في سرديّة الثورة

تاريخ النشر: 14.01.2022 | 05:15 دمشق

كان أفلاطون، الفيلسوف اليوناني الشهير، يعتقد أن الحقيقة عُلويّة مثاليّة، وأن الواقع المادي ما هو إلا ظل لتلك الحقيقة البعيدة، لذلك فقد أنكر أفلاطون على بعض الشعراء اهتمامهم بالمادة، واتّهمهم بتشويه الحقيقة، فطردهم من مدينته الفاضلة، في حين لم يقف تلميذه أرسطو من الشعراء موقف معلّمه، ذلك أن الحقيقة الأرسطيّة هي حقيقة أرضية ماثلة.

ورغم اختلاف أنصار الفيلسوفين بعدهما إلا أنّ لكلا الفريقين منهجه وطريقته في الاهتمام بالحقيقة.

في حقل آخر، فقد اهتم النقد الأدبي الحديث بمسألة الحقيقة الفنيّة، فمن النقّاد من جعلها مظهراً من مظاهر الصدق الفني، ومنهم من لم يشترط ذلك، إلا أنّ كلا الفريقين، من جديد، لا يشترط الكذب الواقعي على الحقيقة الفنّيّة، ومن ثمّ فقد تراوحت الحقيقة الفنيّة بين الصدق والكذب الواقعيين.

في مرحلة متطوّرة من النقد، توصّل النقاد ما بعد الحداثيين إلى نقد الخطاب، فظهر ما يسمّى بـ: النقد الثقافي، الذي كشف أمام الناقد مساحات أكثر اتساعاً من تلك التي كان يعتني بها النقد الأدبي بمفرده.

أتذكّر هذا الكلام وأنا أتابع برنامجاً للمصارعة الحرّة الأميركيّة، فالمصارعة فن، والحرّة نسبة إلى الحريّة، تلك التي شغلت العالم كلّه في السنوات الأخيرة، أمّا الأميركيّة فهي نسبة المصارعة إلى البلاد التي تحاول صياغة، أو فرض، مفاهيم عالميّة عبر (العولمة).

كنت مراهقا عندما بدأ اهتمامي بالمصارعة الحرّة، وأذكر كيف كنت منفعلا إلى درجة تتجاوز الإعجاب بالمصارعة عن بعد، وأذكر كم كانت صدمتي كبيرة حين أدركت أن المصارعة تلك لم تكن سوى كذب، توافق الناس في أميركا على تصديقه، لجني بعض المتعة.

في الحقيقة نحن الشرقيّين عموماً مأخوذون، بما يشبه اللاوعي الجمعي، بمسألة الصدق والكذب، ربّما لأن بلادنا كانت مهداً للديانات الإبراهيميّة الثلاثة، وربّما أن مسألة الصدق والكذب كانت قد عولجت، عبر التراث المكتوب، والمعاش كذلك، لأجيال مديدة.

من الذي قصف القرى والمدن بالطائرات وبالمدافع، ومن قتل مئات الآلاف ولا يزال يعتقل في سجونه مئات آلاف السوريين؟!

غير أن ذلك الاهتمام بمسألتي الصدق والكذب لم يمنعنا، كشرقيين، من الاستمتاع بأفعال خارقة للطبيعة يمارسها (المبروكون) بعد تصديقها بالطبع.. لكن يظل الشرقيون، عموماً، يحملون ردود فعل حادة تجاه الكذب، حتى لو راودتهم مشاهد المتعة في مسلسل درامي، أو قصيدة شعريّة، أو مصارعة حرّة، لكنّهم لا ينفعلون انفعالا كاملا للكذب مهما بدا منمّقاً.

وربّما كانت الطبيعة الحرّة، من جهة كونها: متوازنة ومنضبطة، هي مبعث ذلك اللاوعي الجمعي إن صدقت الفكرة، والصدق ذاته، في أحد أبعاده، قريب من هذا التوازن المنضبط لتسلسل الفصول والأيام.

ما الفرق بين حريّة الإرادة وبين صناعة الإرادة؟

الفرق فيما بينهما يشبه الفرق بين الثورة، من حيث كونها نموا لإرادة حرّة، وبين الشرق الأوسط الجديد، من حيث كونه خرائط حتمية!

والشرقيون لا يثقون بالأرنب الّتي تجيء، راكضة، من بعيد، لتضرب أكثر من عصا واحدة فتموت، الشرقيون لا يؤمنون بحريّة إرادة الأرانب الخائفة، ولا ينسبون الأفعال إليها. 

ثمّة سرديّتان متوازيتان إحداهما تتكئ على الصدق الفني غالباً، والأخرى صدق واقعي في الغالب.

إنّ أول من اتهم الثوار بالعمالة للخارج، وأنّ غايتهم تمزيق سوريا، كان النظام ذاته، فهل كان صادقا؟

حسناً، لنسلّم، بعد كل الكوارث التي حلّت بنا كسوريين، بأنّ مؤامرة قذرة حيكت ضدّ سوريا، فمن كان أداة لها؟

من الذي قصف القرى والمدن بالطائرات وبالمدافع، ومن قتل مئات الآلاف ولا يزال يعتقل في سجونه مئات آلاف السوريين؟!

اتّهم النظام الثّوار بالطائفيّة، فلنراجع الذاكرة المشتركة للجلاد وللضحيّة، ولنتساءل معاً: من قام بارتكاب مجازر بانياس والحولة والتريمسة، لندينه ولندين كل من ارتكب جريمة بحق مواطن سوري، أيّا يكن.

اتهم النظام الثورة بأنها كانت تريد تدمير مؤسّسات الدولة السوريّة!

وهنا لن أتحدّث عن مكان لا أعرفه، بل عن منبج، المدينة التي كنت ثائراً فيها ضدّ النظام، لأقول: إن أصعب مهمّة كان على الثوار القيام بها بعد انسحاب النظام من المدينة، تمثّلت بالحفاظ على مؤسّسات الدولة، تحت ضرباته الجوّية من جهة، وتدفّق السلاح إلى البلد من جهة ثانية، والفخاخ التي كان عملاؤه ومثقفوه يضعونها في طريق الثوّار، من جهة ثالثة.. فمن منّا كان يحافظ على مؤسّسات الدّولة ومن منّا كان يقصفها!

إن كلّ برميل متفجّر، نزل على حي شعبي مكتظ باللحم البشري الحي، كان بمنزلة مدرسة فكرية متكاملة لإعداد الموتورين الذين لا يملكون تجاه قاتل ذويهم إلا القهر والرغبة بالانتقام من أسباب القهر، فمن منّا كان يدعم الإرهاب!

صناعة الإرهاب، وصناعة المعارضة، وصناعة الحقيقة كلها أساليب قد تبدو غامضة، وغير ذات أهميّة، بحسب النقد الأدبي، لكنها مكشوفة على مستوى نقد الخطاب الذي يمكنه أن يتوسّع ليدرس شبكة العلاقات والمصالح.

على أن هذا الكشف لا ينطلق من حتميات إيديولوجية سابقة، لذلك فهو ليس أداة يمكن، عبر التلاعب بها، تبييت الاتهام لجهة معينة، أو لشخصية بذاتها، بل لعلّه كما يقول ميشيل فوكو في كتابه حفريات المعرفة: (إعادة النظر في إرادة الحقيقة، وإرجاع صبغة الحادث للخطاب، وتجريد الدال من كل سيادة).

في تجريد الدال من كل سيادة، سنهمل دلالة العلم الوطني، والبوط الوطني، والبندقيّة الوطنية تلك التي تطلق النار على المواطنين.

كما سنهمل دلالة علم الثورة، وبندقية الثورة، تلك التي تطلق النار على المواطنين، لنرى القاتل مجرّداً من كلّ حصانة، فكم من عميل لبشار الأسد، زاود على الثوّار في العصبيّة للثورة وكان يرتكب المجازر باسمها!

لصالح من ارتكب تلك المجزرة؟

هل لنا بعد عشر سنوات من الثورة أن نقول: ليس الفرق بين الثورة وبين النظام حدوداً جغرافيّة، ولا عرقيّة أو طائفيّة، إن الفرق بينهما هو فرق بين خطابين: خطاب حريّة، وخطاب استبداد، فلنعد القراءة من جديد، لكتابة سرديّة تليق بدمنا إذاً. 

فلنرجع صبغة الحادث للخطاب، لنعرف من كان مستفيداً من انتشار الإرهاب، ومن كان يهدّده جنيف (1) بعمليّة انتقالية، وأن تلك العمليّة كانت مشروطة باستتباب الأمن في سوريا، من كان سيقتله السلم الأهلي، ومن أحياه الصراع!

إنّ إرجاع صبغة الحادث للخطاب، وتجريد الدال من كل سيادة، سيكشف كثيراً من القضايا التي تمّت صناعتها، بعد 2011، ليتقاتل السوريون تحت راياتها، ولتخدم تلك القضايا صناعة الهويّات المذهبيّة والعرقيّة، عبر توثيق الانتهاكات الفرديّة المتبادلة، وتبنيها كخطاب سياسي، يتبادل من خلاله أمراء الحرب المصالح المشتركة!

واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد: حقيقة صدحت بها حناجر الإرادة السوريّة الحرة ذات يوم من عام 2011، في حين، أنّ ما تم الاستثمار به، لترسيخه، كان خرائط مبيّتة، ترسم حدوداً لهويّات أخرى، تكتنزها، وتوثّق لها، جمل ثقافيّة من مثل: "الثورة السنّية"، "النظام النصيري"، "الملاحدة الأكراد"، حيث وثّقت هذه الجمل حريّة إرادة الأرنب الذي ضرب العصا ثلاث مرّات وأكثر!

كلمات مفتاحية