ماذا تريد روسيا في سوريا؟ وما دورها في رسم ملامح مستقبل البلاد؟

تاريخ النشر: 02.03.2021 | 14:49 دمشق

واشنطن - بسام بربندي وضياء رويشيد

منذ عقد من الزمن اجتاحت المظاهرات المدنية جميع نواحي سوريا، وقد استجاب النظام السوري لمطالب المدنيين باللجوء إلى العنف المفرط الذي أدى لعسكرة هذه الاحتجاجات، وجعل من سوريا ساحة لحروب ومعارك تشنها الدول بالوكالة. وقد برز دور روسيا كأحد أهم اللاعبين، ولربما الأهم، على الساحة السورية، وخاصة من الناحيتين العسكرية والسياسية، وكتب العديد من المحللين والمحللات عن الدور العسكري الروسي في سوريا، ولكن لم يعر الباحثون والباحثات اهتماماً جدياً للدور الروسي في "إنهاء الصراع" ورسم ملامح سوريا المستقبل. وقد عادت إلى الواجهة مجموعة من الأنباء حول مقترحات أو مشاريع سياسية سبق وأن تقدمت بها مجاميع المعارضة السورية إلى الجانب الروسي، وظهرت بعض الشائعات حول مقترحات جديدة قدمت لروسيا لإنهاء النزاع في سوريا، مما أثار الجدل في أوساط الشارع السوري.

وسعياً لإيضاح الدور الروسي في سوريا، استضافت المبادرة السورية في كلية واشنطن للقانون في الجامعة الأميركية ندوة حول العلاقات الغربية - الروسية بما يتعلق بالملف السوري، وشارك في هذه الندوة كل من الدكتور اندريه كورتنوف المدير العام للمجلس الروسي للعلاقات الخارجية والسيد يوست هيلترمان مدير برامج الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية، وقدم الحوار في الندوة جرعة تحليلية للموقف الروسي بشيء من الدقة.

 

الموقف الروسي وأسباب قرار التدخل في سوريا

أشار اندريه كورتنوف إلى أن التدخل الروسي في سوريا كان مغامرة محسوبة لتحقيق العديد من الأهداف، والتي يتربع على رأسها إعادة روسيا كلاعب أساسي على الساحة الدولية وتأكيد تعافيها من الأزمات الاقتصادية والسياسية التي سبق وأن ألمت بها.

كما هدف هذا التدخل إلى تأكيد رفض روسيا لتغيير الأنظمة بقوة الشارع والمنظمات غير الحكومية باعتبارها امتداداً للمشروع الغربي ضد نفوذ روسيا، والتأكيد على ان الانتخابات هي الآلية الوحيدة المقبولة لتداول السلطة. إضافة إلى رغبة روسيا برد اعتبارها من المعسكر الغربي بخصوص ما اعتبرته خدعة تمرير قرار لتغيير النظام الليبي في مجلس الأمن، ومنافسة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وخاصة في ظل حالة الإحباط لدى حلفاء واشنطن بعد تخلي الإدارة الأميركية عن الرئيس حسني مبارك، ثم عقد الاتفاق النووي مع إيران على حساب مصالح الدول العربية التي كانت تعتبر نفسها الحليف الأقوى لأميركا في المنطقة. وبذلك قدمت روسيا نفسها كشريك مخلص لحلفائه بعكس الولايات المتحدة الأميركية التي تتخلى بحسب تغير مصالحها.

وعبر المتحدث الروسي عن مجموعة أهداف عسكرية بما فيها تجربة وتسويق أسلحة وتقنيات عسكرية روسية حديثة، وتسخير الشركات الأمنية الخاصة لتكون الذراع غير الرسمي لروسيا للتدخل في مناطق أخرى لتعزيز سياستها ونفوذها واعتباره النموذج الروسي الجديد الواجب مراقبته وخصوصا بعد نجاحه في ليبيا.

ونفذت روسيا تدخلها بطريقة تحقق هذه الأهداف واضعة في الحسبان الدروس المستفادة من تدخلها في أفغانستان ونتائجه الكارثية. فعلى سبيل المثال، لم تزد الكلفة السنوية للتدخل العسكري الروسي في سوريا عن ملياري دولار سنوياً، وهي ميزانية بسيطة مقارنة بميزانيتها العسكرية. وبلغت كلفة خسائرها البشرية خلال ست سنوات من تدخلها أقل من 300 وفقاً للإحصاءات الرسمية، ويبقى تأثير هذا الرقم محدوداً في أوساط الشارع العام الروسي مقابل طموحه الدائم في عودة روسيا كلاعب دولي أساسي. وقد نجحت روسيا بتقديم نفسها على أنها الوسيط بين المتخاصمين الإقليميين والدوليين حول القضية السورية، بما فيهم إيران وإسرائيل وتركيا ودول الخليج ومصر والعراق والاتحاد الأوروبي، وساعدها التدخل في سوريا إلى لعب دور في كل من ليبيا والسودان.

 

 

من المرحلة العسكرية إلى السياسية.. غياب الحلول

بعد تحقيق "الانتصار" العسكري الذي أرادته، تعيش روسيا اليوم حالة من الحيرة، إذ أصبح من الصعب الحفاظ على التوازنات بين الأطراف. لدى النظام السوري ثقة أكبر بنفسه فهو يرى أن جيشه لعب الدور الأكبر في الانتصار ولديه القدرة على العودة إلى السيطرة على كل سوريا دون دعم روسيا أو بكلمة أدق اعتبر النظام أن روسيا تخوض معركتها في سوريا لتحقيق مصالحها وهو أعطاهم الشرعية لتحقيق ذلك وبالتالي هو يتعامل أحياناً بنديّة غبية مع الروس، وتجلى ذلك في سلوك النظام السوري في التعامل مع ملف اللجنة الدستورية، إذ مارس "الوفد المدعوم من قبل الحكومة" المماطلة والتسويف وضرب بعرض الحائط رغبة روسيا في تحقيق تقدم في هذا الملف.

بعد انتهاء المرحلة العسكرية، ولو مؤقتاً، عمد الروس إلى تغيير منهجية التعامل مع نظام الأسد، وكانت تلك المنهجية قد بنيت من قبل وزارة الدفاع الروسية بشكل رئيس، إذ تعتبر الوزارة الروسية الحليف الأول لبشار الأسد الذي يسوق لدوره أمام القيادة الروسية. وفي ذات الوقت لا يتمتع الأسد بذات الدرجة من القبول في الأروقة السياسية، وحتى أمام بوتين نفسه. ولعل ما يفسر عدم قيام روسيا بوضع النظام السوري تحت ضغوط سياسية أكبر، هي النظرية التي تقول بأن وضع الأسد تحت ضغوط أكبر سيدفعه للاعتماد الكلي على إيران ويقوض من الدور الروسي.

لكن وبعد التدهور الاقتصادي في إيران، عمد بوتين إلى تخفيف دور وزارة الدفاع لصالح تمثيل سياسي من خلال تسمية مبعوثين سياسيين لسوريا، عل ذلك يعزز من قدرة روسيا على فرض رؤيتها السياسية.

 

مستقبل سوريا

وحسب ما ذكره السيد اندريه في الندوة يبدو بأن بوتين قرر منح الأسد فرصة إضافية، ولعلها تكون الأخيرة، والتي تتمثل في إقامة الانتخابات القادمة في موعدها. ومن البدهي فوز الأسد بهذه الانتخابات، التي لن تنال شرعية سياسية دولية ولن يكون فيها أي شفافية ولن تحقق أيّا من المعايير الدولية لشفافية الانتخابات. ولكن في الوقت ذاته، سيتعين على الأسد أن يقوم بإصلاحات ذات طابع اقتصادي وإداري واجتماعي مثل محاربة الفساد والعمل على إعادة المهجرين، وستبقى الشؤون السياسية والقانونية معلقة. فعلى سبيل المثال، لربما لن يكون هناك أي تقدم بخصوص ملف المعتقلين لأنه من غير الواضح إن كانت لدى الأسد نوايا في تغيير عقيدة أجهزة الأمن وإعادة توزيع مراكز القوى داخل المنظومة الأمنية والعسكرية المتعنتة تجاه أي تغيير.

ولدفع هذا التغيير، يتأمل الروس وصول بعض المساعدات الأممية والأوروبية لترميم المدارس والمشافي وشبكات الكهرباء رغم معرفتهم بمعارضة الولايات المتحدة لهذا الطرح لأنه يعني الانتقال من الأزمة إلى مرحلة ما بعد الأزمة. إذ يرفض المعسكر الغربي هذا الأمر ويرونه قبولاً بالأمر الواقع واعترافاً بمرحلة ما بعد الأزمة. ولكن الأمل الروسي بالتعاون الأوروبي - الروسي لإعادة اللاجئين قد يفتح الأبواب المالية.

وقد أجاب المتحدث الروسي عن سؤال افتراضي حول الانسحاب الروسي من سوريا، بقوله إن قرار بوتين بالانسحاب من سوريا وإعلان الانتصار العسكري والسياسي منوط بوجود حكومة صديقة في دمشق، تحافظ على وحدة الأراضي السورية يفضل أن تكون علمانية وتحترم الاتفاقيات الاقتصادية العسكرية التي تم توقيعها بين البلدين. ونظراً لعدم وجود البديل المناسب للروس لتحقيق هذه الشروط، وانعدام الثقة بينهم وبين الأميركيين، من الصعب أن نرى تعاوناً بينهما لترتيب انتقال يضمن للروس مصالحهم، وتبقى إيران لربما الضامن الوحيد لتحقيق ذلك التطلع الروسي، ولكن ذلك ضرب من ضروب الخيال، إذ لن توافق أي من الدول على إخضاع سوريا لإيران بشكل كامل.

وأكد أندريه كورتنوف أن بوتين لا يهتم بالأسد ولا يكن له احتراماً. وأنه في حال حدث تغيير السلطة في سوريا بشكل منظم ودون الدخول في فوضى إضافية وجلب شخص جديد لديه مصداقية أكثر من الأسد ومقبول لدى الغرب ويحقق الشروط الروسية؛ فإن روسيا لن توقف مثل هذا التغيير. وبينما من المؤكد عدم رغبة موسكو في المبادرة لتحقيق هذا التغيير، يبدو بأنها لن تمانع في حدوثه إذا ما تم قبوله من الغرب وإيران.

ما ذكره الدكتور أندريه كورتنوف يوضح شيئاً من النظرة الروسية لسوريا والمدى الذي يمكن لروسيا أن تسير فيه وتقدمه من تنازلات لإنهاء الأزمة الحاصلة في سوريا والذي يبدو أنه لن يتجاوز بعض الأمور الخدماتية التجميلية. فالهدف الروسي من الوجود بسوريا هو أكبر وأعمق بكثير من الأزمة نفسها والحل بالنسبة لها متعلق بحوارها مع الولايات المتحدة والاعتراف الغربي بها وبدورها الدولي "البناء"، وهذا شيء غير متوفر بالمدى المنظور. وما تقوم به روسيا من تواصل مع جهات مختلفة من المعارضة السياسية أو الإغاثية أو مع المجتمع المدني السوري، لا يهدف إلا تقوية موقعها من المجتمع الدولي أكثر منه رغبتها أو قدرتها في الحل.