في تحدّي "حرق المصحف".. ألم يئن الأوان لتغيير رد الفعل؟

2022.04.22 | 08:16 دمشق

alswyd_12.jpg
+A
حجم الخط
-A

إن كنت ممن شارك في الاحتجاجات العنيفة التي شهدتها المدن السويدية في الأيام القليلة الماضية، رداً على إحراق المتطرف اليميني، راسموس بالودان، نسخة من "المصحف"، أو كنت من مؤيدي هذه الأفعال العُنفية، فنستطيع أن نطمئنك، بأنك وأمثالك، دعمتم حملة الرجل الانتخابية، وربما ساهمتم في تحقيق حُلمه الذي عجز عن تحقيقه على مدار سنوات من نشاطه اليميني، بالوصول إلى برلمان بلدٍ أوروبي، هو السويد. ببساطة، حوّل المحتجون العنيفون من "المسلمين" في السويد، بالودان، من "نكرة" على صعيد السياسة، إلى محطٍ لأضواء الإعلام.

ومرة جديدة، تنجح مفاهيم عائمة، غير مضبوطة، من قبيل "تغيير المُنكر باليد"، برفقة لُجة من الأفكار التبسيطية القائمة على "التنميط" و"نظرية المؤامرة" و"المظلومية"، وتقديس الأشخاص والرموز على حساب الأفكار.. تنجح في تحميل مسلمي أوروبا، وأبناء جلدتهم في أوطانهم الأصلية، أضراراً إضافية، هم بغنى عنها.

فاليميني المتطرف، الذي أحرق نسخة من "المصحف"، قبل أيام، عجز عام 2019، عن دخول البرلمان في موطنه الأصلي –الدنمارك-، وفشل حتى منتصف شباط/فبراير الفائت، في جمع أكثر من 460 توقيعاً، من أصل عتبة الـ 20 ألف توقيع، التي تتيح له المشاركة في الانتخابات التشريعية السويدية في الخريف المقبل.. فماذا فعل ليتجاوز هذا "الإدبار" عنه في أوساط الشعب السويدي؟ ببساطة، أعلن عن 50 مظاهرة لـ "حرق المصحف" في عدة مدن سويدية، واختار أحياء ومناطق يتركز فيها المهاجرون واللاجئون المسلمون، مراهناً على استدراج ردات فعل عنيفة، تعيد له الأضواء، بعد أن خبت عنه في السنوات الثلاث الأخيرة. وكان رهان الرجل في مكانه.

لكن لماذا سمحت الحكومة السويدية له بالقيام بتظاهراته وحرق "المصحف"؟ ألم تعتقله فرنسا من جراء ذلك، وتمنعه ألمانيا، وتطرد بلجيكا أنصاراً له؟ هكذا يردّ عليك من يدافع _وإن بصورة غير مباشرة_ عن ردات الفعل العنيفة، التي أشعلت المدن السويدية في الأيام القليلة الفائتة، والتي وصفتها الشرطة بأنها غير مسبوقة. فهم يحمّلون الحكومة المسؤولية، ويشيرون إلى وجود تواطؤ مقصود من السلطات في ذاك البلد الأوروبي، حيال المسلمين الذين يشكلون نحو 8% من السكان. ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة الفوارق الثقافية والسياسية بين السويد وبين بلدان أوروبية أخرى، فهذا نقاش يطول جداً. لذا، سنفترض صحة هذا الادعاء القائل بوجود تواطؤ مقصود من السلطات السويدية حيال المسلمين، خاصة مع تفشي هذه القناعة بين الجمهور، بعد الجدل الكبير الذي اندلع قبل شهرين، مع المظاهرات التي احتجت على سياسة "سحب الأطفال" من جانب هيئة الرعاية الاجتماعية السويدية "السوسيال". فإن افترضنا فعلاً وجود تواطؤ من السلطات في السويد حيال المسلمين، فما هو رد الفعل العقلاني الواجب اتباعه؟ هل الأنسب تعزيز ادعاءات اليمين المتطرف بأن المسلمين عُنفيون وأنهم لا يقبلون الرأي الآخر، ولا يتحملون النقد أو حتى الإساءات لعقيدتهم، والتي هي أمر مقبول وشائع في عموم المجتمعات الأوروبية، بما فيها السويد؟!

الصادم في الأمر، أنك يمكن أن تسمع مبررات تدعم ردود الفعل العُنفية، حتى من جانب علماء دين، وناشطين حقوقيين، مسلمين، يعيشون في السويد، ذاتها. وفي بلدان أوروبية أخرى أيضاً. لا يدعم هؤلاء العنف بصورة مباشرة، بطبيعة الحال، لكنهم يقدمون بصورة غير مباشرة، مبررات لذاك العُنف، تستند إلى مفاهيم "المظلومية" والاستهداف من جانب الحكومة السويدية، التي لا تفعل شيئاً لحماية "المسلمين"، لكنها تفعل ذلك لحماية اليهود و"النصارى"، مثلاً. والصادم في ذلك، أن أولئك الذين يُفترض أن يكونوا نُخباً، في مجتمعات "المسلمين"، بالغرب، ينساقون هم أنفسهم إلى ذات الأفكار "التنميطية" التي تولد "سوء إدراك" للواقع، بدلاً من أن يقودوا جمهور العامة من "المسلمين" نحو المزيد من الاعتدال، وتفهم عقلية المجتمع الذي يعيشون فيه، بصورة تتيح لهم، تغيير واقعهم نحو الأفضل، في ذاك المجتمع، وفق الآليات المتاحة فيه، لا وفق تصوراتهم الرغبوية لما يجب أن يكون عليه الواقع هناك.

وبهذا الصدد، كتب كثير من علماء السياسة وعلم النفس الاجتماعي، عن الانحيازات النفسية والإدراكية التي تقف وراء سوء إدراك بعض الناس للواقع. إذ نميل إلى فهم العالم في كثير من الأحيان، من خلال التبسيط والحدس، واعتباره صراعاً بين "الخير والشر"، والنظر للقضايا الخلافية من خلال الانقسام إلى معسكرين، دون النظر إلى مساحات الاتفاق بين كلا الطرفين. ناهيك عن تشرّب عقولنا بنظرية "المؤامرة". فنُعالج المعلومات المتاحة لنا عن الواقع بصورة لا تتمتع بالعقلانية.

فأثناء التفاعلات المُتشنجة مع حادثة "حرق المصحف" الأخيرة، مثلاً، يندر أن يتحدث أحد عن الكاهن الذي قرع أجراس كنيسة في مدينة يونشوبينغ السويدية، بهدف التشويش على مظاهرة –بالودان- واضطره للمغادرة.. كما تغيب الإشارة إلى أن مؤيدي –بالودان- كانوا فقط بالمئات من أصل 10 ملايين سويدي، حتى منتصف شباط/فبراير الفائت، وهو ما يؤشر إلى أن نهج وخطاب الرجل لا يلقى قبولاً لدى السويديين.

فتصوروا مثلاً، لو أن "المسلمين" قابلوا تظاهرة –بالودان- وحرق "المصحف"، بالاستهانة، وعدم الاهتمام، باعتبار أن ما أُحرق هو كتابٌ ورقي يحتوي مضمون "القرآن"، وليس "القرآن" ذاته.. أو تصوروا لو اتسمت ردود الفعل بسلوكيات متسامحة ودّية من قبيل الدعوة للتعرف إلى الدين الإسلامي والحوار الهادئ.. كيف كان سيتلقى الجمهور السويدي، رد الفعل "المسلم" ذاك؟! التساؤل الأخير يبقى في رسم كل من يتفهم أو يدافع عن ردود الفعل العُنفية حيال الأفعال الاستفزازية التي تستهدف "المسلمين". ونحيلهم أيضاً إلى القيود الشرعية التي يقول بها فقهاء ثقاة، على مفهوم "تغيير المُنكر باليد"، والذي يتطلب شروطاً، من أبرزها، التمتع بالسلطة، وعدم ترتب ضرر أكبر من "المُنكر" المُراد إزالته. ونتساءل: ألم يحن أوان تغيير ردود الفعل على التحديات المماثلة، بعد كمّ التجارب التي عشناها في العقد المنصرم، والتي كانت حصيلة الردود العُنفية خلالها، أن نجد متطرفة كـ "ماري لوبان"، قاب قوسين أو أدنى، من كرسي الحكم في الإليزيه! هذه التساؤلات هي برسم "النُخب" التي من المفترض أن تقود "العامة" من المسلمين في أوروبا، والتي ما يزال معظمها، ينساق مع غرائزية "الجمهور"، بدلاً من امتلاك الجرأة لقيادته.