مخاطر يدفعون ثمنها.. خفض سعر المحروقات في إدلب على حساب الجودة | فيديو

مخاطر يدفعون ثمنها.. خفض سعر المحروقات في إدلب على حساب الجودة | فيديو

إدلب
مخاطر المازوت الرديء في إدلب

تاريخ النشر: 25.11.2022 | 11:37 دمشق

آخر تحديث: 25.11.2022 | 16:57 دمشق

إدلب ـ فائز الدغيم

أصيب أمس الخميس ثلاثة أطفال ووالدهم بحروق في مخيم "بنيان" بمنطقة كوكنايا بريف إدلب، وذلك نتيجة اندلاع النار بشكل ملتهب عندما أشعل أحد الأطفال مدفأة الحطب باستخدام القليل من المازوت، وهو ما اعتبره ناشطون، أول ضحايا مراوغة هيئة تحرير الشام فيما يتعلق بقضية مازوت التدفئة في إدلب.

وسبقت الحادثة أن طرحت هيئة تحرير الشام في أسواق إدلب نوعية رديئة من مازوت التدفئة تحوي على نسبة من البنزين مما يجعل إمكانية الاشتعال المفاجئ الكبير وخروج اللهب ضخماً جداً، وهو ما حصل مع أحد الأطفال في مخيم كوكنايا عندما كان يحاول إشعال المدفئة واشتعل اللهب ما أدى إلى اندلاع الحريق الذي التهم الخيمة وأصابه بالإضافة لاثنين من إخوته ووالده.

ما أسباب وجود المازوت الرديء الذي يحوي على البنزين في إدلب؟

ولمعرفة كيفية وصول هذا النوع الرديء من المازوت إلى أسواق إدلب يجب توضيح عدة نقاط متعلقة بملف احتكار المحروقات والضرائب والإتاوات المفروضة على المحروقات.

من المعلوم للجميع أن هيئة تحرير الشام كانت تحتكر ملف المحروقات بالكامل سابقاً عن طريق شركة "وتد للبترول" التابعة لها والتي كانت تعرف نفسها بأنها شركة خاصة، ثم اضطرت فيما بعد لإنشاء كيان شكلي حكومي سمّته "المديرية العامة للمشتقات النفطية" وكان ذلك بعد مقتل امرأة كانت تقوم بتهريب بضعة ليترات من المازوت من منطقة جنديرس بريف عفرين إلى أطمة بريف إدلب.

أدى مقتل المرأة إلى انتقاد شديد للهيئة خصوصاً أنها دافعت بشدة عن "شركة خاصة"، فـأسست هذه المديرية كأداة لشرعنة منع تهريب ليترات الوقود القليلة وذلك بعد امتلاكها الصلاحيات في المحاكم، وتسخير القوى الأمنية لتطبيق قراراتها بوصفها جهة حكومية، وأداة لاستمرارية احتكار ملف المحروقات والتحكم به من قبل هيئة تحرير الشام.

وفي منتصف تشرين الثاني ومع تقدم هيئة تحرير الشام إلى عفرين ومحاولتها الوصول إلى مدينة اعزاز شمالي حلب تعرضت أرصدة شركة وتد للبترول المملوكة للهيئة للتجميد من قبل تركيا وذلك بسبب عدم انصياع الهيئة للأمر التركي لها بالعودة إلى مواقعها في إدلب، وهو ما تسبب بأزمة محروقات كبيرة في إدلب.

ورافق تفاقم تلك الأزمة محاولات من الهيئة لإلقاء اللوم في هذه الأزمة على الفيلق الثالث واتهامه بمنع وصول المحروقات إلى إدلب، كل تلك الأسباب أدت لإسدال الستار عن الغموض والمراحل التي كانت ترافق رحلة برميل المازوت من مناطق قسد وحتى وصوله إلى المستهلك في إدلب، وهي على الشكل الآتي: 

يدخل الفيول من مناطق قسد إلى الشمال السوري عبر معبر الحمران قرب جرابلس وللفيول نوعان: 

خام رويس (340 دولاراًَ للطن الواحد)

زفت رويس (320 دولاراً للطن الواحد)

ينتج الطن 80% من المازوت المختلف الأنواع كالقرحة والعويك و20% من الفحم وغيره من المواد

يتم دمج المازوت من نوع قرحة مع العويك ويخرج البرميل بكلفة 85$

كلفة معالجة البرميل 5$

المجلس المحلي لمدينة اعزاز يأخذ إتاوة 2$ على البرميل الواحد 

المجلس المحلي لمدينة عفرين يأخذ إتاوة 1$ على البرميل الواحد

الفيلق الثالث يأخذ إتاوة 2$ على البرميل الواحد

فصائل أخرى تأخذ إتاوات مختلفة على حواجزها.

في المحصلة تكون كلفة برميل المازوت الواحد مضافاً إليها الإتاوات المفروضة من مختلف الجهات شمال حلب قرابة 112 دولاراً، ويباع في محطات الوقود الممتدة من جرابلس حتى الغزاوية بسعر يتراوح ما بين  115 حتى 118 دولاراً.

عند دخول برميل المازوت إلى إدلب يفرض معبر الغزاوية التابع لهيئة تحرير الشام 3 دولارات على البرميل الواحد ويصل البرميل إلى مديرية المشتقات النفطية بسعر 115 دولاراً، وتقوم ببيعه للمستهلك في إدلب عبر المحطات بسعر يتراوح ما بين 145 حتى 155 دولاراً.

الفيلق الثالث يحرج تحرير الشام

بعد الاتهامات التي وجهتها الهيئة إلى الفيلق الثالث بالتسبب بأزمة المحروقات في إدلب نشرت شركة "إمداد للمحروقات" بياناً في الخامس من تشرين الثاني الحالي، قالت فيه إن سبب الأزمة هو احتكار سوق المحروقات حيث يصل سعر برميل المازوت الواحد إلى قرابة 150 دولاراً بعد فرض الرسوم عليها، وذلك في إشارة غير معلنة إلى هيئة تحرير الشام التي تسيطر على إدلب وتفصل مناطق سيطرتها عن مناطق سيطرة الجيش الوطني بخنادق وسواتر وتحصر التنقل بمعبرين فقط.

كما أعلنت شركة إمداد عن استعدادها تأمين المازوت لأهالي إدلب بسعر وصفته بالمناسب جدّاً، وإيصاله إلى معبر الغزاوية غربي حلب، وذلك وفق الآتي:

- مازوت معالج بنوعية جيّدة جدّاً للسيارات، سعر البرميل بـ 115 دولاراً.

- مازوت عسلي جيّد للتدفئة، سعر البرميل 85 دولاراً.

وفي 15 من كانون الأول الجاري أطلق عدد كبير من الناشطين في الشمال السوري مبادرة تهدف لخفض أسعار المحروقات وذلك بسبب دخول فصل الشتاء والغلاء الفاحش في أسعار تلك المواد، "هدفت المبادرة إلى إيصال برميل المازوت من مصدره شمال حلب حتى إدلب دون فرض رسوم مالية عليه من قبل الفصائل والمجالس والحكومات، وتم إبلاغ جميع المتحكمين بالطريق بهذا الأمر"، بحسب القائمين على المبادرة. 

في اليوم الثاني نشر القائمون على المبادرة أن الفيلق الثالث استجاب للمبادرة وأعلن تخليه عن الحصة أو الإتاوة التي كان يأخذها وقيمتها دولاران أميركيان على كل برميل مازوت يعبر مناطقها، كما أعلنوا استجابة هيئة ثائرون التي تعهدت بعدم أخذ أي ضريبة أو إتاوة على صهاريج نقل الوقود المارة على حواجزها.

وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي عدة صور لمهمات نقل محروقات صادرة عن شركة إمداد التابعة الفيلق الثالث كتب عليها "ليس عليها أي رسوم مالية" وذلك لعبور الصهاريج دون دفع رسوم في مناطق الفيلق الثالث.

كما أعلن القائمون على المبادرة بأن المجلس المحلي في مدينة اعزاز لم يستجب للمبادرة وأبقى على الإتاوة المفروضة من قبله وقيمتها دولاران على البرميل الواحد الذي يعبر اعزاز باتجاه إدلب.

هيئة تحرير الشام ترفض التنازل عن الإتاوة

كما نشر القائمون على الحملة أن هيئة تحرير الشام رفضت التنازل عن حصتها البالغة قرابة الـ 30 دولاراً مقابل كل برميل مازوت يدخل إلى منطقة إدلب، وأصرت على أخذ كامل المبلغ دون تنازل أو حتى تخفيضه.

ويأخذ معبر الغزاوية 3 دولارات على كل برميل يدخل مناطق الهيئة، وتأخذ تحرير الشام قرابة 30 دولاراً أيضاً من خلال احتكار بيع وتوزيع المحروقات من معبر الغزاوية إلى محطات الوقود عن طريق المديرية العامة المشتقات النفطية ومن قبلها شركة وتد.

وبعد تخلي الفيلق الثالث عن أخذ دولارين على كل برميل يعبر مناطقه باتجاه إدلب نشرت المديرية العامة للمشتقات النفطية في إدلب تصريحاً على لسان مديرها أكرم حمودة قال فيه: استؤنف توريد المحروقات من مناطق شمال حلب إلى إدلب بعد انقطاع دام قرابة الشهر، وانخفضت كلفة الاستيراد بعد إلغاء دور أحد الحواجز التي تفرض ضريبة دولارين على كل برميل قادم إلى المنطقة، ونتيجة لهذا الإجراء انخفض صباح اليوم سعر برميل المازوت المكرر والمحسن دولارين، وما تزال بعض الحواجز في ريف حلب الشمالي، تفرض مبالغ كبيرة بشكل متفاوت وغير منطقي على عبور صهاريج المحروقات إلى إدلب.

في المقابل، اعتبر ناشطون هذا التصريح معيباً ويندرج تحت سياسة الهيئة في التعامل مع الشعب بطريقة الكبر والاستعلاء.

مراوغة.. مازوت رديء مقابل إتاوة مستمرة

وأمام سيل الانتقادات الذي تعرضت له تحرير الشام وذراعها مديرية المشتقات النفطية على وسائل التواصل الاجتماعي بعد تخلي الفيلق الثالث عن الإتاوة المفروضة من قبله وعدم تخليهم عن الإتاوات المفروضة من قبلهم، أعلنت مديرية المشتقات النفطية في اليوم التالي 17 من تشرين الثاني عن تأمينها مازوتاً مخصصاً للتدفئة بسعر 117 دولاراً للبرميل الواحد.

وفي ظل ذلك، انخفض سعر البرميل من السعر القديم (ما بين 145 إلى 155 دولاراً) إلى السعر الجديد 117 دولاراً للبرميل الواحد، وبدأ الإعلام الرديف للهيئة حملة نشر مضادة لحملة الناشطين وكان "يزف البشرى السارة".

ومساء الأمس عاد ناشطون لمواصلة حملتهم الهادفة لوصول المازوت بسعر مقبول إلى المستهلك في إدلب دون فرض إتاوات أو ضرائب، واعتبروا أنّ انخفاض سعر المازوت في إدلب رافقه تدني جودة المازوت ورداءة نوعيته.

وذكروا من خلال منشورات حملتهم أن "المازوت المخصص للتدفئة الذي استوردته مديرية المشتقات النفطية رديء ويشكل خطراً على الأهالي، فهو ذو رائحة كريهة، وسريع التجمد في درجات الحرارة المنخفضة في فصل الشتاء، كما أنه يحوي على نسبة من البنزين وهو ما يجعله سريع الاشتعال ويشكل خطراً على مستخدميه، وفي المحصلة أبقت مديرية المشتقات النفطية ومن خلفها هيئة تحرير الشام على الإتاوة المفروضة من قبلها وقيمتها قرابة الـ30 دولاراً فمازوت التدفئة الذي طرحته بسعر 117 دولاراً للبرميل الواحد يباع في شمال حلب بحوالي 85 دولاراً". 

مخاطر على السكان

واعتبر ناشطون أن هذه الخطوة هي مراوغة من قبل هيئة تحرير الشام ومديرية المشتقات النفطية التابعة لها، وأن النتائج الكارثية الناجمة عن هذه المراوغة بدأت تظهر على الفور حيث وقعت أول حادثة احتراق لخيمة في أحد مخيمات إدلب بسبب ذلك المازوت الرديء والتي نتج عنها إصابة ثلاثة أطفال ووالدهم بحروق خطيرة.

وطالب ناشطون الأهالي بمقاطعة مازوت التدفئة المطروح حالياً في أسواق إدلب لحين استجابة مديرية المشتقات النفطية لمطالبهم بكف يدها عن الإتاوة المفروضة على الأنواع الجيدة لتكون بسعر يناسب جميع شرائح المجتمع.

وطالبوا "تحرير الشام" بالتخلي عن الإتاوة والأرباح غير المنطقية المفروضة من قبلها، والسماح بدخول أنواع المازوت الجيدة والصالحة للتدفئة بأسعار قريبة من الأسعار الموجودة في شمال حلب، وعدم تعريض حياة سكان إدلب للخطر بسبب القابلية السريعة للاشتعال في مازوت التدفئة المطروح في أسواق إدلب حالياً.

وأرفقت الحملة بوسوم مثل #أوقفوا_تسلطكم و#التدفئة_بلا_إتاوات.

اختبارات للأهالي تثبت رداءة المازوت 

وتحقق موقع "تلفزيون سوريا" من جودة مازوت التدفئة الذي طرحته المشتقات النفطية في أسواق إدلب، وكان من بين من التقى بهم علاء الدين حمدون أحد سكان مدينة بنش والذي قال لموقعنا: "سمعت الأحاديث بخصوص رداءة نوع مازوت التدفئة وكان يتوجب عليّ تأمين مواد التدفئة لمنزلي هذا الشتاء، فتوجهت إلى محطة السيد للمحروقات في مدينة بنش وأخذت عينة من المازوت المخصص للتدفئة بحسب ما هو معلن".

وأضاف حمدون "أخضعت العينة للتجربة بحسب مشورة تجار المازوت من معارفي، فبحسب كلامهم كلما كان المازوت رديئاً تجمد بسرعة أكثر، وضعت العينة في الثلاجة، بعد أول ربع ساعة في الثلاجة تغير لون المازوت، وبعد ربع ساعة ثانية أصبحت ضحلة سميكة، وبعد مضي ساعتين على وضع العينة في الثلاجة تجمد قرابة الـ 40 في المئة منها، بينما تحول الباقي إلى مادة سميكة تشبه الشحم، فأقلعت عن فكرة شراء هذا النوع من مازوت التدفئة". 

مازوت رديء في إدلب
مازوت رديء في إدلب (تلفزيون سوريا)

وبحسب حمدون فإن الأمر لا يتوقف على التجمد، فهذا النوع من المازوت له رائحة قاتلة، ويحتوي على نسبة من البنزين مما يجعله سريع الاحتراق وفق تجربة عملية أجراها بنفسه على ذلك النوع من المازوت.

من جانبه، قال منتصر السلوم إن هذا النوع من المازوت ليس قرحة بل اسمه "زفت رويس" لا يصلح للتدفئة، ويباع في اعزاز بسعر 92 دولاراً للمستهلك، وأيضاً قال محمود العلي انو هذا ليش مازوت بل عبارة عن مزيج من مخلفات وبقايا عمليات التكرير غير المكتملة ويحوي على شموع وكبريت وغازات طيارة وهو خطير جداً.

وقد تداول العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات وصور تظهر خطورة ورداءة المازوت المطروح في أسواق إدلب. 

وعلى الرغم من أن احتكار هيئة تحرير الشام لملف المحروقات ليس بالجديد لكن المطالب ارتفعت هذا العام بعدما انكشفت كمية الإتاوات والأرباح غير المنطقية التي تأخذها الهيئة من المحروقات.

وبسبب ارتفاع أسعار مواد التدفئة الأخرى بشكل جنوني، حيث ارتفعت أسعار الحطب ووصل سعر الطن الواحد إلى قرابة 200 دولار، كما ارتفعت أسعار مختلف أنواع القشور ووصل سعر الطن الواحد من قشر الفستق إلى 300 دولار وقشر البندق إلى 260 دولاراً، بينما كان يبلغ قشر الفستق العام الماضي بـ 180 دولاراً والبندق بـ 120 دولاراً في بداية فصل الشتاء.

هذا ويتخوف الناشطون أن تدفع الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة الأهالي لاستخدام هذا النوع الرديء والخطير من مازوت التدفئة، ويتخوفون من ارتفاع معدل الحرائق في المنازل والمخيمات بسببه هذا العام.

 

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار