ملوك الطوائف لن يغلبوا ألفونسو

تاريخ النشر: 22.05.2022 | 06:25 دمشق

ضربت في الأيام الماضية عاصفة محملة بالرمال مناطق واسعة من العراق والجزء الشرقي من سوريا والمناطق الشمالية من المملكة العربية السعودية، وامتدت لتصل إلى مناطق أخرى في الخليج العربي. العاصفة التي وُصفت بأنها غير مسبوقة، من حيث كميات الغبار والامتداد الجغرافي، مثال على الترابط بين دول المنطقة حتى في العواصف والغبار والتصحر.

تبدو العاصفة الغبارية الناتجة عن التصحر الذي يضرب دول المنطقة تلخيصا مكثفا لحالة التصحر الاستراتيجي الذي يعيشه العرب منذ عقد من الزمن. فقدت كل الدول العربية في العقد الماضي ما كان لها من دور محدود فيما يتصل بقضايا المنطقة.  أما عرب المشرق - ولا سيما في سوريا والعراق واليمن- فتعرضوا لإبادة ممنهجة شملت مراكزهم الحضارية على نحو لم يشهد تاريخ المنطقة مثيلا لهذه الإبادة منذ الغزو المغولي، كل ذلك على يد المشروع الفارسي وميليشياته الطائفية. وتزامنت الهجمة الفارسية على المشرق بانكفاء الدول العربية المركزية التي نجت من هذا الخراب، وشرعت تلك الدول بالاستثمار في وطنيات انعزالية، وفي مشروعات قُطرية، ظنا من تلك الدول أن الانعزال يعني في جزء منه النجاة من الخراب الذي حل بغيرها، في تجاهل واضح للترابط بين دول المنطقة والخطر المحيق بها.

في مصر مثلا، والتي كانت حاملة المشروع القومي العربي في الخمسينيات والستينيات، انكفأت الدولة على وطنية تجد جذورها في النزعة الفرعونية المصرية التي كان الظن أنها تراجعت في الفضاء العام، ولكنها عادت في العقد الماضي بعد الانقلاب الذي نفذه الجيش على الرئيس محمد مرسي. لقد وقفت الدولة المصرية مكتوفة اليدين في مواجهة المشروع الفارسي، لا بل إنها انحازت إلى صفه حين نظرت إلى الحركات التي تواجه هذا المشروع في العراق وسوريا واليمن على أنها حركات إرهابية، كل ذلك لأن هذه الحركات حركات إسلامية تناصبها السلطة المصرية العداء من باب التشابه مع حركة الإخوان المسلمين المصرية. وكان من الممكن أن تعزل الدولة المصرية بين موقفها من حركة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية المشار إليها من باب المصلحة القومية. ولكن موقفها اتسم بقصر نظر تاريخي، لا يرى مخاطر المشروع الفارسي في المشرق العربي، وما قام به من تجريف حضاري وتدمير للعمران البشري والإنساني، وكيف تحولت الأنظمة التي تدعمها الدولة المصرية إلى دمى بيد المشروع الإيراني وأدوات بيده للقضاء على كل ما هو عربي.

في إطار نزعة الانعزال هذه، بدأت السعودية العمل على تحول جذري اقتصاديا وتنمويا، يتجاهل حقيقة أن القوة الاقتصادية لا يمكن أن تقف وحدها في مواجهة المشروع الإيراني الخبيث

أما السعودية بما تمثله من رمزية دينية، فقد انكفأت هي الأخرى على نفسها تحاول الاستثمار في وطنية مستحدثة، لا يمكن أن تجد لها رصيدا في بلد ذي بنية قبلية، ينظر إلى نفسه على أنه قبلة أكثر من مليار مسلم، وتخلت في السنوات الماضية عن أذرعها الناعمة في المنطقة، لا بل إن كثيرا من أذرعها الناعمة تبدو وكأنها تعمل لصالح المشروع الإيراني. وفي إطار نزعة الانعزال هذه، بدأت السعودية العمل على تحول جذري اقتصاديا وتنمويا، يتجاهل حقيقة أن القوة الاقتصادية لا يمكن أن تقف وحدها في مواجهة المشروع الإيراني الخبيث، إن الرفاء الاقتصادي –وإن كان يعمل على إيجاد مثال تنموي يسحب البساط من تحت أقدام مشروع القتل والدمار الإيراني، ويحرمه من جمهور واسع دخل الطوائف والفئات التي يتوجها إليها هذا المشروع- فإنه يتجاهل حقيقة البعد الإيديولوجي الطائفي الذي يستثمره هذا المشروع.

هاتان هما الدولتان المركزيتان في العمل العربي، ولا سيما بعد تحول العراق وسوريا إلى دولتين تابعتين للمشروع الفارسي. أما الدول العربية الأصغر حجما وثقلا استراتيجيا فقد فقدت البوصلة، بعد أن أصاب التيه الحضاري الدول التي يمكن أن تكون رافعة لأي مشروع قومي، وبدت سياسات الدول الصغيرة تكرارا بائسا لقول المعتصم العباسي في مواجهة المغول: "بغداد تكفيني"، دون أن تتذكر مصير المستعصم نفسه.

كل هذا وأزمات المنطقة تزداد، والمخاطر التي تهدد وجودها تتكثف. لهذا، لم يعد من الممكن البحث عن حلول للأزمات التي تعانيها المنطقة باللجوء إلى الحلول القُطرية البائسة. فقد أثبتت خرافة القطرية أنها عاجزة عن الوقوف في وجه العواصف المختلفة القادمة من العراق الذي تحول إلى أطلال دولة هيمنت عليها الميليشيات الطائفية، وقل الأمر ذاته عن اليمن ولبنان وسوريا التي تقع تحت احتلالات مركبة، وهي أعجز من أن تواجه المشروع الفارسي الذي ينفرد بكل دولة على حدة. لهذا أصبحت الحاجة إلى مشروع قومي عربي يعيد حشد العرب في المشرق أمرا وجوديا، بعد أن تحولت الدول العربية وسط هذا التيه الإيديولوجي إلى أجسام فاقدة لأي قيمة استراتيجية.

محددان مبدئيان في هذا المشروع، أولهما إعادة الالتزام مجددا بالقضية الفلسطينية، فالانكفاء العربي عن القضية الفلسطينية، بل التطبيع مع العدو الإسرائيلي، سمح لدول أخرى غير عربية، في مقدمتها إيران، بالاستثمار في هذا المشروع في العقود الأخيرة. قد رأينا إلى أين أوصلنا تبني المشروع الإيراني لقضية عربية خالصة، إذ استطاع هذا المشروع التدميري، مستغلا قضية فلسطين، استمالة جمهور عربي خارج البعد المذهبي الذي تستثمر فيه إيران عادة. هذا الالتزام بالقضية الفلسطينية.

استطاعت الدول الخارجية أن تمد أيديها إلى أحشاء بلداننا، فتعزل جماعات منها حولتها إلى ميليشيات أسهمت في زيادة الخراب الاجتماعي، وأنهت بعض الدول العربية وحولتها إلى كيانات فارغة

المحدد الثاني إعادة العمل بفكرة التضامن العربي في حده الأدنى، وتقديم أي علاقة مع أي دولة عربية على ما سواها، بعد سنوات من التيه وراء مشاريع قطرية أعجز من أن تكون قاطرة نهضة عربية، ولا سيما بعد أن أخفقت الدولة القُطرية في بلادنا على مدى قرن في إحداث النهضة المنشودة، ونحن نرى نتائج هذا الإخفاق في عجز كثير من الدول العربية عن تأمين الغذاء لمواطنيها بعد الحرب الروسية على أوكرانيا. وفي هذا السياق، ينبغي الابتعاد عن المشاريع الما فوق عربية، لأن ما رأيناه منها طوال أكثر من عقد هو تحويل الدول العربية إلى دول تابعة لتلك المشاريع التي نجحت في التغطية على جوهرها القومي من خلال الاستثمار في العامل الديني، وتحويل جمهور واسع من أبناء العالم العربي إلى أدوات وأتباع لتلك المشاريع. لقد استطاعت الدول الخارجية أن تمد أيديها إلى أحشاء بلداننا، فتعزل جماعات منها حولتها إلى ميليشيات أسهمت في زيادة الخراب الاجتماعي، وأنهت بعض الدول العربية وحولتها إلى كيانات فارغة.

ليس الخطر الخارجي وحده هو ما نواجهه اليوم، فمملكة قشتالة التي واجهها ملوك الطوائف في الأندلس تكاثرت في زمننا، فغدت لدينا ممالك قشتالة اقتصادية وبيئية وتنموية وغيرها، ولن تنفع معها مهادنة ألفونسو، ولا المواجهة المنفردة. ربما لأول مرة تلتقي مصالح الحكام والشعوب في منطقتنا العربية، فلا هم يريدون أن يكونوا أبا عبد الله الصغير، ولا نحن نريد أن يكون مصيرنا كمصير الموريسكيين.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار