مونديال قطر.. صراع ثقافات وصدام مثقفين

مونديال قطر.. صراع ثقافات وصدام مثقفين

المان

تاريخ النشر: 26.11.2022 | 16:31 دمشق

آخر تحديث: 27.11.2022 | 14:06 دمشق

أحمد طلب الناصر - تلفزيون سوريا

لم يكن مستبعداً أن يشكّل مونديال قطر 2022 حالة خاصة واستثنائية من بين بطولات المونديال منذ نسخته الأولى التي استضافتها الأروغواي عام 1930. فأسبابٌ كثيرة ومتنوعة ساهمت في تكوين هذه الخصوصية، وغالبية تلك الأسباب يدركها الجمهور والمتابعون في البلدان العربية والعالم على حد سواء، وفي مقدمتها أنها المرة الأولى تاريخياً التي يستضيف فيها بلد "عربي- مسلم" البطولة على أراضيه.

 ذلك الاستثناء لا يعني مطلقاً أن تمرّ التظاهرة مرور الكرام، أو أن تمضي كما مضت سابقاتها بسلامٍ أو بأحداثٍ هامشية لا تلبث أن تنتهي بأرضها أو تنسى مع مرور قليلٍ من الوقت. أفرز هذا الشعور حالة قلق ملموسة داخل أوساط الجهات المنظّمة للمونديال، راحت تتنامى تدريجياً منذ اللحظة التي أعلن فيها عن استضافة قطر نسخة كأس العالم الحالية قبل نحو 12 سنة مضت.

فالتطورات السياسية المتلاحقة والمتسارعة والمعقدة أيضاً خلال تلك الأعوام، ساهمت في تعزيز حالة القلق القَطرية. آخر تلك التطورات، والتي ما تزال مجرياتها وانعكاساتها الكارثية قائمة اليوم، تتمثل في الغزو الروسي لأوكرانيا، إلا أن أشدها على الإطلاق تجسّد في القطيعة التي سادت بينها وبين دولٍ خليجية وعربية، والتي امتدت لنحو 3 أعوام ونصف العام (من منتصف 2017 حتى مطلع 2021).

وعلى الرغم من انتهاء تلك القطيعة إلا أن انعكاساتها السياسية، الإقليمية والدولية، بقيت مخيمة على طرفي القطيعة، وخاصة على قطر التي كان عليها إعادة ترتيب أوراقها مجدداً استعداداً للبطولة، وبأي ثمن كان.

وفي حين لم يكن يشغل بال الدولة المضيفة أيّ من الأمور المادية، أو تلك المتعلقة بالخبرات والجوانب المهنية والخدمية الرياضية التي أغدقت عليها قطر ما يكفي لإقامة 10 مونديالات متتالية وبكل سلاسة، بحسب تقديرات المحللين، برزت على السطح تفاصيل أخرى أبعد ما تكون عن الرياضة وعن أجواء كرة القدم وجماليات منافساتها التي ينتظر العالم مشاهدتها كل 4 سنوات؛ تفاصيل تابع مجرياتها جماهير المتابعين من مختلف أصقاع الأرض، ومن سويات ثقافية ومعرفية مختلفة، وخاضوا غمار منافساتها.  

افتتاح مختلف وسجال إشكالي

في حفل الافتتاح الذي أقيم في الـ20 من الشهر الجاري، قدّمت قطر نسخة مختلفة ومتميزة حاولت من خلالها إبراز الطابع الثقافي/ الفني الخاص بالعرب وبمنطقة الخليج عموماً وبقطر على وجه الخصوص؛ بدءاً من شعار المونديال (لعّيب) الطفل الوسيم صاحب غطاء الرأس الأبيض (الغطرة) والعقال، و"الجلابية" الخليجية البيضاء، مروراً بقوافل الإبل ورقصات النساء الخليجيات والأغاني المؤداة باللهجة الخليجية، وليس انتهاءً بتصاميم الملاعب التي تحاكي بيئة وعمارة وأزياء المنطقة. كل تلك التفاصيل، استطاع منظّمو الحفل، بدقة وبراعة منقطعتي النظير، تقديمها ضمن مزيج متقن من "العراقة والحداثة" بآن واحد.

ولأن الجانب الديني/ الإسلامي يمثل جزءاً أصيلاً من ثقافة المنطقة، كان حضوره طاغياً ضمن تفاصيل الحفل، وذلك من خلال المشاهد الأدائية لمجموعة "الحَضْرة" الدينية وتلاوة آيات من القرآن الكريم، وعبارات ونصوص دينية أخرى، سعى المنظّمون من خلالها إلى إبراز الجوانب الحضارية والإنسانية والأخلاقية التي تعكس جوهر رسالة الإسلام.

لم يكد ينتهي الحفل حتى بدأ مسلسل "الردح" عبر حسابات التواصل الاجتماعي، وراح المغرّدون والمدوّنون ينهالون بانتقاداتهم على ما تم تقديمه من فقرات الطابع الديني الإسلامي بذريعة أن الحضور الذين يمثلون مختلف شعوب وديانات العالم "ليسوا مجبرين على مشاهدة ومتابعة تلك التفاصيل التي لا تمثّل معتقداتهم"، بحسب تغريدة لكاتب سوري ردّ فيها على تغريدة لصديق مشترك امتدح تلك الفقرات وأرفق مقطعاً مصوراً لها.

مثقف آخر، وصديق، تساءل في تغريدته عن شكل ردة فعل أي "عربي مسلم" فيما لو كان المونديال في دولة غربية ما، وتم تقديم فقرة في حفل الافتتاح ذات مضمون يمثل ديانة ذلك البلد.

وعلى ذلك المنوال، تتالت تغريدات ومنشورات الأصدقاء والأصحاب والزملاء المنتقدين، وغالبيتها تتقاطع في توجيه اتهام إلى الجهة المنظّمة (قطر) بالتشدّد، وبمحاولة فرض رؤيتها ومفاهيمها الدينية "الإسلامية" على الحاضرين بصورة رأوا أنها "مسيئة للإسلام"، مفترضين سلفاً أن الإسلام في أذهان أولئك الحاضرين في أبهى صوره!

لماذا لم يخطر في بال أولئك المنتقدين أن يسألوا واحداً فقط من أولئك الحضور عن انطباعه تجاه تلك الفقرات، وعمّا إذا كان انعكاسها إيجابياً أم سلبياً؟

لماذا لم يسأله إن كان قد غيّر نظرته النمطية للإسلام الذي زُرع داخل داخل دماغه بصورة "البغدادي" و"الظواهري" و"الزرقاوي"؟

بل لماذا لم يسأل نفسه أولاً إن كان يحمل صورة مغايرة لتلك الصورة النمطية؟ ثم ليقرأ بعد ذلك ما قاله الممثل الكوميدي البريطاني (Russell Brand) في برنامجه الخاص بالمونديال عبر منصة يوتيوب: "إن الصورة التي قدمتها قطر في افتتاح المونديال عن الثقافة القطرية لا تعبر عن قطر وحدها فحسب، وإنما تعبر عن ثقافة أصيلة لشعوب عديدة في العالم العربي والإسلامي ولهذا الاعتزاز بهذه الثقافة الأصيلة نسفٌ وضرب للأجندات التي كانت وما زالت تعمل عليها أطراف معينة لتحييد ومسح الثقافة العربية وإبدالها بالثقافة العالمية الاستهلاكية الغربية".   

 "المثلية" وشذوذ الذرائع!

 بعد يومين من ذلك الافتتاح، وبعد تقديم عدد من المباريات التي استطاعت أن تجذب اهتمام ومتابعة الجماهير لما حققته من إثارة ومفاجآت وجعبة مليئة بالأهداف؛ غزت الصورة الشهيرة للمنتخب الألماني التي يشير فيها إلى مناصرة "المثلية"، مخالفاً بذلك ما اعتمدته الدولة المضيفة ونظامها ومجتمعها، ولتبرز قضية أخرى على سطح منصات التواصل المترقّبة والقلقة أصلاً، بتوجهات أصحابها المختلفة، ولتتربع تلك الحادثة على قمة الأحداث الأوسع والأكثر "ردحاً" من قبل طرفي النزاع: المناصر لموقف الفريق والرافض له.

وبمعزل عن التدوينات والتغريدات التي تناولها العامة من الناس في مواجهاتهم وتهجماتهم؛ برزت مواقف سجالية حامية الوطيس بين أفراد فريق من الأدباء والمثقفين السوريين، انتهى معظمها إلى استئصال شأفة الفريق الخصم (حظره أو حذفه من الصداقة)، وإلى تراشق اتهامات تفاوتت بين التنبيه والرفض والتحقير والتشكيك في المستوى المعرفي، ووصلت إلى درجة الطعن في المعتقد والذهنية والمَلَكات العقلية، و"التشبيح" للدولة المضيفة!

وكثرت المنشورات ذات المضامين السجالية، وما تزال مستمرة مع تراجعٍ في حجمها وحدّتها. لذا سأتناول بعض ما ورد في إحداها من خلاف وجدل حاد، وما تمخض عنها من "قطيعة افتراضية تواصلية".

يكتب أحد الكتاب والروائيين السوريين منشوراً تساءل فيه عما إذا كانت عملية الزجّ بموضوع المثلية في كل تفصيل من تفاصيل حياتنا (السينما، الرياضة، السياسة، الاقتصاد، الطعام، الشراب...) صحيحة ومنطقية. ثم ألحقه بمنشور آخر رد فيه على موقف المنتخب الألماني، ووصف فيه "الإصرار على الترويج لسلوك ما (خاصّ وشخصيّ جداً) يمكن أن يمهّد الطريق لما هو أبعد من ذلك، مثل (سفاح القربى- مثالاً)، لأنه يعتمد على الحجج نفسها التي يمكن أن يستفيد منها مناصرو هذا النوع من العلاقات، في حال كانوا موجودين أم لا.."

وتابع منشوره شارحاً فكرته ومفهومه للأمر، ثم ختمه بالقول: "بالنسبة لي فالحرية مطلب أساسي لا يقبل المساومة، ولأن الأمر كذلك فأنا مع أن نبقي البشر (لا سيما الأطفال) بمعزل عن أي تأثيرات يمكن أن تضع حدوداً لحرياتهم. أن نكف أيدينا عنهم، وأن نتوقف عن محاولاتنا لبرمجتهم، وتوجيه سلوكهم وميولهم، والعبث بإراداتهم، وتحويلهم إلى أدوات مصنوعة مسبقاً وفق ما نعتقد أنه حقّ".

ذلك المنشور والسابق له، تخللهما تعليقان من "صديقين" للكاتب، جاء في الأول: "أدعوك للتراجع علناً وأنت تمتلك الشجاعة للاعتذار". وفي الثاني: "(بنصحك) تراجع موقفك وتراجع فهمك للحريات الفردية".

لينتهي الأمر بحظر الصديقين بحسب ما أورد الكاتب في منشوره وهو "آسف كل الأسف" على خسارته لهما.

ويختم الأديب منشوره بالقول: "هذه اللغة الاستعلائية تسيء إلى صاحبها أكثر مما تسيء إليّ، وهي تكشف في الحقيقة عن طبيعة هذا الخطاب الذي يتنكر بأقنعة تحمل أسماء مثل: حق الاختلاف، الحرية الشخصية، التعدد في الاتجاهات والميول.. وتخفي خلفها تشوّهات وأمراضاً منها: الأنانية، وضيق الأفق، والعدوانية الشديدة، وعدم الاحترام لأي تعدد وتنوع".

وعلى صفحته، يرد أحد "المحظورين" قائلاً: "كتب (الصديق) مشبهاً المثلية بزنا أو سفاح المحارم، واعتبر أن رأيه سيجد من يرد عليه تحت مسميات عديدة (تاريخية، وميثيولوجية، وهرمونية، وحقوق الإنسان). وكان ردي عليه، أن رأيه سقطة معرفية، من قاص وروائي، فمنظمة الصحة العالمية ألغت في عام 1979 تعريف المثلية بوصفها شذوذاً، والمنظمة تمثل خبراء في مختلف المناحي الطبية، كما اعتبرت أن دولة المواطنة تساوي وتدافع عن حقوق مواطنيها، بغض النظر عن الدين والعرق والرأي السياسي والثقافة والجنس".

ويرى صاحب الرد أنه "إذا كنا مع دولة المواطنة، فعلينا احترام حقوق الجميع، من دون أن يعني هذا أن نكون مطالبين بالدفاع عن المثلية، أو الترويج لها، كما اعتبرت أن مثل هذه الآراء التحقيرية للمثليين هي بمثابة تمييز ضدهم، يؤسس للعنف ضد هذه الفئة. شخصياً، عندما أدعو وأناضل من أجل دولة الحريات والمواطنة، فأنا أدافع عن الفرد، حتى لو كان مختلفاً عني".

من خلال منشور الكاتب ورد صديقه "المحظور"، (أدّعي) بأن ثمّة فوضى ما تخترق القضية المطروحة وتحاول بصورة أو بأخرى أن تفرغها من مفهومها المجتمعي (الإنساني/ الأخلاقي/ الديني)، ومن مكانتها الطبيعية التي وُجد الإنسان على أساسها وراح يتطور ويكتسب المعارف المتراكمة عبر التناسل وعمليات الاصطفاء التي تُرجّح الصفات الأرقى فكرياً وجسدياً، وجمالياً أيضاً، وتنحّي الصفات الأضعف والأبشع.

وراحت تلك الفوضى (التي أدّعي وجودها) تتقاذف قضية "المثلية" وتؤرجحها بين مفاهيم "الرأي الفردي"، و"المنطق"، و"الميول/ الغرائز"، و"تأسيس العنف"، و"النضال لأجل دولة الحرية"، و"قرارات منظمة الصحة العالمية"!            

 

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار