من أوراق الثورة: معاقون.. وواقعية يفشل فيها الأصحّاء!

تاريخ النشر: 16.02.2021 | 00:02 دمشق

على هامش المحال التجارية يتوارى محلّ حاله من حال أهله في العفّة بكرامة والقوة بضعف؛ يعمل فيه ثلاثة معاقين أكمل الله بهم بعضهم بعضاً، فجميع ما تركتْه الحرب المجنونة لثلاثتهم عن واحد صحيح سليم.

فالأول مقطوع اليد من الكوعين، والثاني مبتور الساقَين صحيح اليدين، والثالث برجل واحدة ويد واحدة.

يبيعون الأكياس والمناديل، بل ويقومون بالتوزيع على المحال وتوصيل الطلبات للمنازل.

تجمد في مكانك وتحبس أنفاسك وأنت تراهم كيف يتعاونون في تحميل البضاعة في صندوق موتور كهربائي ثلاثي العجلات؛ فهو وسيلة نقل البضاعة وتوصيلها، والسائق هو الثاني مبتور الساقين، وإن وقف أمام المحل جاءه بالكرسي الأولُ مقطوع اليدين يدفعه له بيد صناعية ثابتة.

وتدخل لتشتري منهم فتقف للعبرة والعظة أمام تنسيق حركاتهم بأطرافها المبتورة، يتكاملون في آية مبهرة من الانتظام والتفاني، مع عكاكيز وأطراف صناعية وكراسي معاقين يستعينون بها في البيع والشراء.

.... لا أريد هنا لفت الأنظار لأعظم شريحة مظلومة في ثورتنا يتجاوز عددهم سكّان دولة صغيرة، وهم مصابو الحرب والمعاقون الذين تتحدث المنظمات الأممية عن مليون ونصف سوري منهم.

في ذاك المحل الصغير بلا ديكورات ولا أضواء ولا مساعدين صورة عن بلدنا المدمرة، وفي صورة هؤلاء الأبطال المصابين والمعاقين صورتنا مع أهلنا وإخواننا

ولا أريد الاعتراف أنني كثيراً ما وقفت عندهم وأكاد أنسى ما أريد، وأنا أتأمل ضعفهم وقوتهم، وأعجب لعفّتهم وكرامتهم، وأُكبر فيهم تحدّي الإعاقة وإرادة الحياة والنجاح.

... فما أريده هنا: كم نجح هؤلاء المصابون والمعاقون فيما فشلنا فيه ونحن الأصحّاء؟!

في ذاك المحل الصغير بلا ديكورات ولا أضواء ولا مساعدين صورة عن بلدنا المدمرة، وفي صورة هؤلاء الأبطال المصابين والمعاقين صورتنا مع أهلنا وإخواننا.

إلا أن المفارقة العجيبة نجاحهم وفشلنا؛ والحال واحدة، ونحن منهم وهم منا.

كانوا واقعيين مع أنفسهم يدركون ضعفهم، فلم يخرجوا يصرخون يستجدون ويوبّخون؛ ولو فعلوا ما عُوتبوا. بل احتسبوا ما دفعوه ثمناً للحرية من أجسادهم، ولم يجدوا كمالهم بأطراف ذكية قد يقضي الواحد باقي عمره يستجدي ويركض حتى يدركها، فتكاملوا فيما بينهم؛ فوجد مقطوع اليد في يد أخيه ما يكفيه حاجته، ومضى مبتور الساقين يمشي على رِجلي صاحبه.

أما معاشر الأصحّاء فلا يقبل الواحد منا أن يتنازل ليُكمل أخاه، ولا يرضى أن يكمل نقصه بما عند أخيه؛ فمما سجل تاريخ ثورتنا: أنا الفصيل الأكبر ومَن أراد العمل فهو مِن خلفي لا بجانبي، ونحن مستعدون للتوحّد، ولكنْ تحت رايتنا؛ لأننا الأفضل ومعنا السلاح الثقيل، ووراءنا مَن وراءنا أفراداً وجهات ودولاً!

ولا مانع من التنسيق والانضواء تحت راية جيش وطني أو حكومة مؤقتة؛ على أننا وحدَنا ولا نسمح لأحد بالتدخل في شؤوننا، فنحن كاملون بسلاحنا وعناصرنا وقيادتنا العظيمة!

وبهذه العقليات المعاقة المنحرفة خسرنا مناطق شتى، ودُمرت مدننا وقُرانا، وانتهينا جميعاً في زاوية من الشمال ما زالت تتآكل حتى اليوم!

كانوا واقعيين حينما بدؤوا ببضاعة لو جُمعت كلها ما بلغت ثمن بندقية يتحارب بها الإخوة، ثم تتطور عملهم فامتلأ محلهم بالبركة وصار لهم زبائن وتوصيلات.

وأمّا الأصحّاء من السياسيين الذي اغتصبوا المشهد السياسي السوري ففشلوا في مثل هذا؛ إذ انطلق العمل السياسي تحت تأثير عوامل عدة بقناعة "إما كل شيء وإما لا شيء"، وهذه حماقة في السياسة؛ وما زلنا نتهاوى من "هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة" حتى انتهينا في الدرك الأسفل من "لجنة دستورية" لا تنتمي مباحثاتها لأهداف الثورة وتنمحي فيها الخطوط الحمراء التي خُطّت بالدم.

ولم يكن السياسيون وحدَهم كذلك؛ فالفصائل التي غنّى لها الناس لانتصاراتها وحمايتها المدنيين جلس قادة عسكريون "أصحّاء" من كبرى تلك الفصائل يتناقشون ويتنازعون منذ أوائل 2012 و2013 في شكل الدولة، وجواز الانتخابات ودخول البرلمان من عدمه، ثم جادت علينا أحلامهم بـ "مشروع أمّة"؛ فانفضّ عنا أقرب الناس والدول إلينا، قبل أن يتراجع قادتنا "الأصحّاء" وتتطور فكرتهم إلى "ثورة شعب"!

وبين حالمٍ بإمارة وواهمٍ بدولة، وبين ألوية وجيوش وحركات وهيئات وفيالق، مع استيعاب مفردات المعجم من التسميات الإسلامية والوطنية والأجنبية؛ جرت سيول دماء بين الإخوة الأعداء على امتداد الخريطة السورية، وانتهت الفصائل إلى حالها اليوم والمسمار مسحوب من بنادقها إلا إن يُدفع من شقيق هنا وصديق هناك!

كانوا واقعيين لم يقفوا عند ما أنجزوه لأنهم احتسبوا ما فعلوا وقبلوا بما دفعوه؛ مع أن منهم مَن كان قنّاصاً مميزاً وانتهى لا أحد يساعده بثمن الكرسي بعد إعاقته! وثانٍ اغتنم دبّابة بمفرده وقد فتح غطاءها وألقَى قنبلة يدوية فيها ببطولة لم يُسبق إليها، وانتهى معاقاً جُمع ثمن موتور كهربائي له على وسائل التواصل! وثالث وعاشر ... لكنهم لم يكفروا بالثورة، ورضوا بما قُسم لهم وانطلقوا بهمّة غلبت الإعاقة للعمل.

في مقابل "أصحّاء" توقف شريطهم عندما أنجزوه في طفرة من الزمن والدعم، فرأى من حوله جيشاً من المقاتلين يهتفون باسمه ويأتمرون بأمره؛ ومع سلسلة أخطاء وكوارث وبعد جملة أحلام وأوهام انتهى بلا فصيل ولا عناصر ولا قيادة ولا مرافقة، فجلس مع شريطه ذاك يقاتل على طريقة دون كيشوت لأنه يوماً صار برتبة "قائد". وصالحون آخرون كانوا أكثر واقعية؛ لكنهم مصرّون على الانتقال من قيادة العمل الذي يكونون فيه إنسانياً كان أو طبياً لأنهم كانوا في العمل العسكري "قادة"، دون أن نعي أنَّ جيل الثورة المضحّي لا يُشترط أن يكون جيل بناء الدولة، بل ربما يجب ألا يكون أحياناً؛ فمنطقُ الثورة مختلف جداً عن روح بناء الدولة، ومَن نجح في الثورة لا يُشترط أن ينجح في الدولة.

كانوا واقعيين في التكامل بينهم بما لا يستطيعون؛ فصاحب اليدين يقود الموتور، وصاحب الرِّجلين ينزل ليحمل البضاعة إلى أصحابها وهو يعاني بأطراف ثابتة، وإن عجز نادى مَن يحمل معه.

قد نعجز عن مساعدة المعاقين والمصابين؛ لكننا لن نعجز عن نشر مآثرهم من جهة، وعن التعلُّم منهم من جهة أخرى

وليت منظمات المجتمع المدني العاملة على فضلها وعظيم ما قدمته كذلك؛ فنحن نقترب من الذكرى العاشرة لثورتنا وأكثر المنظمات ترفض التخصص، لأنه يضيّق عليها الموارد؛ فكيف تأتي منحة في قطاع وتترك المزاحمة عليها لغيرها؟! ولماذا لا يكون لها مكاتب تعمل في كل القطاعات فلا يفوتها شيء من الدعم والمنح! وقد يُحسن الظن مبتدئ فيدفع مشروعاً إلى جهة ليس لها فيه عمل لدعمه أو تسويقه عبر شبكتها، ثم يلتفت المسكين فيجد مشروعه قد بدأ تنفيذه على الأرض لأن "الجهة الكريمة" استحدثت في طرفة عين مكتباً في ذلك التخصص وعيّنت موظفين وأخذت المشروع لنفسها؛ حتى لا يُظنّ بها الضعف والسوء إن استعانت بغيرها!

قد نعجز عن مساعدة المعاقين والمصابين؛ لكننا لن نعجز عن نشر مآثرهم من جهة، وعن التعلُّم منهم من جهة أخرى؛ إذا اقتنعنا بالواقعية التي تُلزمنا بالاستفادة من كل أحد، وأن مُجانبة الواقعية أفشلت كثيراً من أعمالنا، وبدّدت كثيراً من جهوداً وأضاعت علينا مشاريع وموارد وأصدقاء.

ثورتنا لن تستمر بالأوهام والأحلام؛ فلنعترف أننا جميعاً -بعيداً عن "المؤامرات"- مُطالبون بالواقعية، فالاقتناع بوجوب الواقعية يجعلنا نؤمن أننا كلنا في مركب واحد، ولن يَسلَم للعسكري وحده إن نجحنا، ولن يغرق السياسي وحده إن فشلنا؛ فالمركب واحد والطريق واحد، فليكن الهدف واحداً كما انطلقنا في اليوم الأول: حرية وكرامة.

كلمات مفتاحية