قناديل سوريا.. صباح فخري (1)

تاريخ النشر: 12.11.2021 | 11:06 دمشق

بإمكان المرء أن يدخل إلى شخصية المطرب والموسيقار الكبير صباح فخري (1933-2021) من حيث يشاء، فهو ليس كالمسبح الخاص، المُسَيَّج، الذي يَفرض على زواره القفزَ إلى الماء من أماكن محددة، بل هو كبير وعميق وزاخر، كالبحر.

ولأنه كالبحر؛ فإن الإحاطة بمجمل سيرته في مقالة، أو اثنتين، ليست متيسرة، ولهذا سأكتفي بإضاءة بعض جوانبها، محاولاً ما أمكنني التقاطَ المهم والجوهري في هذه التجربة الفنية التي تمتد على ما أكثر من ثمانين سنة..  

نبوغ مبكر وحكايات طريفة

الإشارة إلى أن العمر الفني لصباح فخري ثمانون سنة لا تنطوي على أية مبالغة، نستدل على ذلك مما قاله في لقاء تلفزيوني أجرته معه الإعلامية المصرية لميس الحديدي لتلفزيون (CBC) في تشرين الثاني 2014. في ذلك اللقاء يروي حادثتين؛ الأولى أن أحد أفراد الأسرة كان يقرصه وهو رضيع في اللفة، متقصداً أن يُبكيه، وعندما قالت له والدة صباح:

- أليس حراماً عليه أن تقرصه وتوقظه؟

أجابها: والله يا امرأة عمي أنا أحب صوت بكاء هذا الطفل!

والحادثة الثانية أن صباح تعمشق، وهو في الخامسة من عمره، على أغصان شجرة في الدار، وراح يغني، وكانت ثمة امرأة تدعى "الخانُم" في زيارة والدته وشقيقاته، سمعت غناءه فقالت له:

- انزل يا صباح.. تعال أعلمك موالاً.

فنزل، وركض إليها مثل البرق، فعلمته كيف يؤدي هذا الموال:

"غرد يا بلبل وسَلّي الناس بتغريدكْ

الله يتممْ عليك الجمالْ يا حلو ويزيدكْ

والسعد لو عاد لا بإيدي ولا بإيدكْ

الزمْ غصونَك يا بلبل وطير في الجو وادعي لي

يمكن بساعة رضا يحلها سيدكْ".

(ملاحظة: بقي صباح محتفظاً بهذا الموال في ذاكرته، وغناه أكثر من مرة عندما بلغ أوج تألقه).

بداية الشغل على الموهبة الكبيرة

إذاً، تعلم صباح فخري أول موال وهو في الخامسة، أي في سنة 1938، وبعدها صار يرافق شقيقه الأكبر إلى جلسات سهر مع أصدقائه يتخللها غناء فيغني لهم.. وفي الفترة ذاتها كان يتعلم ترتيل القرآن وتجويده من والده، وهناك حادثة يرويها في مقابلة مع الإعلامي مروان صواف، أن والده عاد في يوم من الأيام إلى البيت مبتهجاً، قال لزوجته:

- انبسطي يا أم إبراهيم. صباح ختم القرآن.

ويوضح صباح فخري، في مقابلة مع الإعلامية اللبنانية مادلين طبر سنة 1986، أنه لم يحفظ القرآن غيباً، بل تمكنَ من قراءته بشكل صحيح، وبرع بتجويده.. ويقول، بخصوص التجويد:

- كان المعلم يعرض على الدارسين صورة تجريدية للفم والحلق والقصبة الهوائية، يحدد عليها مكانَ خروج كل حرف، والطريقة المثلى لإخراجه؛ من بين الشفتين، أو من الحلق، أو من الصدر، ويعلم الطلاب، كذلك، الإدغام، والإخفاء، والإقلاب، والمُدود، وهذا هو السر الذي جعل صباح فخري من أفضل المطربين العرب في مجال نطق مخارج الحروف.

قفزة نوعية

اللحظة الفارقة في حياة صباح فخري كانت يوم جاء عازفُ الكمان الحلبي الشهير سامي الشوا من مصر، لزيارة حلب، (1947) وعرفوه عليه، وأسمعه غناءه فأعجب به، وصحبه إلى حفلات كان مدعواً إليها في حلب وحماة وحمص ودمشق، آخرُها احتفال أقامه رئيس الجمهورية، شكري بيك القوتلي (1891- 1967)، في دمشق.. وهناك تعرف على شيخ الشباب فخري البارودي، وتبناه، وأصبحت كنيته "فخري" بدلاً من أبو قوس.

عرض سامي الشوا على صباح خيارين، الأول أن يذهب إلى مصر ليتعلم، وينطلق، ويكبر، والثاني أن ينتقل إلى دمشق حيث يدرس في المعهد الموسيقي الشرقي، ويكون له عمل في الإذاعة، حيث يقدم وصلة غنائية أسبوعية. وهذا الخيار الثاني وافقت عليه والدة صباح، لأن مصر، برأيها بعيدة، وتحمس له فخري البارودي ووضع إمكاناته كلها في سبيل تنفيذه.

هكذا دخل عالم الاحتراف وهو في الرابعة عشرة من عمره.

نسجل على هذه المرحلة ثلاث ملاحظات مهمة:

الأولى: خلال وجوده في حلب تعرف على عازف العود الفنان محمد رجب، وتعلم منه موشح: يا هلالاً غاب عني واحتجب. وهو موشح صعب، ومركب، عندما سمعه منه الفنانون والمختصون في دمشق، وهو في هذا العمر الصغير، ذهلوا.

الثانية: بدأ التأسيس لشخصيته الفنية والموسيقية من خلال وجوده في المعهد الموسيقي الشرقي الذي أسسه فخري بيك البارودي، وكان من أساتذته عمر البطش الذي كان يعلم الموشحات والإيقاعات ورقص السماح.. ومجدي العقيلي، وسعيد فرحات. وكان على ملاك الإذاعة آنذاك كل من رفيق شكري ومصطفى هلال ونجيب السراج وماري جبران ومحمد محسن.

الثالثة: نصحه الموسيقار عزيز غنام أن يتوقف عن الغناء في هذا السن، سن البلوغ، لأن الصوت في هذه الفترة يتبدل، والحبال الصوتية تكون في حالة نمو، ويجب ألا تتعرض خلال التبدل إلى تعب وإجهاد. وهذا ما كان. توقف صباح فخري عن الغناء، وعاد إلى حلب، وبقي فيها بعد انتهائه من الخدمة العسكرية سنة 1956. ووقتها انضم إلى إذاعة حلب. وقد امتلأت هذه الفترة بتلقي العلم، وراح يثقف نفسه في تعلم العزف على العود، وحفظ الأدوار والموشحات والمواويل.

الرابعة: تمكن صباح فخري من المحافظة على صوته حتى وقت متأخر من حياته، فقد ظهر في تسجيل على الفيس بوك يعود إلى ما قبل سنة من وفاته، وقبلها ظهر في مقابلتين إحداهما على (MBC) والثانية على (CBC) كان يغني فيهما مقاطع قصيرة، ولكن بصوت جميل.

ويبدو أن المحافظة على الصحة والصوت كانت تشكل لصباح فخري هاجساً دائماً. ففي مقابلة إذاعية أجريت مع المطرب والملحن اللبناني الكبير ملحم بركات، (2007)، يقول إن صباح فخري حدثهم، في جلسة خاصة، أنه لا يأكل طعاماً حاداً، ولا يشرب شيئاً بارداً. وهو على حق في ذلك، فهناك مطربون أنهكوا أصواتهم وأجسامهم بالتدخين والسهر وأنواع الملذات، وتوقفوا عن الغناء أو ماتوا في عمر مبكر، منهم المطرب الكبير محمد خيري الذي عاش 46 سنة فقط (1935- 1981).

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار
"الوطني الكردي": المشروع التركي لإعادة اللاجئين يتعارض مع القرار الأممي 2254
أردوغان يرفض انضمام السويد وفنلندا لحلف شمال الأطلسي
تحذيرات من صيف أكثر حرارة وجفافاً في تركيا
مرسوم العفو.. النظام يفرج عن 476 شخصاً من أصل 132 ألف معتقل
اعتقالات تطول المنتظرين تحت "جسر الرئيس" بدمشق
كم بلغ عدد المعتقلين المفرج عنهم من سجن صيدنايا بمرسوم "العفو"؟