هل بات الطلاق هو الحل الأمثل في بلاد الاغتراب؟

هل بات الطلاق هو الحل الأمثل في بلاد الاغتراب؟

الصورة
05 أيار 2019

علاء الدين آل رشي

علاء الدين آل رشي كاتب وباحث سوري يرأس

إن الزوج والزوجة إنسانان متكافئان في الحقوق والواجبات، ومع صدق العاطفة يكون الرجل ملكا مطاعا نافذ الكلمة، ووسيلته في ذلك الوفاء والإخلاص والحب

آه لم أعد أطيق المكوث في تلك الدار فهذه الأسرة لم تعد أسرتي إن الحرية تناديني خفق خطاها يقرع باب أيامي أنا حر/ة سأغادر كل تلك الذكريات العتيقة كلها مع كل صورها لألحق بذلك الموج المبارك لي بحياتي الجديدة حياة الحرية.

(مبارك عليك الطلاق) أنا بلا أي قيد أو طلب أو برنامج محدد أنا السيد/ة المطلق/ة ...

هذه أخبار بتنا نسمعها يومياً حتى لم يعد غريباً أن يتم تناقل صفحة فيسبوكية لامرأة طلقت من زوجها فوضعت صورها الفاضحة على النت ورقم الجوال الخاص أيضاً نكاية بزوجها الذي كان يعيرها بأنها بدينة وهي تحث من يريد معاشرتها على الاتصال بها!!!

كذلك بات من الطبيعي أن تشاهد الرجال مثل المجانين والدماء تسيل من أيديهم بعد قتلهم لزوجاتهم...

وصار يعد من الصغائر أن تعلم بخيانة امرأة متزوجة لزوجها ...

وخيانة رجل متزوج لزوجته...

 ويؤطر ذلك كله في شرعنة موهومة...

فهو يقول: بنت الحرام باعتني وأنكرت جميلي.

وهي تقول: درب يسد ولا يرد تحملت قرفه بما لا يتحمله الأنبياء !!!

تحول الزواج في معناه الحاضر إلى ضمير غائب محذوف. مجرد فكرة لمعنى غائم وغائب، ترى ما سبب ذلك كله؟

تحول الزواج في معناه الحاضر إلى ضمير غائب محذوف. مجرد فكرة لمعنى غائم وغائب، ترى ما سبب ذلك كله؟

يعزو البعض أن أسباب ذيوع الطلاق تعود إلى أن غالب الأسر السورية يعيش الرجل فيها في جو من البطالة وضيق العيش، وهذا ما يستدعي تراكم المشاكل.

وأنا أرى عدم صدق هذا التبرير وجعله أحادياً مع أهميته إلا أنه غير كاف.

فالفقر ليس سبباً وحيداً للطلاق... فقد عشنا ورأينا أسراً فقيرة يظلل العلاقة الزوجية السكن والمودة وهو ما يكذبه واقع البلدان الأوروبية التي تقدم دعمًا ماديًا وسكنًا للزوجين والأولاد ومع كل هذا الدلال ينتشر الطلاق ...

في الفترة الممتدة بين 1.1. 2018 وحتى 1.4.2019 كنا في Damaszener Verein e.V وفي LM Lehrcenter für Menschenrechte UG نتلقى الكثير من المشاكل الزوجية والتي قاربت 130 حالة وكنا نسهم في التدخل وإعادة الوفاق وكثيراً ما كنت أنا شخصياً ألمح الجهل السائد بين الزوجين فالطرفان بلا مؤهلات زوجية رغم مضي عقد أو عقدين على البعض.

وكذلك عدم وعي الواقع الجديد وتحدياته وقوانينه وطريقة العيش فيه ...

وكذلك لاحظت تحول الحياة الأسرية في بلاد الاغتراب إلى سلسلة من الخلافات الزوجية والتي يمكن توصيفها بالاختلاف على (توافه الأمور). وعند تأمل السبب وعيت أن مرد ذلك إلى المواجهة الحقيقية في الاغتراب بين الزوجين حيث كان الزوجان في ما مضى يعيشان في ظل علاقة موهومة بالاستقرار فـ (الرجل عتال في النهار زبال في الليل) مشغول بتحصيل لقمة العيش والمرأة مشغولة بواجباتها الاجتماعية وبالضغط الاجتماعي ومراعاة بيت حميها "أهل الزوج"، وكذلك الخوف من كلمة الطلاق. وقلّما اجتمع الزوج مع زوجته على مصارحة ومكاشفة ولكنهما يلتقيان على السرير أو الطعام أو في دعوة أسرية لزيارة أقارب وأصدقاء لم يكن ثمة مواجهة بينهما فيما سبق إلا نادراً كل طرف يعيش همومه ويلتقي مع الطرف الآخر في أفضل الأجواء وأبعدها عن الحقيقة التي تكشف معادن كل واحد منهما فالمعرفة موقوفة على المتعة وعلى المصلحة وعلى ضوابط الضغط الاجتماعي ولكن كل هذا تبخر في بلاد المهجر الأوروبي ليكتشف كل واحد من اختاره دون مكياج، وهنا يبدأ الصدام وتتعرى حقيقة التربية وأيضاً قدرة الزوجين على التحكم بالذات وإدارة العلاقة وحماية الأسرة. وتتفاقم المشاكل ويبدأ كل طرف باستحضار أسوء الذكريات ليتم التصفية هنا في المهجر وبطريقة تضرب كل كل كل شيء ...

لم يكن ثمة مواجهة بينهما فيما سبق إلا نادراً كل طرف يعيش همومه ويلتقي مع الطرف الآخر في أفضل الأجواء وأبعدها عن الحقيقة التي تكشف معادن كل واحد منهما فالمعرفة موقوفة على المتعة وعلى المصلحة وعلى ضوابط الضغط الاجتماعي ولكن كل هذا تبخر في بلاد المهجر الأوروبي

لا ينكر أن العواصف والمشاكل بين الزوجين تتخللها هدن مصطنعة يجللها الصمت الكاذب الذي مرده إلى الأنا المستوحشة من روح الأسرة والتي سورت ذاتها بطلاق غير معلن ولكن يفضحه الونس بالأشياء كالواتس أب والفيس والمسلسلات وألعاب الجوالات وممارسة الجنس ليس حباً وإنما لإرضاء الذات.

وكذلك ملء الفراغ بأحاديث الأسرة الخاصة ونقلها إلى بيئة الزوج الآخر وممارسة النميمة والغيبة والقدح بكل طرف فالزوج يحط من قدر زوجته والزوجة كذلك.

ومع سيادة الصمت إلا أنه يتسلل أيضاً نوع من الألفاظ القاسية الدونية والعدوانية والتي تنتقد وتتجاهل وبوضوح الاحترام والأدب والعلاقة الزوجية.

ولن يكون مفاجئاً إذا سادت المساحات الكبيرة من المشاحنة وكل طرف هو عين الصواب وخلاصة الحكمة.
استحضار الاختلاف والشقاق بين الزوجين يعني ديمومة المعاناة وهذا يوجب التفكير بالندم على الزواج وحصر الذهن في كيفية التحرر من هذا الجو المالح والكالح والطالح.

إن اشتراك الرجل أو المرأة في المراسم المحرمة أثناء الانفصال لا يخدش حسب ظنهما إنسانيتهما ولا تدينهما بل لعلهما يعتبرانه مهمة قتالية في حربهما الشريفة ضد بعضهما أو فرصة للثأر لما فات حيث يتحول الذهن إلى آلة حاسبة صارمة تحدد بدقة المشاكل الماضية والإساءات المتبادلة. لم يعد الولاء الأسري أشبه بالعقيدة الدينية فالظلم هو القاعدة.
لا يعرف المتدين أو المتدينة أثناء عملية الطلاق أي شرف ولا حرمة فهم لا يؤمنون بعدم جواز إفشاء الأسرار لا في الطلاق ولا عند النكاح.

 يقول الإمام أبو حامد الغزالي: ورد في إفشاء سر النساء في الخبر الصحيح وعيد عظيم.

ويروى عن بعض الصالحين أنه أراد طلاق امرأة، فقيل له: ما الذي يريبك فيها؟ فقال: العاقل، لا يهتك ستر امرأته، فلما طلقها قيل له. لم طلقتها؟ فقال: مالي ولامرأة غيري، وآخر ما وصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث كان يتكلم بهم حتى تلجلج لسانه وخفي كلامه: جعل يقول: "الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون. الله الله في النساء فإنهن عوان في أيديكم - يعني أسراء - أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله". وقال عليه السلام "من صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله من الأجر مثل ما أعطى أيوب على بلائه، ومن صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها الله مثل ثواب آسيا امرأة فرعون".

لم يعد هنالك فهم بالإشارة بين الزوجين ولا أي لغة ثنائية غير منطوقة من ايحاءات وإيماءات ونظرات. يقول الغزالي يرحمه الله تعالى (كنا أسرة مثالية.. ولا أحب أن أكون ديكتاتوريا في بيتي، ولكن بالنظرة الرقيقة ألبي فيما أطلب وأجاب إلى ما أحب، ولم يكن في أسرتنا سوى المودة والرحمة)..

متى يعرف الطرفان أن القيم أعمق في العلاقة من القوام.

بمعنى أن الأخلاق أرقى من مجرد الوفاق في الأجساد والاتفاق في الرغبات.

وإن الزواج ليس عشق ذكر لمفاتن أنثى. إنه إقامة بيت على السكينة النفسية والآداب الاجتماعية كما يقول حكيم الإسلام محمد الغزالي. متى يفهم الرجل أن العلاقة مع المرأة ليست محصورة في ثلاثية العلف أو الخلف أو الشرف

وإن الزواج ليس عشق ذكر لمفاتن أنثى. إنه إقامة بيت على السكينة النفسية والآداب الاجتماعية كما يقول حكيم الإسلام محمد الغزالي. متى يفهم الرجل أن العلاقة مع المرأة ليست محصورة في ثلاثية العلف أو الخلف أو الشرف أو بمعنى آخر طاهية وآلة انجاب ومتعة جنسية....

ومتى ستتحرر المرأة من وعي مزيف احترامها للرجل مرهون بوضعه المالي وقدرته على الإنفاق...
التفكير الرجعي للأسرة هو أن يعيش كل زوج في جدران مطالبه ولذاته ويصنع عالمه الأناني.

الزواج ليس هو مجرد ستر للرجل أو للمرأة...

الزواج ليس جيب رجل عامر بالمال ولا وجه امرأة زينته المساحيق المحبوبة والمحلوبة والمجلوبة من الخارج ولا ثديين اصطناعيين ولا شفاهاً بوتكسية تم تجميلها بحقن الشفاه من خلال مادة "هيالورنيك أسيد" . الزواج ليس مهراً يعقبه فهم قاصر في العلاقة يتحول البيت إلى وكر عصابة هدف كل طرف تحقيق مصالحه والابتزاز وتحقيق ما يلزمه من الطرف الثاني. لا اللقمة الهنية ولا كثرة المال والأولاد والأموال يحلقون ويخلقون العيشة الأرضية.

تشوه الزواج ليس حله الأمثل يكون بالطلاق. وليس بهدم الأسرة ولكن باستعادة المؤهلات وبناء شراكة حقيقية وهو ما سأتناوله في مقالي القادم.

يتبع ...

شارك برأيك