في مغبة أن تكون إرهابياً

2023.12.05 | 07:15 دمشق

رفح
+A
حجم الخط
-A

بعد احتلال العراق واندلاع المقاومة ضده؛ اعتقلت السلطات الألمانية في عام 2005 ناشطا في المقاومة العراقية من خارج التنظيمات الجهادية بناء على طلب أميركي، وخضع للمحاكمة وتمت تبرئته من قبل قاضية ألمانية وصرحت لتوضيح موقفها القانوني غير المرغوب أميركيا، بالإشارة في قرارها إلى أن مقاومة الاحتلال حق قانوني متضمن في شرعة الأم المتحدة والقوانين الدولية.

وفي ظل اختلاط النصوص والقواعد القانونية؛ بين الممارسات السياسية وبين حقها الدستوري وجذره الأخلاقي المستند إليه، تقع كثير من المفاهيم تحت وطأة سياسات القوى الدولية التي تغزو الساحة الثقافية والإعلامية، من ضمن تلك المفاهيم يعتبر الإرهاب المفردة الأكثر تداولا في التقارير السياسية والتبريرات؛ التي لا تخرج عن عمليات التأهيل النفسي والتجييش المطلوب قبل أي حرب أو خلالها في ظل عالم يقتات على الحرب المفتوحة شرقا وغربا، سواء في حروب الجماعات التي خيضت بالوكالة عبر الجماعات المحلية كما في مالي وغينيا والسودان، أو الغزو الدولي كما في الصومال وأفغانستان، والعراق والاحتلال المستمر لفلسطين.

بعد الحرب على غزة كثيرا ما بدأت واجهات الآلة الإعلامية الغربية في لقاءاتها مع أي مشرقي أو عربي أو مسلم بسؤال "هل تدين؟" وغابت جدوى الإدانة في خضم التناقض الحاد بين مؤمن بالمقاومة، وبين مؤطر لها في لبوس الإرهاب؛ وفقا لقواعد تلك المراكز الإعلامية الناطقة بثقافة دولها وبسياسات أنظمة حكمها، ومع اعتبار ذاك السؤال هو مفتتح أي لقاء فهي محاولة صريحة لتأطير الضيوف من أنصار الحق الفلسطيني؛ في صورة مرسومة مسبقا على مقاسات السياسة لا الأخلاق ولا القيم الأوروبية والغربية وقوانينها من حريات تعبير ورأي وحق الإنسان بالحياة والعيش بكرامة، وبدلا من حضور مفهوم العدالة كمعيار قانوني حقوقي لا لبس فيه، أو مفهوم الحق استنادا إلى ما أقرته مواثيق المرجعية الأممية الدولية، حضر سؤال إدانة الإرهاب ذاك المفهوم السياسي بطريقة لا تخرج عن سياسات تلك الدول، وكم تمنى البعض لو أن أحدا ممن سئلوا عن إدانتهم لحماس والمقاومة، أجاب برد السؤال نفسه بطريقة مغايرة لماذا أنت تدين؟ هل لأنها ارتكبت وفقا للحدث المزعوم " قتل الأطفال والمدنيين" أم لأنها مقاومة؟ ولماذا لم يكن السؤال عن مشروعية هذا الفعل أو ذاك أو أحقيته استنادا إلى مفاهيم عدالته أو قانونيته استنادا إلى تأويل قانوني أبلج لتلك القواعد التي لا يختلف عليها أحد؟

بعد الحرب على غزة كثيرا ما بدأت واجهات الآلة الإعلامية الغربية في لقاءاتها مع أي مشرقي أو عربي أو مسلم بسؤال  "هل تدين؟" وغابت جدوى الإدانة في خضم التناقض الحاد بين مؤمن بالمقاومة، وبين مؤطر لها في لبوس الإرهاب

قد يبدو الحديث عن هذا عاديا وصارت حقائقه من المسلم بها لدى أبسط العارفين، لكن حقيقة تنصيب الغرب لنفسه كذات واعية محورية تحتكر القيم، ومركز حداثي قيميا قبالة هوامش حضارية، وأصلا لكل حق إنساني يصدر قيمه للعالم كله ويفرضها عليه ويكرسها بشتى الوسائل، يفترض وقوفا دقيقا على طرق تسرب تلك الذهنية الغربية لتدخل في مسلمات أو خطابات البعض منا وتصوراته عن الإرهاب وبدائله لدرجة أن الكثير احتفل بحروب إرهابية خاضتها قوى دولية تحت مسمى محاربته، وكتل سياسية صعدت سدة الحكم تحت ضربات مدافعها لتتسلط على شعوبها، وإن تجاوزت هذه الوقفة تحت مسمى الواقعية السياسية ومصالح الدول وقوتها أمام ضعف الواقع العربي لا يعني سوى نقل معرفتنا البسيطة من مستوى المسلمات السياسية إلى مستوى الحتميات التاريخية التي تحولنا إلى عدمية تخلف انصياعا للهزيمة لتصبح مجتمعاتنا كالشياه التي تذعن لقدرها في الذبح وتمد رقابها للمقصلة كل بدوره.

في عودة لمنظومة القوانين الدولية المشتركة؛ التي اكتسبت شرعيتها العالمية من خلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ثم شرعة الأمم المتحدة التي تعتبر الوثيقة المرجعية المؤسسة للتعامل بين الدول؛ ولتعامل أي دولة مع أفراد أو جماعات ضمن حدودها أو في رقعة دولة أخرى، فقد تم طرح مفهوم الإرهاب في مداولات الأمم المتحدة، بدءا من عام 1937  التي ظلت قيد النقاش حتى توصلت إلى التمييز بين فعل الاحتلال والاستعمار وبين مقاومته التي لاتعد إرهابا إنما تستخدمه الدول القائمة بفعل الاحتلال ضد مقاوميها، وفي مداولات عام 1973م وما تلاها من قرارات ومواثيق، ذهبت قرارات الأمم المتحدة إلى تفسير  العنف في بلدان كانت واقعة تحت الاستعمار وإحالته إلى مفهوم جديد حينها وهو الهيمنة، تلك التي تمارسها الدول المنسحبة من أراض بلدان احتلتها، ما أنجز توصيفا وتعريفا معياريا لعمليات العنف المتنوعة وتمييز المقاومة عن جرائم العنف المختلفة تبعا لدوافعها، وأقرت عام 1966 حق الشعوب الخاضعة للاحتلال بتقرير المصير واستخدام الوسائل الممكنة لذلك بما فيها إجازة العمل المسلح، وبأحقية حركات التحرر والمقاومة بالموقف القانوني المنصوص عليه في اتفاقات الدول الخاضعة لاتفاقية جنيف 1949 مما يعني انتقاله من إطاره الأخلاقي الإنساني والسياسي إلى إطاره كقانون يشكل جزءا من المنظومة القانونية الدولية، بل وذهبت الأمانة العامة في قرارها رقم 3070 للإشارة إلى أحقية الدول أن تدعم حركات التحرر في بلدان أخرى دون أن تعتبر مخالفة للقانون الدولي.

مثلما خطفت أميركا رصيد الذهب في البنك الدولي في عهد نيسكون وأقرت الدولار كعملة دولية بدلا منه بلا رصيد، تم اختطاف مفهوم الإرهاب وصار مفهوما سياسيا تستخدمه الدول وتكرسه عبر الإعلام، وصار لزاما على المثقف والناشط العربي ليس التنظير وتسليط الضوء على حق الشعوب بتقرير مصيرها بل الانطلاق من القيمة القانونية في توصيف أي حدث أو مناقشته انطلاقا من مبادئ العدالة والحق والسند القانوني، حيث أصبح غزو بلاد كالعراق يبدو عملا مشروعا في حين أن قتل مليون إنسان يعتبر ضحايا جانبية وليس عملا إرهابيا في حين أن جماعة أو حركة مقاومة تصبح إرهابية إذا كانت خارج دائرة الهيمنة كما في فلسطين قبل أكتوبر، ولايمكن التفاوض معها مالم تكن قوية للدرجة التي تقلق وجود المحتل كما حصل في أفغانستان، ومايطرح في ساحات السياسة الدولية الآن من ضرورة حل الدولتين، بعد طوفان الأقصى أمام ذلك تبدو مقولة الفلاح السوري: " تكلم وفقا لغلظ عصاتك في المجلس" نافعة ولو بعد حين.