مسار جديد هل يهزم النظام السوري

تاريخ النشر: 19.03.2021 | 06:03 دمشق

آخر تحديث: 19.03.2021 | 06:05 دمشق

يعدُّ الاجتماع الذي عقد في الدوحة يوم الخميس 11 آذار 2021 لوزراء خارجية كل من قطر وتركيا وروسيا نقلة نوعية في مسار الأزمة السورية نحو اتجاهها الصحيح، إذا ما قدِّر له الاستمرار والاكتمال، وإذا ما صدقت نيات روسيا تحديداً، واستطاعت انتزاع العثرات والعراقيل إذا ما حاول النظام زرعها.. وخصوصاً أنَّ الاجتماع جاء في سياق لا يتعارض مع مبادئ الأمم المتحدة ورؤيتها منذ العام 2011، وأنه أكد القرار 2254 الصادر عام 2015 وبيان جنيف لعام 2012. والحقيقة لم يعارض مسارات الأمم المتحدة خلال السنوات العشر الماضية غير النظام، وروسيا التي تؤكد اليوم في البيان الصادر عن اجتماع الدوحة عدة أمور جوهرية أهمها: أن "لا حلَّ عسكرياً في سوريا" وهذا يعني تأكيد الحلّ السياسي، وفي ذلك اعتراف واضح وصريح يصفع كل الحلول التي جرى الرهان عليها بدءاً من الحل الأمني الذي جرى وفق إرادة إيرانية/سورية (عسكر النظام) وقد دعمتهما روسيا من خلال وجودها في مجلس الأمن.. وبموجب ذلك الحل الأمني جرت إدارة الظهر للشعب السوري، والاستعانة بالأجنبي وأولهم إيران ذاتها عبر حزبها، حزب الله، لتتلوه ميليشياتها كافة، وليأتي الروس، بعدئذ، بكل ثقلهم عتاداً وأسلحة، وبكل ما لديهم من رغبات ومطامع ومصالح، ولإزعاج الأمريكان والأوربيين نكاية بهم إذ تجاهلوها في الشأن الليبي ولتصل سوريا، في النتيجة، إلى ما آلت إليه اليوم بعد قتل مجاني كثيف وظالم طاول مئات الألوف ناهيكم بالسجون والمعتقلات التي نهايتها الموت المر إضافة إلى المغيبين قسرياً. وقد رافق ذلك كله خراب ودمار شاملان، وهجرة غير مسبوقة في العالم إذ قاربت نصف عدد السكان ومعاناة من تبقَّى مهانة العيش وذله، ليتضح أن ذلك الحل الأمني أبعد ما يكون، في مضمونه وممارسته، عن أبسط القيم الوطنية والإنسانية..

لا شك بأن روسيا متضايقة جداً، بل هي محشورة في الزاوية، وغير قادرة على الاستمرار بحمل العبء السوري الذي شارف على الانفجار وتخشى أن يضيع ما غامرت به أدراج الرياح، ولا تبقى سوى وصمة العار التي لحقت بها جراء ما ارتكبته من جرائم بحق سوريا والسوريين. ولعلَّ بوتين يستذكر تورُّط حكومة بلاده السوفييتية لدى دخولها أفغانستان (كان آنئذ موظفاً متدرباً على التجسس في أمن الدولة) إذ كان ذلك الدخول سبباً مباشراً لسقوط الاتحاد السوفييتي، وتلا ذلك سقوط دول حلف وارسو.. ويعرف الروس قبل غيرهم أن النظام العسكري السوري، والأنظمة التي كانت تسير في ركاب الاتحاد السوفييتي، وتستنسخ عنه، وتنعم بدعمه لا بد لها من السقوط مع سقوط مفهوم ما كان يسمى بـ "الشرعية الثورية" الذي يبرر للانقلابيين العسكريين استيلاءهم غير الشرعي على السلطة في بلادهم.. والحقيقة أن تلك البلاد تأخرت كثيراً بحسب انتمائها إلى دول العالم الثالث..

ما يهم الآن أن تكون روسيا قد تأكدت من أنها غير قادرة على التفرد بحل العقدة السورية ولعلها أيضاً تراجعت عن مواقفها التي بدأتها بالفيتو الأول في الرابع من أكتوبر عام 2011 اعترضت من خلاله على عقوبات أرادت الأمم المتحدة أن تفرضها على النظام السوري لاستخدامه العنف ضد الشعب السوري. ثم الفيتو الثاني في الرابع من شباط 2012 يحمِّل الأسد مسؤولية قتل السوريين وفي 19 تموز 2012 أحبطت أيضاً مشروع قرار يقضي بانتقال السلطة سلمياً إلى السوريين تحت البند السابع. وتتالت الاعتراضات الروسية حتى بلغت خمسة عشر اعتراضاً.. وتسببت بمقتلة فظيعة للسوريين وبخراب سوريا إذ أتت كلها لصالح نظام منتهي الصلاحية، إذ لم يعد يمت لعالم اليوم وقد دفع السوريون بسبب بقائه الدم وخراب كل ما بنوه بعد الاستقلال، وتهجيرهم ليبقى الأسد في السلطة ولتنعم روسيا باقتطاعات الأسد من الجسد السوري وروحه.

صحيح أن روسيا، وكما كتبه بعضهم، أنها راغبة من هذا المسار الجديد إلى تحقيق تعويم لنظام بشار الأسد أو على الأقل، تأمين خروج آمن له.. إذ إن أيَّ حل سياسي سيجعله خارج المعادلة بما يحمله من أوزار تجاه سوريا وشعبها.. وإذا كان الوزير لافروف متفائلاً في إعادة النظام إلى الجامعة العربية من خلال بعض الدول العربية فإن الأغلبية العربية الفاعلة في هذه الجامعة هي مع الشعب السوري، ومع إنهاء معاناته، ومن هنا جاء جواب وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في الاجتماع الثلاثي المذكور: إن "أسباب تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية ما زالت قائمة" وفي الوقت نفسه أشار وزير الخارجية التركي السيد "مولود جاويش أوغلو" إلى ضرورة "الضغط على النظام السوري لكسر الجمود في الوضع الراهن".

إن ما يدعو إلى التفاؤل (الحذر) من استمرار هذا المسار الجديد هو عدم حضور إيران التي لها الدور الأبرز في تخريب سوريا على غير صعيد! إضافة إلى أنها تعاني لا الضغوط الأمريكية فحسب، بل تلقيها الانتفاضات الشعبية الجارية في لبنان والعراق وسوريا وحتى في اليمن إذ تعلن صراحة أنها ضد إيران، وأحزابها، وميليشياتها وأنها المسؤولة عما آلت إليه شعوب المنطقة من خلخلة في بنيتها الوطنية، ومن فقر مدقع لدى شعوبها، وإفلاس لبنوكها المركزية وأن بعض قادتها وملاليها يزيدون الطين بلة حين يصرحون بأن هذه الدول صارت إيرانية.

أما الأمر الثاني فإن الأوربيين ثابتون على موقفهم فلا مشاركة في إعمار سوريا قبل تقدم جوهري في العملية السياسية السوريا، وأنها متمسكة بالقرار 2254 وأن أي انتخابات لا تجري وفقه غير مرحب بها ويرى الأوروبيون حول تطبيع العلاقات مع سوريا أن جوهر الأزمة السورية التي كانت سبباً لانطلاقة السوريين في آذار 2011 لا تزال قائمة.

كما أن عبارة تـأكيد "وحدة الأراضي السورية" التي وردت في البيان لا يمكن أن تتحقق إلا بحل سياسي أممي وبتغيير النظام وإيجاد نظام ديمقراطي يحقق المواطنة الكاملة لأطياف الشعب السوري كافة، وأكثر ما تعني تلك العبارة منطقة شرق الفرات التي لها حساسية خاصة لا تمس الاقتصاد السوري فحسب، بل ربما في حال استمرارها على ما هي عليها تفسح في المجال إلى نوع من تقسيم سوريا..!