موائد رمضانية خجولة.. تدهور الأمن الغذائي لسوريا والدول العربية

تاريخ النشر: 16.04.2021 | 15:19 دمشق

إيكونوميست- ترجمة: ربى خدام الجامع

شهر رمضان الذي بدأ مع غروب يوم 12 من نيسان في معظم دول العالم هو شهر للصيام وللاحتفال في آن معاً، إذ بعد يوم طويل من ضبط النفس لابد وأن تقام مآدب عامرة عند المغرب. غير أن تلك الاحتفاليات قد تقلصت منذ العام الماضي نظراً لتفشي كوفيد-19. ولكن مع تخفيف القيود اليوم في بعض الدول العربية، نجد الأسر وهي تحلم بعيدٍ تبدو فيه مظاهر الاحتفال بشكل أبلغ، إلا أن الكثير من الأسر العربية تعاني حتى تؤمن قوت يومها.

إذ وفقاً لتقديرات برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، فإن 960 مليون شخص ليس لديهم ما يكفي من الطعام ليحافظوا على صحتهم، ونحو 64 مليون نسمة منهم يتوزعون في 12 دولة عربية، بنسبة تعادل شخصاً واحداً من بين كل ستة عرب. فقد جعلت الحروب والأزمات الاقتصادية من الجوع واقعاً مزمناً بالنسبة للبعض. بل حتى حكومات الدول المستقرة باتت تخشى من آثار ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً.

وتظهر هذه المشكلة بشكل واضح في كل من سوريا واليمن، حيث يعاني نحو نصف السكان من الجوع، بعدما ارتفعت أسعار السلة الغذائية التي تحوي المواد الأساسية في سوريا وهي الخبز والأرز والعدس والزيت والسكر بنسبة 222% في شهر شباط عما كانت عليه قبل سنة. أي أنها أصبحت تكلف ضعف الراتب الشهري لأي موظف عادي في الدولة. أما في اليمن، فقد حذرت الأمم المتحدة من مجاعة تلوح في الأفق، بعدما قطعت وكالات الإغاثة معونتها بسبب تقليص ميزانيتها. كما أن نقص الوقود في كلا البلدين أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل أكبر.

ثم إن اللحم كان بالأساس رفاهية لا يقدر غالبية السوريين على تحمل مصاريفها، وسرعان ما انضمت الألبان والأجبان والفواكه إلى قائمة اللحوم. أما الخبز الذي يعتبر أرخص مصدر للحريرات، والذي لا يفارق أي وجبة في الغالب الأعم، فقد تحول إلى وجبة بحد ذاته. إلا أن الحصول على الخبز المدعوم من قبل الدولة يحتاج لساعات من الانتظار في طوابير طويلة. فقبل الحرب، كانت سوريا تزرع ما يكفيها من القمح لتلبية احتياجاتها، إلا أن دراسة نشرتها جامعة هامبولدت في برلين العام المنصرم اعتمدت على المعلومات التي وفرتها الأقمار الصناعية، كشفت بأن سوريا خسرت نحو 943 ألف هكتار من الأراضي الزراعية (ما يعادل 20%) وذلك خلال الفترة الواقعة ما بين عامي 2010-2018.

فيما تعاني دول أخرى من تحديات جديدة، فخلال العام المنصرم، أصبح صحن الفتوش لأسرة مؤلفة من خمسة أشخاص في لبنان يكلف أربعة دولارات، إذ منذ ذلك الحين، تسببت أزمة مالية بهبوط قيمة العملة بنسبة 90%، ما أدى إلى تضاعف أسعار الغذاء بنسبة 417% خلال السنة الماضية.

وبالرغم من أن معظم الأغذية في لبنان مستوردة، إلا أن المنتجات المحلية أصبحت غالية هي أيضاً، إذ أصبح صحن الفتوش ذاته يكلف أكثر من 8 دولارات. كما أن وجبة إفطار متواضعة مؤلفة من حساء وسلطة وطبق رئيسي يحتوي على دجاج في كل يوم من أيام رمضان، أصبحت تكلف ما يفوق ضعفي الراتب الشهري المتوسط الذي يعادل أقل من ألف دولار تقريباً بحسب تقديرات الجامعة الأميركية في لبنان. ولهذا أصبحت المتاجر تشهد شجارات على السلع المدعومة مثل زيت القلي، الذي أصبحت بعض المتاجر اليوم توزعه تحت حراسة مسلحة، خاصة بعدما قتل رجل في الثالث عشر من نيسان الجاري خلال عملية توزيع الطعام.

وفي شهر كانون الثاني الماضي، توقع مصرف غولدمان ساتشز بداية الدورة الكبرى للسلع، حيث دفع تزايد الطلب نحو تخفيف القيود المفروضة بسبب تفشي الوباء، وتراجع الدولار. وهذا الأمر مقلق بالنسبة لمصر التي تستورد 13 مليون طن من القمح سنوياً من أجل الخبز المدعوم، إذ إن ميزانية هذه الدولة تعتمد على سعر متوسط يقدر بحوالي 200 دولار للطن الواحد. ولكن في مطلع هذا العام وصلت الأسعار لنحو 240 دولاراً، ويعود أحد أسباب ذلك إلى الضرائب الجديدة التي فرضتها روسيا على التصدير. ولهذا أعلن وزير المالية المصري بأن الحكومة قد تتحفظ بالنسبة لعقود القمح التي أبرمتها لتحمي نفسها من ارتفاع الأسعار مستقبلاً. كما أن أسعار الأرز الذي يعتبر أحد السلع الغذائية الأساسية، قد وصلت إلى أعلى سعر لها خلال هذه السنوات.

بيد أن ضعف الطلب في مصر قد أبقى التضخم ضمن حدوده الدنيا حتى الآن، فقد بقيت أسعار المواد الغذائية ثابتة أو هبطت خلال الأشهر الماضية، غير أنها قد تبدأ في الارتفاع خلال وقت ما من هذا العام، وأي زيادة بسيطة في الأسعار يمكن أن تسبب ضرراً كبيراً، وذلك لأن ثلث الشعب المصري يعيش على أقل من 47 دولاراً في الشهر. ولقد ارتفع مؤشر سعر الغذاء لدى الأمم المتحدة طوال عشرة أشهر متتالية، وفي شهر آذار بلغت الأسعار أعلى مستوى لها منذ أواسط عام 2014. يذكر أن أسعار المواد الغذائية تعتبر السبب الرئيسي للتضخم في السعودية، كونها ارتفعت بنسبة 11% خلال شهر شباط الماضي.

وفي الإمارات التي تعتبر من أغنى دول العالم، يدفع المواطنون والمغتربون الأثرياء 100 دولار بكل سرور على إفطار لشخص واحد في البوفيهات التي تقام في رمضان. إلا أن الوزراء في هذه الدولة أيضاً ناقشوا فكرة ضبط أسعار المواد الغذائية وتحديدها. كما بدأت الإمارات بزراعة ما تحتاجه من غذاء في الصحراء، ويشمل ذلك كل شيء بدءاً من الطماطم وصولاً إلى الكينوا، لكنها بقيت تستورد 90% مما تأكله. وبعد ربط عملتها بالدولار، كما هي الحال في معظم دول الخليج، أصبح تراجع الدولار يعني زيادة في أسعار المواد والسلع الغذائية الموجودة في المتاجر. ولهذا طلب من أصحاب محال البقالة تخفيض الأسعار في رمضان، بما أنه بوسع الإمارات تحمل تكاليف هذه الرفاهية، إلا أن السنوات القادمة قد تمر عجافاً على مناطق أخرى.

المصدر: إيكونوميست