من سوريا إلى ويست هارتفورد: أسرة لاجئة تكبر وتتطور

تاريخ النشر: 27.11.2020 | 19:36 دمشق

هارتفورد كورانت- ترجمة: ربى خدام الجامع

في عام 2012 لم يكن فادي وفوزة العساف يفكران بالسفر إلى الولايات المتحدة، بل كانا يأملان أن يتحسن الوضع في بلدهما سوريا، إذ كانا يعيشان في حمص، مركز الاحتجاجات المناهضة للنظام، ولكن في نهاية الأمر تمكن النظام من منع المظاهرات وإيقافها عبر فرض حصار عنيف، ولهذا هرب الآلاف منها بمن فيهم أسرة العساف.

والآن تعيش هذه الأسرة في ويست هارتفورد، حيث استقرت هنا، وأصبح لديها منزل، بعيداً عن الحياة التي عاشتها في يوم الأيام.

بيد أن الطريق من حمص وحتى بيتهم الجديد لم يكن مفروشاً بالورود أو مستقيماً، فقد بدأت بهم الأمور في مخيم للاجئين في الأردن، حيث حطت تلك الأسرة رحالها بعدما تركت كل ما تملكه خلفها، بعد ذلك انتقلوا إلى شقة في الأردن، ثم هاجروا إلى هارتفورد، قبل أن يصلوا إلى مكان يشعرون فيه بالراحة وكأنهم في بيتهم ووطنهم.

وحول ذلك تقول فوزة: "كل شيء أسهل هنا، إذ بوسعك أن تبدأ حياة جديدة، وإذا كان لديك حلم فبوسعك أن تحققه".

وهكذا تسير حياتهم الجديدة على ما يرام، فخالد البالغ من العمر 9 سنوات، والذي ولد في سوريا، أصبح اليوم طالباً مجداً في مدرسة آيكن الابتدائية، وصار يتحدث الإنكليزية بطلاقة، كما أصبح لخالد اليوم أخ صغير اسمه شادي، وعمره خمسة أعوام، إذ ولد في الأردن، أما جاد فقد ولد في هذا الشهر، كما أصبح الأب فادي يعمل في مصنع بميريدين.

أصدقاء ومحبون قدموا يد العون

والأهم من كل ذلك أنه أصبح لفادي وزوجته أصدقاء من اللاجئين السوريين أو من السوريين الذين ولدوا في أميركا، وتعلق فوزة على ذلك بالقول: "الناس هنا يتعاملون بود بالغ، كما أنهم منفتحون ويحبون أن يساعدوا غيرهم، إذ إنهم يتفهمونك، ويدركون بأنك مختلف تماماً عنهم، كما أن المدرسة تعتني بالأولاد بشكل جيد".

غير أن الحياة لم تكن وردية دوماً بالنسبة لأسرة العساف، وذلك لأن الابن الأصغر شادي يعاني من مرض التوحد ونادراً ما يتكلم، كما أن والد فوزة توفي منذ مدة قريبة، ولم تتمكن من رؤيته منذ عام 2012، وما تزال فوزة تحاول تعلم اللغة الإنكليزية وكثيراً ما تتعطل سيارتها على الطرقات.

بيد أن فادي يدرك بأن الحياة ليست بسهلة في أي مكان، ولا حتى هنا، ولهذا يقول: "ما تعلمته من أميركا هو أنه يجب علي أن أعمل بجد حتى أؤمن حياة جيدة".

وبالرغم من كل ذلك يعبر أفراد تلك الأسرة عن امتنانهم وقناعتهم بالحياة في الولايات المتحدة، وخاصة تجاه من ساعدهم في الوصول إلى أميركا والاستقرار في ويست هارتفورد، وهنا يقول فادي: "بدون مساعدتهم لم يكن بوسعي أن أصل إلى هنا، إذ خلال الأشهر القليلة الأولى من وصولنا لم أكن أعرف أي شيء حول العمل في هذه البلاد أو حول المدارس أو الفواتير أو الائتمان أو القواعد أو القوانين، لكن الوضع صار أحسن بكثير اليوم".

بل حتى سيارة فوزة التي تتعطل كثيراً جعلتها تدرك أهمية الأصدقاء، حيث تقول: "إذا احتجت لشيء يأخذني أصدقائي إلى المتجر".

المظاهرات والهروب

كان لدى فادي عمله مع عائلته في حمص، حيث كان يبيع المعكرونة لتجار الجملة في جميع أنحاء البلاد، وقد شارك في الاحتجاجات المناهضة لبشار الأسد الذي وصل إلى السلطة في عام 2000 ليخلف أباه حافظ الأسد الذي حكم البلاد لمدة 29 عاماً.

وحول ذلك يحدثنا فادي فيقول: "كل من في منطقتنا كانوا يطالبون بتغيير الرئيس، ولهذا خرج الناس إلى الشوارع، فبدأ النظام يحبس الناس ويقتلهم ثم أخذ يقصف البيوت إلى جانب الكثير من الممارسات السيئة التي قام بها".

ولكن قبل بدء القصف، أغلقت عائلة العساف مشروعها التجاري، إذ يقول فادي: "لم يكن الوضع آمناً بالنسبة للتجول والعودة، أعني أنه لم يكن آمناً بالنسبة لسائقي السيارات لدينا".

بعد ذلك هربت أسرة العساف في عام 2012، وكان ابنهم خالد وقتها رضيعاً، فانتقلوا إلى الأردن حيث أقاموا في مخيم للاجئين لمدة سنة، وحول ذلك يقول فادي: "كان الوضع هناك سيئاً أيضاً، فقد عشنا في خيمة، وكان من الصعب الحصول على الماء، بل من الصعب الحصول على أي شيء".

ولهذا انتقلوا إلى شقة في المدينة، وهناك اعترضتهم مشكلة أخرى أيضاً، إذ يقول فادي: "لم نكن نملك أي شيء في الأردن، وكان علي أن أستأجر كل شيء وكل شيء كان باهظ الثمن، تخيل أنك تحصل ألفي دولار شهرياً ولكن عليك أن تدفع ثلاثة آلاف كمصاريف معيشة".

وأضاف فادي بأن اللاجئين في الأردن بحاجة إلى تصريح للعمل، ولم يكن لديه ذلك التصريح لكنه حصل على فرصة عمل بشكل من الأشكال، وحول هذه التجربة يقول: "كنت أختبئ عندما تأتي الشرطة، وكان علي أن أدخل من الباب الخلفي".

ولا يتذكر خالد من الأردن سوى أمرين فيخبرنا: "كان عندنا بيت صغير جداً، وكنا فقراء للغاية"، ويضيف فادي: "كان برنامج اليونيسيف يهتم بأمر اللاجئين جداً، ولكنا لم نجد مثل هذا الاهتمام من قبل الحكومة".

وهكذا بقيت تلك الأسرة في الأردن حتى شهر كانون الأول من العام 2016.

العثور على مكان للإقامة 

في ذلك الشهر ساعدت المنظمة الدولية للهجرة أسرة العساف على الهجرة إلى الولايات المتحدة، وهناك وجدت جمعيات خيرية كاثوليكية لهم شقة في هارتفورد وهكذا تم الأمر ولكن بغاية الصعوبة.

إذ يقول فادي: "كانت صدمة كبيرة، لأن الشقة كانت سيئة للغاية، إذ انتشرت فيها الفئران والحشرات، ولم تكن نظيفة، ولهذا لم نستطع البقاء فيها" فقد بقيت تلك الأسرة في تلك الشقة لمدة شهر واحد فقط.

ومن خلال لاجئين سوريين تعرفهم أسرة العساف، عثرت تلك الأسرة على سارة كيفير وهي مدافعة متطوعة عن اللاجئين، فساعدت أسرة العساف في الانتقال إلى ويست هارتفورد.

وتتذكر السيدة كيفير معاناة الأسرة مع بداية انتقالها لشقة هارتفورد فتقول: "حدث ذلك قبل عيد الميلاد، إذ استقروا في شقة في شارع فرانكلين، ولكن كل شيء حينها، أعني كل المتاجر، كانت مغلقة، لكنهم لم يفهموا سبب ذلك. تخيل نفسك غريباً في أرض غريبة. كما وقعت جريمة قبل أسبوع بالقرب من تلك الشقة، وهذا ما أثار الذعر بينهم".

لكن السيدة سارة وجدت لهم شقة في ويست هارتفورد، وكانت من أولى أولوياتها وهي تبحث لهم عن شقة أن تكون قريبة من مدرسة جيدة، وحول ذلك تقول: "كان من الواضح بأن خالداً فتى ذكي للغاية، بل بوسعك أن تصفه بأنه حاد الذكاء، ولهذا أردنا أن نتأكد من وجود مدرسة تلائمه".

أما فادي فقد أعجبه البيت الجديد المخصص لأسرته الجديدة، فقال: "أصبح لدينا شقة، وكان البناء نظيفاً، وفيه أشخاص رائعون، كما أن البناء قريب من المدرسة، وهكذا أقمنا هناك لمدة سنة ثم انتقلنا إلى بيت في المنطقة نفسها".

وفي تلك الفترة أصبحت منظمة ForwardCT الإنسانية تتولى احتياجات أسرة العساف، وتساعد فادي بالحصول على عمل وشراء سيارة، فضلاً عن مساعدة الأسرة في البحث عن أطباء وفي تلبية احتياجاتهم الأخرى.

وفي شهر تموز من هذا العام، اشترت أسرة العساف بيتاً في ويست هارتفورد، بالقرب من خط مدينة بلومفيلد.

السعي للتغلب على كثير من العقبات

بالرغم من أن فوزة تخبرنا بأن الجائحة لم تغير من أسلوب حياتها إلا القليل، حيث تقول: "لا أفكر بكورونا مطلقاً، لست أدري لماذا، فأنا أعيش حياتي الطبيعية وأخرج أيضاً"، إلا أنها تخبرنا  بأن أسرتها ما يزال لديها كثير من العقبات التي لابد من التغلب عليها بصورة يومية.

إذ تكلم فوزة أمها يومياً عبر تطبيق واتساب، بما أنه من الصعب عليها أن تلتقي بأمها أو ببقية أفراد عائلة فادي التي يعيش بعضها في سوريا وبعضها في لبنان وبعضهم في عُمان، ولهذا تقول: "أصبح الوضع أسوأ مما كان عليه من قبل، إذ كل شي مفقود لديهم أصبح من الصعب أن تدخله إلى البلاد مثل الأدوية والزيت والخبز، مع قلة المال بين أيديهم، والذي هبطت قيمته بشكل كبير".

كما أن شادي واحتياجاته الخاصة بحاجة لرقابة مستمرة، ولهذا تقول فوزة: "كل شيء صعب بالنسبة له، سواء البيت أو المدرسة أو المتجر، وهذا ما يصيبني بالتوتر على الدوام. فهو يذهب إلى المدرسة، لكنه يركض إلى الحافلة في بعض الأحيان، وأحياناً لا يفعل، وهو يحب يوم الاثنين والثلاثاء، ولكنه لا يحب ما يأتي بعدهما".

ولذلك لم تعد فوزة تؤدي طقوس العبادة برفقة زوجها وابنها الأكبر، وذلك لأنها تعتني بشادي، وحول ذلك تقول: "أصطحبه إلى الحديقة فقط، لأنه يشعر بالراحة هناك، ولكن علي أن أراقبه طيلة الوقت".

ولكن، وبالرغم من كل ذلك ماتزال هذه المرأة تحس بالامتنان والفضل تجاه الحياة التي تعيشها، إذ تقول: "شكراً لله على كل شيء، إذ بالنسبة لشادي قد لا يتوفر أحد في بلدي للعناية به، ولن أحس أنه سيكون بأمان في المدرسة هناك، أما هنا فتولى الاحتياجات الخاصة أهمية كبيرة، من قبل الحكومة ومن قبل الجميع أيضاً، فهم يساعدون الأهالي كثيراً".

أما خالد فقد كانت فترة تأقلمه مع الحياة في الولايات المتحدة أسهل، إذ أصبح يتكلم الإنكليزية بشكل جيد عندما صار في الصف الثاني ولهذا لم يعد بحاجة لحضور دروس تعلم الإنكليزية لغير الناطقين بها، وهنا تتذكر فوزة كيف كانت المدارس في الأردن تتعامل مع اللاجئين بظلم فتقول: "في الأردن، كانت مدة الدوام في المدرسة ساعتين بعد الظهر بالنسبة للقادمين من سوريا، لأنهم لا يعتبرونهم مواطنين"، أما في الولايات المتحدة فنظام التعليم أفضل بكثير، بما أن: "جميع الأطفال فيه سواء" حسبما ذكرت السيدة فوزة.

وقد خلص فادي إلى نتيجة ألا وهي أنهم وجدوا حياة مسالمة آمنة في أميركا، ولهذا يقول: "بوسعي أن أجد عملاً بسهولة، ولدينا مدرسة ورعاية طبية، وكل شيء نراه هنا أفضل من حاله هناك".

المصدر: هارتفورد كورانت 

مقالات مقترحة
العراق: فرض إغلاق شامل في بغداد لمواجهة تفشي فيروس كورونا
السعودية تلزم الوافدين بالخضوع لحجر صحي مدة أسبوع
15 حالة وفاة و178 إصابة جديدة بفيروس كورونا في سوريا