مشكلات السوريين في فرنسا.. ما وراء الغربة والحنين..

تاريخ النشر: 05.06.2018 | 18:06 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2020 | 18:13 دمشق

تلفزيون سوريا- فرنسا

في كل مرة ألتقي فيها أشخاصاً فرنسيين، يبادرونني بالسؤال: لماذا أنت وعائلتك في هذه المنطقة من فرنسا؟ فأجيبهم الجواب القديم الاعتيادي: الحكومة الفرنسية هي من أرسلتني إلى هنا بعد وصولي بساعات إلى باريس.. وبالتأكيد، فإن لدى جميع الفرنسيين نظرة أكيدة وواضحة عن منطقتي، حيث لا وجود لفرص عمل متاحة، وهناك انتشار لا يمكن تجاهله للعنصرية ولكره الأجانب.

أما الأمر المحسوم الآخر، والذي يتجنب الفرنسيون الحديث عنه بشكل علني، والذي أصبح السوريون والعراقيون القادمون إلى هنا يلاحظونه فوراً، فهو نسبة الفساد التي تنتشر بين الإداريين الذين أصبحوا يشكلون "مافيا مصغرة" تجعل هدفها الأوحد وضع العصي في الدواليب أمام لاجئين أتوا هرباً من نسبة فساد مرتفعة، ومن علاقات متعاضدة لمسؤولي بلدهم مع "مافيات" متعددة.. أي أن اللاجئ بدأ يرى في بلد اللجوء التي يقيم فيها أمورا كثيرة قد لا تختلف عن أمور شاهدها في بلد غادرها مكرهاً لأسباب مختلفة.. هذه الأمور التي قد تجعله لاحقاً يعيد حساباته، لكن هذه الحسابات قد لا يستطيع الإفصاح عنها في ظل عدم تعلمه بعد للغة البلد المضيف كما يجب.

لكن هذا لا يمنع أن يقارن اللاجئ بين إيجابيات وسلبيات إقامته هنا، فمن بين الإيجابيات أن يعمل متطوعون لخدمته إلى حين حصوله على أوراق إقامته وأوراقه الأخرى، لكن المتطوعين غالباً ما يقترحون عليه مستقبلاُ، أن يعمل في أعمال كالتنظيف وجمع الزبالة.. الأعمال التي قد لا يفكر بممارستها اللاجئ يوماً..

ومن بين الإيجابيات أيضاً تأمين صحي متكامل، وراتب يستطيع أن يعيش اللاجئ من خلاله عيشة كريمة، وجمعيات تقدم مساعدات غذائية "مدروسة"، ومدارس وفرص تعليمية للشباب ممن دون سن السادسة عشرة.. أما من هم فوق هذا العمر، فهناك فرصة وحيدة وهي تعلم مهن صعبة ومطلوبة في سوق العمل (كتصليح السيارات والطبخ(.. وهكذا يبدأ تدريس اللاجئ في السادسة صباحاً من كل يوم، بعد أن يكون الشاب أو الشابة قد أتموا تعليماً فرنسياً ضئيلاً، وعملاً شخصياً دؤوباً في تعلم لغة لم يخلها البعض أنها في مثل هذه الصعوبة.

يعود المتدرب مساء إلى منزله وقد أنهكه التدريب ورمي الكرة الدائم في ملعبه لكي يعمل أكثر من غيره، يجتاحه حنين إلى بلد أكثر حناناً وإلى رب عمل رؤوف نوعاً ما، وإلى محل فلافل قريب من منزله، وإلى جارة "تغمزه غمزة لطيفة" أثناء المرور في حيها القريب، وإلى قلب أم دافئ لم تتعبه شؤون الغربة اليومية ومزاريبها، وتواصل صديق يؤازره ويدافع عنه أوقات الشدائد.

نعم، هو الحنين إلى شيء بات مفقوداً، لم نعد نراه في الأحياء الواسعة والنظيفة إلى حد الملل، المليئة بالساحات الخضراء والحدائق، شيء تركناه وراءنا في سوريا أولاً وفي تركيا أو اليونان ثانياً.. نعاود بحثنا عنه، فلا نجده، ولا يسعفنا به لا غريب سوري أتى قبلنا بسنوات، ولا فرد من عائلتنا ولا صديق حاولنا أن نحمله هموماً بدأنا نشعر بها.. وهكذا..أصبح بعض منا، بعد أن ضيع البوصلة وأضناه برد الشتاء وقصر الصيف، يلقي باللوم على ثورة أخرجته من قلب مدينته، أو على معارضة هجمت كالـ"تتار" على سلطة مأمولة غابت مع الغياب، أو على مجتمع دولي عشمنا على الكثير دون طائل، فهو لم يعمل سوى على استقبال أعداد من اللاجئين، واستأسد بعد ذلك، على سد ثغرات الهروب واللجوء بأقصى ما لديه من قوة..

بدأت العلاقات الاجتماعية التي شدتها أصر العائلات في البلد الأم تتفكك في مجتمع يختلط به الحابل بالنابل، ولم تنفع تدخلات السوريين العقلاء لإعادة الوشائج.. فالمد والجزر ظاهرتان صعبتان، ولا ينفع أن نعرف متى تأتيان إن كنا في عرض البحر أو في مركز المحيط الأطلسي.

أصبح المتطوعون يشعرون أيضاً بالتعب، فحملهم ثقيل، والدولة سحبت البساط من تحت جمعيات كانت تستقبل اللاجئين.. ولم يعد قسم الإسعاف يستقبل فقط لاجئين بدأ حنين مضاعف يوقف قلوبهم فجأة، ويرميهم في غرف المشافي المغلقة والباردة، وإنما يستقبل متطوعين فوجئوا بضياع ما عايشوه من سياسات اجتماعية تتضمن استقبال لاجئين سياسيين محتملين سنوياً، ومن بروز قوانين جديدة تجري "فصلاً" وإعادة توزيع، وتصنيفات جديدة للطبقات الاجتماعية حتى الفرنسية والأوروبية منها، الأمر الذي لم تفعله الرأسمالية المعروفة في السابق.

وبعد كل هذه الوقائع التي أصبحت واضحة للجميع، أصبحت أرد على من يسألني: لماذا أنت هنا؟ ولست في منطقة تعمل على توظيف "الأجانب" بعيداً عن العنصرية؟.. فأجيب وبكل بساطة: لا أعرف لماذا أنا هنا؟ عليكم أن تسألوا حكومتكم وصناع القرار لديكم.

مقالات مقترحة
تخصيص مستشفى الطوارئ بمدينة الفيحاء بدمشق مركزاً للقاح كورونا
"كورونا" يفتك بصحفيي الهند.. وفيات بالعشرات ونفوس مدمرة
حصيلة الوفيات والإصابات بفيروس كورونا في سوريا