ماذا يمكن أن يقدم العرب لفلسطين غداً؟

2023.11.10 | 17:59 دمشق

ماذا يمكن أن يقدم العرب لفلسطين غداً؟
+A
حجم الخط
-A

لو أردنا قراءة أدوار العرب حول ما يجري في غزة فسنجد أن هناك ثلاث دول فقط منخرطة بشكل مباشر ويومي بما يجري في غزة، وبقية الدول العربية مكتفية بالتصريحات والتنديدات وتكرار بعض البديهيات مثل أنهم مع السلام الدائم ومع حل الدولتين، لكن دون القيام بأي فعل لأجل الضغط على الاحتلال وداعميه لوقف المقتلة المفتوحة في غزة والضفة الغربية. الأردن ومصر وقطر هذه الدول الثلاث الوحيدة التي لها تماس يومي مع ما يجري في غزة وكانت تصريحاتها ومواقفها سباقة لإدانة العدوان، وأيضا لرفض التهجير القسري الذي سعت له واشنطن وعملت على تحقيقه بعد زيارات مسؤوليها المكوكية لتل أبيب وحضورهم اجتماعات الحرب التي عقدتها حكومة الاحتلال.

حاولت واشنطن في بداية الأيام الأولى للعدوان أن تضغط على مصر لأجل القبول بتهجير سكان غزة إلى أماكن إيواء مؤقتة في سيناء، الأوروبيون بدورهم ساندوا الأميركان وطالبوا مصر بالقبول بهذا المقترح لكن المصريين تنبهوا لهذا الفخ ورفضوا بشكل قاطع مشروع الترانسفير الجديد، بدوره الأردن قام بكل ما يستطيع القيام به وكان هو من يتصدر المواقف العربية الرافضة للعدوان والرافضة بشكل قاطع لمشروع التهجير الذي قيل عنه إنه مؤقت، وكان الأردن أول دولة ترسل مساعدات طبية وإغاثية لقطاع غزة عبر عملية إنزال جوي قام بها الجيش الأردني. قطر تقوم بدور الوسيط بين قيادات حماس والأميركان بعد أن استقر معظم قيادات حماس بمن فيهم من كانوا يقيمون في إسطنبول بالدوحة، وساطة نتج عنها إفراج عن بعض الأسرى لدى حماس، وهناك مفاوضات تجري لأجل وقف إطلاق للنار أو هدنة يتم خلالها تبادل للأسرى، وبالإضافة لدورها كوسيط دانت الدوحة العدوان الإسرائيلي على غزة ورفضت مقترح التهجير القسري.

الدول المصدرة للطاقة تستطيع القيام بخفض الإنتاج للضغط على داعمي الاحتلال، أو على الأقل أن يتم التلويح به، لكن هذا لم يحدث

وقبل أن نبحث عن ماذا يمكن أن ينتج عن قمة العرب في السعودية غداً، يجب أن نتحدث عن  الذي لم يقم به العرب منذ بداية العدوان وحتى الآن، لا حماس ولا غيرها من القوى الفلسطينية ولا حتى المواطن الفلسطيني البسيط كانوا يتوقعون مثلاً أن تدافع الدول العربية عسكرياً عن فلسطين، لكن هناك بعض الإجراءات كان على الدول العربية القيام بها وهي تستطيع ذلك عبر استثمار هوامشها المتاحة، وأوراق قوتها، مثل المبادرة إلى قطع العلاقات مع دولة الاحتلال حتى يتوقف العدوان، وأيضا لدى الدول العربية وخصوصا المملكة العربية السعودية ومعها بقية دول الخليج سلاح الطاقة، الدول المصدرة للطاقة تستطيع القيام بخفض الإنتاج للضغط على داعمي الاحتلال، أو على الأقل أن يتم التلويح به، لكن هذا لم يحدث، وكان وزير الاستثمار السعودي قد قال قبل أيام خلال مشاركته في منتدى بلومبيرغ الاقتصادي في سينغافورة جوابا على سؤال هل ستستخدمون سلاح الطاقة؟ فأجاب: هذا الموضوع غير مطروح حالياً. وكان على العرب أيضا أن يضغطوا لإيصال الوقود والأدوية للمستشفيات التي توقف معظمها عن العمل. لكن أي من هذا لم يحدث فالعدوان الوحشي لم يتوقف وهو في وتيرة تصاعدية وعدد الضحايا يتضاعف مع وجود جثث تحت الأنقاض والبنية التحتية لغزة نسفت بالكامل، وصارت غزة خرابا ومكانا غير قابل للعيش، وهذا بالضبط هدف الاحتلال لأجل تنفيذ مشروعه المتمثل بتهجير أكبر عدد ممكن من سكان القطاع.

ميدانياً الوضع صعب جداً بعد أن تمكن الاحتلال من تقطيع قطاع غزة من خلال توغله البري الذي سبقه إلقاء آلاف الأطنان من المتفجرات، وصارت المعركة اليوم صعبة جدا على الفصائل الفلسطينية التي لم يسبق لها أن خاضت حرباً طويلة كهذه، وبسبب انكشاف مواقعهم للاحتلال لأن غزة سهل مفتوح لا  جبال ولا تضاريس فيها تعين الفصائل في حربها، جيش الاحتلال يتبع سياسة قضم المناطق عبر قصف المربعات بشكل كثيف قبل التوغل البري حتى تكون إمكانية وجود مقاومة برية شبه معدومة، أي سياسة الأرض المحروقة تماما كما فعل الروس في حلب قبل دخول ميليشيات الحرس الثوري الإيراني، وكما فعل الأميركان في الموصل قبل دخول ميليشيات الحشد الشعبي، يبقى فقط سلاح الأنفاق والذي سيكبد الاحتلال خسائر عسكرية وبشرية كبيرة لكن لا نعلم مدى قدرته على وقف التوغل البري.

من الواضح أن حكومة الحرب التي يقودها نتنياهو لا تكترث لأصوات أهالي الأسرى وتتمنى في سرها أن يقتلوا جميعا حتى يتخلص من هذا الضغط الشعبي، ليواصل إجرامه بحق الشعب الفلسطيني، ومن لا يكترث لقتل أسراه بواسطة طائراته بالتأكيد لن تعنيه أرقام الجنود الذين قتلوا وسيقتلون لاحقاً، حكومة الحرب هذه لا تتلقى دعماً كبيراً من أميركا بل إن أميركا هي من تقود العملية بكل جوانبها العسكرية والسياسية وحتى الإعلامية، معظم المسؤولين الأميركيين الذين زاروا تل أبيب بمن فيهم بايدن حضروا اجتماعات حكومة الحرب هذه والمتحدثون باسم إدارة بايدن هم من يرفضون وقف إطلاق النار، وهم من برر لإسرائيل كل هذه الجرائم بما فيها قصف المستشفيات، ومدير المخابرات الأميركية هو من أتى للمنطقة لأجل التباحث حول الإفراج عن الأسرى دون تحقيق وقف إطلاق للنار وليمارس ضغوطه على قادة المنطقة لأجل القبول بترحيل الفلسطينيين.

الواقع العربي مرير وكل دولة عربية ترى ما يحدث في غزة من زاويتها هي فقط دون النظر للبعد الإقليمي

في ظل هذه المعطيات ونظراً لكل هذا الضعف والهوان العربي الذي لم يستطع إدخال علبة دواء ولا حتى لتر مازوت واحد لغزة، فإن التعويل على قمة الغد لأجل أن تخرج بشيء عملي وفارق سيكون بمثابة بيع للوهم، الواقع العربي مرير وكل دولة عربية ترى ما يحدث في غزة من زاويتها هي فقط دون النظر للبعد الإقليمي ودون إدراك أنه في حال انتصر الاحتلال وحقق أهدافه فإن هناك تعاطيا جديدا من قبل الأميركان مع كل الدول العربية ودول المنطقة، وستكون هناك لغة تخاطب جديدة فيها إملاءات وأوامر أكثر بكثير مما كان يحدث قبل العدوان. ولأن الدول العربية كل يغني على ليلاه فلن تخرج قمتهم بشيء يذكر سوى بعض الجمل المملة من كثرة تكرارها من قبيل حل الدولتين، وحقوق الفلسطينيين، ومثل أنهم سيحاكمون مجرمي الحرب في المحاكم الدولية، هذه المحاكم التي لم تقم يوما ما في تاريخ البشرية بمحاكمة المنتصر هي مخصصة فقط للمهزومين. أفضل ما يمكن أن تخرج به قمة الغد هو تأكيد المشاركين على رفض مشروع التهجير وبحث مصير غزة بعد أن ينتهي العدوان.. فالعرب ضاعوا بعد أن باعوا روحهم وأطاعوا رومهم، كما قال الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.