلك فهو لا يستطع أن يفهم التخلف الذي آلت إليه سوريا على غير صعيد سواء فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي أم بتراجع الخدمات في ميادينها كافة بدءاً من التعليم والصحة وليس انتهاء بالماء والكهرباء والمواصلات ورغيف الخبز وتنظيم المدن وخصوصاً الكبرى منها

الشعب لم يستطع فهم تفشي ظواهر الفساد في مفاصل الدولة كافة، وعدم قمعها، إلى درجة صارت الوظائف تباع وتشترى وكل منها بسعره

التي أحيطت بعشوائيات يسكنها فقراء المدن والمهاجرون من الأرياف التي تكاد تنعدم فيها ضرورات الحياة وقد صارت تلك العشوائيات، فيما بعد، مضرب مثل إذ إن الدولة التي سعت لردم الهوة بين المدينة والريف ريَّفت المدينة وأبقت الريف على حاله..! كما أن الشعب لم يستطع فهم تفشي ظواهر الفساد في مفاصل الدولة كافة، وعدم قمعها، إلى درجة صارت الوظائف تباع وتشترى وكل منها بسعره. يذكر (أن أحد رؤساء بلدية حلب اشترى منصبه بمليوني ليرة، أيام كان لليرة قيمة ووزن، وخرج منها بعشرين مليون) أما الجيش "الباسل" الذي يلتهم ثلاثة أرباع موازنة الدولة استعداداً للمعركة الفاصلة فيكفينا الإشارة إلى ظاهرة "التفييش" التي ابتدعها ضباط الجيش "البواسل" ليستثمروا عناصرهم أسوة بغيرهم من أصحاب المراكز والامتيازات (التفييش أن يعطي الضابط عناصر لديه إجازات مفتوحة مقابل راتبه ومبلغ يتفق عليه ليس أقل من مئتي دولار في ذلك الوقت) كل ذلك وما رافقه من توغل أمني وقمع غير مسبوق إلى جانب ضيق العيش وانتشار البطالة والتمييز القائم على أسس حزبية ومناطقية ليست من العلمانية المزعومة في شيء، في وقت، عرفت فيه السجون السورية ألوان السياسيين كافة.. فمن الشيوعيين والبعثيين والفلسطينيين إلى جماعة الإخوان المسلمين (قميص عثمان) وبعض التنظيمات الجهادية.. كل ذلك هيأ الظروف لانتفاضة الشعب السوري ضد نظام لطالما وعد بالإصلاح ولكنه لم ير غير الكلام وجاءت بداية إرهاصات الانتفاضة في سوق الحميدية وفي اعتصام وزارة الداخلية ثم أتى الحدث التونسي وتبعه المصري فالليبي، وكان الأمر الطبيعي أن يهبَّ الشعب السوري.. حين أشعل الفتيل حدث أطفال درعا.. لكن النظام الذي اعتاد القمع متستراً بالشعارات الوطنية، لم يفكر بغير ذلك رغم استشفاف رأي الشعب الذي قال مطالبه بوضوح عندما سئل عنها وفسرها النظام على أن هذه الحلول موجهة ضده  فهو من صنع معاناة الشعب فما كان منه إلا أن دفع بالجيش السوري وبالشبيحة التي شكلها من قاع المجتمع باسم لجان الدفاع الوطني فراحوا يرتكبون المجازر ضد المتظاهرين السلميين وقد موَّل لصوص الدولة والشعب بعض تلك العصابات، ولكي يبحث النظام عن غطاء، وخصوصاً بعد رفض الآلاف من عناصر الجيش إطلاق الرصاص على مواطنيهم، وأعلن بعضهم انشقاقه عن النظام، بدأ بسيارة الأسلحة التي تركها عند الجامع العمري في درعا، وإذ تنبّه المواطنون لهذا الفخ، سلموا السيارة بكامل أسلحتها لمحافظ درعا، عندئذ لجأ النظام لإطلاق سراح المتطرفين على دفعات بدءاً من 26 آذار 2011 ليشكلوا نواة للحركات المسلحة، وليكون لديه المبرر لاستخدام السلاح ضد الشغب وهو صاحب الخبرة الواسعة في هذا المجال، إذ كان قد أرسل بعض هؤلاء إلى العراق قبل ذلك التاريخ..! وكان يمكن له استخدام الـ 18 مليار دولار في البنك المركزي أو جزءاً منها، لتجديد التنمية، ومعالجة عثراتها، وحل مشكلة البطالة، وقضايا خدمات المواطنين العامة والحد من ظواهر الفساد المنتشرة..!   

اليوم وبعد تسع سنوات من الحلول الأمنية التي بدأت بالمجازر المشار إليها، ثم باغتيال خلية الأزمة والاستعانة بالروس والإيرانيين الذين فتكوا بسوريا والسوريين، ورغم التجانس الذي تحدث عنه رأس النظام، فسوريا خرابٌ على الصعد كافة فالانهيار شامل

بأية مسلة سيرتق النظام عوراته التي  تتفاقم فالدولار اليوم يعادل 1000 ل س وهو إلى صعود ولم تنفعه طبعات الليرة دونما رصيد

والتذمر لا يأتي من المواطن المغلوب على أمره فحسب بل إن ارتفاع الصوت يأتي من هؤلاء الذين انطلت عليهم قضية المؤامرة، وقادها النظام بامتياز، وبعضهم في مجلس الشعب وغيره من المواقع الحساسة.. ففي أية مسلة سيرتق النظام عوراته التي  تتفاقم فالدولار اليوم يعادل 1000 ل س وهو إلى صعود ولم تنفعه طبعات الليرة دونما رصيد فليس ثمة أوراق تمكّنه من تجديد اللعبة فإيران مشغولة بنفسها، والعراق ملتهب، ولبنان كذلك، وروسيا بمفردها غير قادرة إلا على التدمير وزيادة الخراب، كما أثبتت التجربة سابقاً ولاحقاً في إدلب، ومن يخرِّب لا يبني، أما الأوربيون والأمريكان فيعلنونها صراحة: لا إعمار ولا أموال دونما حل سلمي شامل عبر جنيف والقرار 2254 بينما النظام ما زال يماطل ويرفض مشاركة أي أحد في سلطته فهو لا ينظر لسوريا على أنها وطن وشعب بل يراها مزرعة خاصة، وهذا منتهى الضعف من جهة ومنتهى الخوف من افتضاح أفعاله المشينة، وخصوصاً ما يتعلق بنهب المال العام وبالدجل السياسي الذي مارسه وبالارتهان إلى حلفائه روساً وإيرانيين.. فلا دولة، ولا قانون بل عصابة سلبت سوريا كل ما تملكه على مدى خمسين عاماً.. ولكن إلى أين؟! فها هو ذا الشعب السوري توقظه أوجاعه أسوة بجواره العراقيين واللبنانيين، ويتطلع بثقة إلى ترميم ما تهدَّم وإلى الخلاص من تلك التركة الثقيلة برموزها وأوساخها ولن ينقذها مليار تتصدق به هذه الدولة أو تلك، فلا طريق غير وحدة الشعب الطامح لبناء جديد يقوم على أسس من المواطنة الحقيقية، وتفسح في المجال للسوريين بأطيافهم كافة لاستعادة دور وطنهم التاريخي وممارسة حقوقهم المهدورة على مدى خمسين عاماً.

شارك برأيك