هجوم إيراني مُربك ورد أميركي أكثر إرباكاً

2024.01.31 | 17:51 دمشق

هجوم إيراني مُربك ورد أميركي أكثر إرباكاً
+A
حجم الخط
-A

يبدو أن الهجوم الذي وقع على قاعدة أميركية داخل الأراضي الأردنية أربك الجميع، وأولهم الأردن الذي سارع لنفي أن يكون الهجوم وقع داخل أراضيه لكن التصريحات الأميركية التي بدأت بالتواتر كلها تؤكد أن الهجوم الذي قامت به ميليشيات تتبع للحرس الثوري الإيراني كان داخل الأراضي الأردنية، إيران بدورها كانت مرتبكة جداً وخرجت تصريحات تتنصل من الهجوم، ثم طلبت إيران من فصائل عراقية تتبع لها كي تصدر بيانا تعلن فيه عن توقف استهداف الوجود الأميركي في المنطقة.

ثالث وأكبر المرتبكين كانت إدارة بايدن التي وجدت نفسها فجأة بموقف صعب لأنها منشغلة في أمرين مهمين في هذا التوقيت ويشكلان أولوية لها، الأول صفقة الهدنة في غزة بين الاحتلال والفصائل الفلسطينية والثاني ضبط الاستهدافات بالبحر الأحمر لاحتواء أزمة المعابر التجارية التي بدأت تتفاقم مؤخراً. الهجوم الذي وقع على القاعدة المسماة برج 22 والتي لم يسمع بها أحد من قبل تقريباً تحولت فجأة إلى حديث الساعة، لأن الهجوم أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين وجرح 34 منهم حالاتهم حرجة، ومرد هذا الإرباك إلى أن توقيت الهجوم ومكان وعدد الضحايا الكبير أرعب الجميع سواء المعتدي أو المعتدى عليه وحتى صاحبة الأرض التي وقع عليها الهجوم شعرت بأن أسلم طريقة للتخلص من تبعات هذه العملية هو نفي حدوثها على أرضها!

الإدارة الحالية للبيت الأبيض موقفها ضعيف نتيجة لعدة عوامل يأتي في مقدمتها التحضير للانتخابات الأميركية القادمة

قتل ثلاثة جنود أميركيين عمل غير مسبوق في السنوات الأخيرة وهذا هو الهجوم الأعنف على المصالح الأميركية في المنطقة منذ بداية العدوان على غزة، ومن الطبيعي أن يستدعي هذا الهجوم رداً أميركياً، ولأن الإرباك سيد المشهد حالياً يجب قراءة الموقف الأميركي قبل الحديث عن توقع مكان ونوعية الرد. الإدارة الحالية للبيت الأبيض موقفها ضعيف نتيجة لعدة عوامل يأتي في مقدمتها التحضير للانتخابات الأميركية القادمة والعامل الثاني المهم هنا هو ما يمكن أن نسميه تمرد نتنياهو، رئيس وزراء حكومة الاحتلال قرأ جيداً ما يعني كل هذا الدعم الذي تلقاه منذ بداية العدوان على غزة وحتى الآن سواء من بايدن أو من كل قادة الغرب وفي لحظة أفول بايدينية يريد نتنياهو استثمار هذا الأفول جيداً وتحقيق مزيد من المكاسب وهدفه القادم إشعال جبهة شمالي فلسطين المحتلة. هذه الجبهة التي تحاول أميركا منذ بداية العدوان أن تضبطها ضمن قواعد الاشتباك بينها وبين أذرع إيران، ونجحت أميركا بداية الأمر لكن المواجهات بدأت بالخروج عن السيطرة في الأسابيع الأخيرة، وبعد توقف المفاوضات التي كانت عبر وسطاء بين إسرائيل وميليشيا حزب الله حول تطبيق القرار 1701 وانسحاب قوات الحزب إلى حدود نهر الليطاني، قالت مصادر صحفية لبنانية إن وسطاء عرب نقلوا رسائل إسرائيلية جديدة لحزب الله مؤخراً، وهذه الرسائل لا تتحدث فقط عن ترسيم الحدود ووقف الهجمات بل إنها تحمل طلبات جديدة يصعب على الحزب تنفيذها تتمثل بنزع سلاح الحزب الثقيل ومنصات الصواريخ البعيدة المدى من جنوبي نهر الليطاني، ومنع الحزب من إعادة بناء مقار وأبراج مراقبة ومخازن صواريخ. هذه الطلبات التعجيزية أرسلت للحزب لكي يرفضها أي إبقاء احتمالية شن هجوم على جنوبي لبنان قائماً.

والعامل الثالث يتمثل بأن أميركا لا تريد مواجهة مباشرة مع إيران لأسباب كثيرة أهمها هو ما يمكن أن نسميه الغرام الديمقراطي بإيران ونفوذها في المنطقة، ويجب أن لا ننسى هنا أن أكبر عملية توسع عسكرية ونفوذ إقليمي حصلت عليه إيران كان بعهد أوباما وفريقه من أركان الحزب الديمقراطي، هذا التوسع يخدم مصالح أميركا بشكل كبير في المنطقة والعالم شرط أن لا يقترب من أمن إسرائيل واستقرارها، وهذه المعادلة فهمتها إيران جيداً وطبقتها حرفياً مع بداية العدوان حين التزمت وألزمت أذرعها بقواعد الاشتباك التي وضعها بايدن وفريقه.

ما يبقي الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات لاحقا هي قدرة الطرفين على ضبط إيقاع هذه المعزوفة التي يتشاركان عزفها معا؛ أميركا ترد وإيران تناوش هنا وهناك

من خلال هذه المعطيات يمكن لنا أن نستنتج حدود الرد الأميركي، الذي سيكون  بطبيعة الحال رداً متسلسلاً عبر تنفيذ هجمات جوية على مصالح إيرانية في المنطقة وربما يحصل هجوم داخل الأراضي الإيرانية كاستهداف مصنع مسيرات شاهد التي قتلت الجنود الأميركان في الأردن لكن دون أن يؤدي إلى إشعال مواجهة مباشرة مع إيران، مواجهة يتحاشاها الديمقراطي بايدن وتخاف منها إيران، وما يبقي الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات لاحقا هي قدرة الطرفين على ضبط إيقاع هذه المعزوفة التي يتشاركان عزفها معا؛ أميركا ترد وإيران تناوش هنا وهناك. لكن انشغال بايدن بسباقه الانتخابي نحو البيت الأبيض سيزيد من تمرد نتنياهو عليه وستزيد معه احتمالية فتح جبهة جنوبي لبنان لأن نتنياهو وجنرالات جيشه لن يجدوا أفضل من هذا التوقيت لأجل إضعاف قدرات حزب الله الهجومية ولمنع أي تهديد مستقبلي لمستوطناتهم شمالي فلسطين المحتلة، ومع تزايد احتمال عودة الجمهوريين لرئاسة أميركا ستشهد قصة الغرام الديمقراطي بإيران انتكاسة غير مسبوقة لأن الرئيس الجمهوري القادم سواء كان ترامب أم غيره سيدعم خطط نتنياهو وجنرالاته، وأتوقع أن أول إجراء سيتخذه الرئيس الجمهوري القادم هو عزل بريت ماكغورك عراب قسد وأكبر داعم للتمدد الإيراني في المنطقة وهو بالمناسبة يكره العرب والأتراك معاً.

باختصار: مهما كانت طبيعة الرد الأميركي حالياً ستبقى كل الأمور على حالها أي حالة لا حرب ولا سلم حتى يأتي سيد جديد للبيت الأبيض.