مسلسل " الزند" دماء الأمس بديلاً عن دماء اليوم

2023.04.08 | 06:08 دمشق

مسلسل " الزند" دماء الأمس بديلاً عن دماء اليوم
+A
حجم الخط
-A

مخطئ من يظن أن عملية التطبيع مع منظومة سياسية مارقة مسألة تتم بين ليلة وضحاها، أو أنها مسألة ذات بعد سياسي فقط. التطبيع عملية طويلة الأمد وشاقة وملتبسة في كثير من الأحيان. يبدأ التطبيع أولاً من الإمساك بالجغرافيا ومن يمسك الجغرافيا يستطيع الإمساك بالتاريخ من عنقه، يلويه ويدوره وفق شكل الحقيقة التي يريد تصديرها، ولا بأس إن كان لي العنق هذا ينطوي على شحنة وجدانية في سبيل أن تكتسب الحقيقة التي يريد سيد الجغرافيا تعميمها مشروعية عاطفية، حتى وإن لم تكن عقلانية. والتطبيع في معناه هو تقبل شيء لم يكن مقبولاً أو كان مقبولاً ثم لم يعد كذلك ثم نعود ونقبله مرة أخرى، ولا يمكن للتطبيع أن ينجح باكتساب المشروعية السياسية فقط، لابد له لكي يكتمل ويقبل أن يحظى بمشروعية اجتماعية ووجدانية كي تدور عجلة المنظومة السياسية بسلاسة وخفة. والسؤال هنا؟ لم هذه المقدمة عن التطبيع في مقال يحاول تفكيك مسلسل تلفزيوني؟ ببساطة، لأن هذا المسلسل يندرج ضمن مشروع التطبيع على المستوى الوجداني والاجتماعي مع النظام السوري. لم أتردد قط ولم أحاول مغالطة شعوري تجاه الحلقات الأولى من مسلسل "الزند – ذئب العاصي" الذي يعرض حالياً على شبكة إم بي سي ومنصة شاهد بأنه جزء مهم من مسار تطبيعي متشعب، يمثل المسلسل فيه البعد الوجداني لعملية التطبيع. فالمسلسل يثب وثبة طويلة إلى الوراء حتى تسعينيات القرن التاسع عشر لكنه يبقى على قدم ثابتة في حاضرنا المعاش بعدة طرق. هذه العودة بالزمن إلى أفول شمس العثمانية الإقطاعية والتأسيس على مظلومية مدوية، حدثت بالفعل بحق مكون سوري؛ الغرض منها إعادة تركيب صورة الحاضر الدموي والمتوحش بطريقة عادلة أو بالأصح تعادلية، مجزرة بمجزرة اضطهاد باضطهاد ومعاناة بمثلها، فمرآة التاريخ تظهر للمشاهد وجهه بوصفه قاتل الأمس بينما تعكس وجه جزار اليوم بصورة ضحية الأمس، في شكل من أشكال توازن الرعب وتماثل الخطايا، وتمييع للجريمة المعاصرة بجعلها تبدو حتمية تاريخية لصراعات السلطة ومضاعفاتها.

حكاية تاريخية هشة لمسار ملحمي متقن الصنعة

في المسلسل مساران حكائيان ورغم الجهد النوعي المبذول ليبدو المساران متلازمين ومتداخلين لكنهما في الحقيقة مساران متباعدان. مسار حكاية ملحمية تتشكل خلالها مواصفات البطل الشعبي "الزند" ومسار الحكاية التاريخية. ما يجعل من هذين المسارين متباعدين هو أن الحكاية التاريخية هشة وانتقائية، إذ تتناول مرحلة عاصفة بالتحولات السياسية والاجتماعية إبان حكم العثمانية ذات الطابع الإقطاعي والذي كان يتلقى ضربات شديدة ومتواترة من قبل التحرريين الاتحاديين اللذين سعوا وقتذاك لعثمانية جديدة تتبنى قيم الديمقراطية الحديثة. فالمغالطة التاريخية هنا تبدو في إظهار النظام الإقطاعي بشكل شديد الثبات والتجذر على الرغم من أن أحداث المسلسل من المفترض أنها تجري في تسعينيات القرن التاسع عشر وفي هذا مغالطة كبيرة، لأن النزعة الإصلاحية نحو عثمانية جديدة ابتدأت منذ عام 1839 وقادت إلى إصلاحات كبيرة في النظم الإدارية وتغيير قوانين الملكية والسماح ببروز البرجوازية الناشئة والتضييق على كبار الملاكين. لكن التشويش والإبهام لناحية الأحداث التاريخية، أحالنا إلى الإطار ذاته النمطي المعتاد لصورة الحكم العثماني في الدراما السورية خصوصاً والعربية عموماً التي تتناوله عادة بأسلوبية مفاهيمية كأنماط للشر والغطرسة من دون أي أبعاد نفسية سوى ما يخدم صورة الشر المطلق. لكن البناء في مسلسل الزند اختلف عن سابقيه في تناول هذه المرحلة بإضفاء الإبهام والتشويش على المرحلة التاريخية التي تجري فيها الأحداث واستثناء مدى تأثيرها على تحفيز البطل للمواجهة، فكانت علاقة الحكاية التاريخية بالحكاية الملحمية أشبه بعلاقة الموسيقا التصويرية بالمشاهد، مجرد خلفية للحدث الملحمي تمنح المشاهد انطباعات عامة وتصورات شعورية دون حدوث اشتباك حقيقي بين التاريخ والدراما إلا فيما يخدم أسطرة البطل الشعبي وسياقه الملحمي.

بطل شعبي بمواصفات فئوية

وعلى خلاف كثر ممن قللوا من قيمة وشأن استخدام اللهجة الساحلية كحامل انفعالي وعاطفي ومنطوق يعبر عن كثير من منطق الشخصية أجد أن هذا الاستخدام غير اعتباطي وليس مجرد خيار فني تمليه ميكانيزمات النص، إنه استخدام لصوت اللهجة في صورة مغايرة، إنه مصالحة وجدانية على مستوى المخزون الانفعالي والذاكرة السورية القريبة المشبعة والمتحفزة لربط صورة الجريمة المعلنة والمصورة بصوت اللهجة الأكثر وضوحاً في ميادين الدم، هو فرصة ثانية يمنحها المسلسل لاستخدامها في سياق ملحمي وطني جوهره التمسك بالأرض، وتقديمه لعشرة ملايين سوري مطرودين من أرضهم. إنه صوت "أمجد يوسف" جزار التضامن وسهيل الحسن " النمر" لكن بوجه تيم حسن، إنه تحطيم بمطرقة العاطفة والتشويق الملحمي للإطار النمطي الذي يربطها دوماً بالسلطة والجريمة، لتعود وتتخذ مكانها الطبيعي في السياق الاجتماعي السوري دون أحكام مسبقة ودون وخوف، وفك ارتباطها بالقتلة والمجرمين وربطها على الدوام بوجه تيم حسن الوسيم. إن هذا الاستخدام استخدام فئوي ضيق وفيه الكثير من الرخص الفني والتذاكي على المتلقي وخصوصاً المتلقي السوري أهم الشرائح المستهدفة، فهو بهذا الاستخدام "أي المسلسل" يعرف الجمهور بأنه جمهور فئوي وساذج ومحكوم بتلك الصورة النمطية وبأنه يحتاج إلى كل هذا الجهد الملحمي والسياق التعاطفي ليتوقف عن ربط القاتل باللهجة ويستعد لقبول اللهجة في السياق الاجتماعي والتطبيع معها على أسس وجدانية غير الأسس التي حددتها عوامل الصراع السوري المستمر منذ 12 عاماً، لكن هذا المجهود المتذاكي يتجاهل أن السياق السياسي السوري قد تجاوز هذا التنميط منذ الأيام الأولى لثورته، وما زال يرى أن الأمر أكبر وأبعد من مكون سوري معين في هذا الصراع. وهذا يدلل على رخص فني وعدم وجود قراءة عميقة وجدية للواقع السياسي السوري الراهن وما يحمله المسلسل من إسقاطات تاريخية عليه، فعقلية المنتصر الفرح بالتطبيع السياسي استعجلت بتفريع التطبيع إلى اتجاهات وجدانية فوقعت في مطب الفئوية الضيقة ورأت أن البناء على مظلومية تاريخية لتبرير الحاضر ورفدها بسياق من الأسطرة الشعبية لسيرة بطل بمواصفات فئوية قد يحقق هدفاً سريعاً في مشوار التطبيع. وبذات عقلية المنتصر المأخوذ بنصره وجد أن استعادة الأرض فرصة كبيرة ومواتية لاستعادة المجتمع أيضاً.

تكنيك هوليودي لضمان التعاطف والتأثير

ولتحقيق هذا المستوى العالي من الجودة والعمق والتأثير التي ظهرت في المسلسل لم يكن هناك خيار أكثر مناسبة من الخيار الملحمي؛ عبر بناء بطل شعبي يمحو آلام الحاضر بالتصالح مع الماضي، ويعيد تشكيل الوعي العاطفي السوري نحو موضوعة الأرض والتمسك بها في شكل من أشكال الدعوة المفتوحة للعودة الطوعية، ولتحقيق هذا الهدف لابد من التأسيس على عوامل صناعة درامية ناجحة ومجربة في قدرتها على فتح النقاش العام وإعادة التفكير بكل ما حصل ماضياً وحاضراً. وليس أفضل من "هوليود" للاقتداء بها والتناص معها. وهذا ما حدث فعلاً. فالنص هو تفكيك لبنية فلمين للمخرج العالمي "كوستانتين تورانتينو" وإعادة تركيبهما وفق شرط بيئي مغرق في المحلية، هذا التفكيك وإعادة البناء يشمل أسلوب بناء الحدث وأسلوبية صناعة البطل والتي تنطلق من فرضية "الاستحالة" ثم تصبح هذه الاستحالة واقعاً. وهذا بالضبط ما تحقق مع "الزند" الذي قرر مواجهة النظام الإقطاعي منفرداً في تطابق مع شخصية "جانغو" في الفلم الذي يحمل الاسم نفسه "لترانتينو" فــ"جانو" يقرر مواجهة نظام العبودية وحده لاستعادة حبيبته. مثلما قرر عاصي بشكل من أشكال الاستحالة مواجهة منظومة الإقطاع بمفرده لاستعادة أرضه. يمزج مؤلف المسلسل "عمر أبو سعدة" مواصفات جانغو مع مواصفات الملازم "ألدو رين" في فلم "أوغاد مجهولون" للمخرج نفسه لكن الاستفادة الأكبر من الفلمين في بناء شخصية عاصي كانت من شخصية "ألدو رين" التي لعبها براد بيت، إذا استعار الكاتب البناء النفسي والسياق الملحمي والحس الساخر وكاريزما القيادة في بناء مشاهد شخصية الزند، فالزند تجسيد بيئي بالسلوك والبنية النفسية وحتى بالمواصفات الفئوية لشخصية الملازم "ألدو" الذي يقود كتيبة يهودية لصيد الجنود النازيين ويجمع حوله يهوداً غاضبين يتسابقون في جز فروات رؤوس الألمان. إن التفاعل الذي أبداه الجمهور السوري بمختلف مكوناته مع المسلسل، ليس دليلاً على استعداده للتطبيع الوجداني مع السلطة السياسية على أسس وجدانية، بل هو دليل على حجم الفاجعة السورية فالحاجة إلى البطل الشعبي المخلص تصير ملحة أكثر في حالات اليأس الشديد وانعدام الأمل.