هل العنف نمط حياة وهل الانفصال جريمة؟

تاريخ النشر: 08.11.2021 | 05:08 دمشق

بات من الواضح أن نسب العنف المنزلي قد تزايدت في السنوات الأخيرة، في منطقتنا، لأسباب متعلقة بتزايد العنف ضد المواطنين بشكل عام، وضد النساء بشكل خاص، كما بتزايد العنف في العالم أجمع ضد النساء بسبب ظروف الحجر الصحي التي أجبرت الرجال والنساء على "التعايش" في حيز ضيق هو المنزل، لفترات طويلة من الزمن دون القدرة على الخروج للطبيعة والمتنزهات والتفريغ عبر لقاء الأقارب والأصدقاء.

النسبة الأخرى التي ارتفعت هي نسب الطلاق بين العائلات الواصلة إلى الضفة الأخرى من الأرض، حيث تغيرت معادلة الحقوق بالنسبة لآلاف العائلات القادمة ولم يعد خافيا أن النساء بات لهن في موطنهن الجديد حقوق لم تكن تتمتع بها من قبل في موطنهن الأصلي.

ولكن كثيرات أيضا وجدن أنفسهن ضحية للعنف المنزلي دون القدرة على اتخاذ قرار الانفصال والطلاق، حيث إنَّ ضغط الرجل للعودة إلى المنزل، وتدخل الأصدقاء والأقارب، وضغط الأبناء، كان يشد المرأة للعودة إلى المنزل، دون أن تكون قادرة على اتخاذ القرار لأنها غير قادرة على رد هذه الضغوط والمضي قدما في الانفصال.

مع الضغوط الهائلة التي تعانيها المرأة من زوجها وأطفالها غالبا ما تقرر العودة رغبة منها في التخلص من هذا الضغط ولأنها لم تتمكن يوما من أن تكون صاحبة قرارها

معظم الجهات التي تستضيف النساء المعنفات تهتم برعايتهن وتعرض عليهن حقوقهن في حال الانفصال، ويتركن كما هو مفهوم، القرار للزوجة في أن تقرر مصيرها بعد تبيان الوضع، ولكن مع الضغوط الهائلة التي تعانيها المرأة من زوجها وأطفالها غالبا ما تقرر العودة رغبة منها في التخلص من هذا الضغط ولأنها لم تتمكن يوما من أن تكون صاحبة قرارها، وربما لم تتح لها فرصة التمكين الدراسي أو الاقتصادي، ولم تستطع أن تتخيل شكل الحياة وهي امرأة مستقلة، وربما خافت أعباء الاستقلال، وهذا طبيعي، مما يعود بها إلى نقطة الصفر.

تبدأ حلقة العنف المنزلي من مرحلة التوتر، يشعر أحد الطرفين، المرأة غالبا، بأن الطرف الآخر منزعج، يرفع صوته، وقد يصفق الأبواب، تعلم المرأة أن شيئا ما سيحدث، لكنها لا تعلم ما هو، وإن كان سيحدث لسبب منطقي، أو دون سبب يذكر.

المرحلة التالية تكون مرحلة الأزمة، مرحلة الفعل العنيف، قد يضرب الرجل، قد يكون العنف لفظيا، أو نفسيا، اقتصاديا، أو إداريا، قد يمنع المرأة من مغادرة المنزل دون إذنه حتى وإن لنشاط اجتماعي أو رياضي مفيد لها، وكل هذا يندرج تحت باب العنف.

يأتي بعد العنف مرحلة إلقاء اللوم على الضحية، إشعارها بالذنب، فلو لم تخرج مثلا للمشي لما كان هو قد غضب وصدر منه ما صدر، ينفي المعتدي هنا مسؤوليته عن فعل العنف ولا يعتذر، ويلقي بكل اللوم على الضحية.

وفي المرحلة الأخيرة وهي مرحلة الشعور بالذنب، يوحي المعتدي، الرجل غالبا، يوحي بأنه نادم على ما فعل، قد يبكي، وقد يرسل المراسيل لطلب الصفح، وقد يقول بأنه سينتحر في حال أن المرأة طلبت الطلاق أو الانفصال، وأغلب الضحايا يصرفن في هذه الحال النظر عن فكرة الطلاق اعتقادا منهن بأنه قد "تعلم الدرس" وبأنه قد تغير..

وهكذا تعود المرأة والرجل لنقطة الصفر، مجددين دون نهاية دورة العنف الذي يستنزفهما ويستنزف طاقاتهما، معتقدين حين العودة بأن الكل رابح في العائلة، دون أن يأخذوا بعين الاعتبار أن هذه العودة الشكلية تفتقر لحل أسباب الخلاف، وتفتقر لوسائل تفريغ جيوب هذا التوتر المنتشر في المكان.

ربما يكون وصف "معتدٍ" و"ضحية" غير دقيق لوصف الشخصيات في حال العنف المنزلي من وجهة نظري، فحتى الزوج المعتدي هو ضحية تربية ذكورية وأسير شخصية الذكر المسيطر التي لا يستطيع العيش بسهولة خارجها نتيجة عقد نقص تتعلق بالتربية والتأهيل والسلوك، تفضي بالضرورة لعنف يعبر عن شخصية مأزومة تعبر بالعنف أيضا أنها تحتاج للمساعدة.

العلاقة المسمومة في حالات العنف الزوجي لا تنتهي إلا بمحاولة فرض سيطرة أحد الطرفين على الآخر

المؤسف أيضا أن الرعاية النفسية يتم رفضها من قبل الزوجين في أغلب الحالات، ويتم تصنيف العنف من قبلهما على أنه "توتر عادي" يحصل في كل علاقة، وهذا ادعاء مخالف للحقائق.

فالعلاقة التي يعتريها توتر يعبر كل طرف فيها عن رأيه دون أن يعنف الطرف الآخر، ولكن العلاقة المسمومة في حالات العنف الزوجي لا تنتهي إلا بمحاولة فرض سيطرة أحد الطرفين على الآخر، ولماذا أقول "مسمومة"؟ لأنها تدمير للزوجين والأطفال، وتدمير ممنهج لعش الزوجية الذي يفترض فيه أن يكون ملجأ للحب والراحة والاهتمام، حتى وإن شابته بعض التوترات من وقت لآخر، فلا يفترض بالتوتر أن يتحول لصراخ متكرر وضرب وعنف.

في حالات كثيرة قد تكفي كلمات متفهمة لحل مشكلات كبيرة، وفي حالات أخرى لا يكون هنالك بد من الانفصال وربما يكون الانفصال خلاصا وخيرا لكل أفراد العائلة، لكن يبقى التحدي كبيرا حول تفهم حقوق النساء وأحقيتهن في طلب الانفصال سؤالا صعبا، خصوصا حين تنتقلن مع عائلاتهن لمجتمعات تمنحهن هذه الحقوق، وتحرمهن منها أعرافهن.

كلمات مفتاحية