عن فندق الأسد وخدماته المتردية..

تاريخ النشر: 29.03.2022 | 06:38 دمشق

وصل جنون الطاغية الروماني "كاليجولا" -كما تذكر الروايات التاريخية- إلى أنه أمر بقتل جميع الصلعان في إمبراطوريته لأنه يكره الصلع، رغم أنه كان أيضاً أصلع.

تلك واحدة من صفات الطغاة الذين يبحثون دائماً عن مبررات وذرائع لقتل الآخرين، فيلصقون بهم ما شاؤوا من التهم أو يقتلونهم لأسباب لا تستوجب القتل أو حتى بلا أسباب، فقط ليمارسوا هوايتهم المفضلة (القتل) والتي تنشأ لديهم بحكم تركيبهم السلطوي الإجرامي، وتكبر لتصل إلى حالة من النهم الحقيقي للدماء ومن ثم الإدمان الكامل.

آخر تحديث لظاهرة "قتل الصلعان" جاء على لسان بشار الأسد في إحدى إطلالاته التي ينظّر فيها كالمعتاد في شؤون الكون والوجود وعلم الاجتماع والفلسفة والسياسة والوطن، معتقداً أنه يبدع أفكاراً عبقرية خلاّقة.

اللافت أيضاً أن الأسد بات يردد كلام أبواقه ويسرق أفكارهم البلهاء وهو يعتقد أنه يجدد ويبتكر، فنظرية الوطن/ الفندق تم طرحها من قبل بعض مؤيديه قبل أن يسرقها منهم وينسبها إلى نفسه، وكأنه يسطو على كنز ثمين..

ليس لدى الأسد مقياس آخر، لأنه أدمن الخدمات الفندقية، واعتاد التعامل السياحي مع مفهوم الوطنية، وحينما اختار أن يحاضر في أتباعه، نضح إناؤه بالذي فيه

قدم الأسد من خلال نظرية الوطن الفندقي، أو الفندق/ الوطن، طرحاً يكشف موقفه الضمني والحقيقي من مفهوم الوطن، فبالنسبة إليه، تدخل الوطنية في حسابات الربح والخسارة، ومنطق المنافع والمكتسبات الشخصية، ليس لدى الأسد مقياس آخر، لأنه أدمن الخدمات الفندقية، واعتاد التعامل السياحي مع مفهوم الوطنية، وحينما اختار أن يحاضر في أتباعه، نضح إناؤه بالذي فيه، وكشف قعر ذاته وقاع تفكيره التجاري الاستهلاكي المافيوي ومستوى فهمه العصابي لمفهوم المواطنة..

خوّن الأسد جميع من غادروا ذلك الفندق بسبب تردي الخدمة فيه، وحكم عليهم بالقتل كمعادل موضوعي لصلعان كاليجولا، أو لضحاياه الذين لا ذنب لهم سوى رغبة الحاكم في قتلهم.

نصّب الأسد نفسه سيداً على الفندق، ومديراً عاماً له، وأعلنه ملكية شخصية، ثم راح يعتقل الزبائن المقيمين والزوار ويعذبهم ويهجرهم ويقتلهم ويبيدهم، قبل أن يخرج ليدّعي أنهم غادروه نتيجة تراجع الخدمة، وكأنما كانت سوريا قبل أن يهجرها ساكنوها فندقاً من ذوات الخمس نجوم، أو "الخمسة براميل" ثم عصفت به أزمة ما فتراجع إلى مستوى خدمة برميلين، مما أغضب السوريين وغادروا الفندق احتجاجاً على نقص مستوى الرفاهية.

تناسى الأسد أن الوطن بمفهومه الفندقي كان أصلاً من ابتكاره وابتكار أبيه، كان -ولا يزال- مكاناً لإهانة ساكنيه والتعامل معهم كعبيد وأدوات للدبكة والتصفيق، وأنه وضعهم أيضاً ضمن ممتلكاته الخاصة، نسي الأسد في غمار ذلك كله من الذي تعامل مع سوريا على أنها فندق، وحول البلد بكامله إلى مزرعة خاصة، نسيَ أنه من اختار أن يسمّيها "سوريا الأسد"، فتحوّلت إلى فندق لا يتسع إلاّ لضيوفه وليس للسوريين مكان فيه أصلاً..

ربما ظن الأسد أن فروع الأمن والمخابرات، وكتابة التقارير، هي نوع من الخدمات التي كان يقدمها للسوريين، أو مكرمة من سيد الفندق، وأن حالة القمع والإذلال، هي أيضاً نوع من الرفاهية التي كان على الشعب السوري أن يشكره عليها، ثم أضاف إليها خدمة البراميل والصواريخ والكيماوي وكل أنواع القتل والقهر، نسي أنه هو من قام بطرد من تبقى من زبائن فندقه واستضاف بدلاً عنهم ضيوفاً دائمين من إيران وروسيا وفرق الميليشيات المرتزقة التي جاءت لحراسة الفندق وإنقاذ مالكه، وسلم الإدارة بشكل كامل لداعميه، ثم قبع في جناحه لا يغادره، ولا يفعل شيئاً سوى التوقيع على قرارات القتل..

الوطن ليس فندقاً بالطبع ولكنه أيضاً ليس مجرد عقار تؤول ملكيته كلها للوارث فيتصرف فيها كما يشاء، يبيع ويؤجر ويسمسر ويتاجر، وليس على ساكني الفندق إلاّ السمع والطاعة..

يلوم الأسد المواطنين الذين غادروا الفندق، يخوّنهم متناسياً نظرية "التجانس" التي نظّر لها وطبقها بقوة السلاح، واختار بنفسه من يحق له الإقامة في فندقه ومن يتوجب عليه أن يغادره، وبعد أن أمعن في التأصيل لنظرية التجانس عاد مرة أخرى للحديث عن التعددية و"الفسيفساء" السورية، فلم نعد ندري هل يريد قتل مزيدٍ من الصلعان والتنكر بباروكته المزيّفة ليظهر بصورة المدير الحريص على سمعة الفندق والتي تجاوزت الحضيض بمراحل بعيدة، أم أنه يبحث فقط عن ضحايا جدد يغني بهم رصيده ويقوي سيرته الذاتية كقاتل محترف؟

كل ما فعله ساكنو الفندق أنهم طالبوا بشيء من النظافة، وإزالة الأوساخ المتراكمة في زواياه، وإصلاح بعض مرافقه المتهالكة، ومحاسبة اللصوص الذين يسرقون وينهبون خيراته، فاستشاط المالك غضباً وهدد بإحراق الفندق بمن فيه وبما فيه، وحينما غادره زبائنه هرباً من تهديدات المدير راح يكيل لهم التهم ويتوعدهم ويحمّلهم مسؤولية الدمار الذي صنعه بيديه..

يريد الأسد من السوريين أن يكونوا خدماً لجناحه الخاص، عبيداً مخصيّين، صمّاً بكماً لا يجيدون سوى التصفيق، لقد وصل الأمر بالطاغية المجنون كاليجولا - وهو في

ذروة تسلطه- أنه عيّن حصانه عضواً في مجلس الشيوخ، وأقام وليمة بتلك المناسبة وضع فيها طعاماً لأعضاء المجلس هو عبارة عن تبن وشعير، وطلبَ منهم أن يتناولوا الطعام مع حصانه لأنهم ليسوا بأفضل منه، ولكنه لم يصل إلى إبداع الأسد الذي أدخل مفهوم الفندق إلى المنطق الوطني، وصنف المواطنين كزبائن، الأمر الذي جعله المرشح الوحيد لخلافة كاليجولا ومنافسته على التفوق في الجنون والجريمة..

يفكر الطغاة بالمقلوب، فيَضعون أنفسهم مكان الضحية، ويدينون الآخرين بما هم مُدانون به، ثم ينصّبون أنفسهم حكّاماً على الحقيقة، يلوون عنقها كما يشاؤون، ويصنعونها على مقاساتهم، وخصوصاً عندما يمتلكون القوة المطلقة ويغيب الحساب..

لا يزال السوريون ينتظرون الفرصة المواتية لإنقاذ ما تبقى من الفندق وإعادة ترميمه، ولا حل يمكن أن يضمن ذلك إلاّ بمغادرة بشار الأسد

لا شك أن أي نظرية جديدة يمكن أن تحمل كثيراً من أوجه التناقض، ويمكن أن تتضمن مغالطات وخلطاً يحتاج إلى التصفية وإعادة التفكير، باستثناء نظريات بشار الأسد والتي هي بأصلها ليست أكثر من جملة من المتناقضات التي لا تستقيم ولا يمكن تركيبها على نحو مقنع، لكن الأسد يفرض إبداعاته بالقوة، وهو الأمر الذي اعتاده منذ أمدٍ طويل، حيث كان تعيينه بالقوة، واستمراره بالقوة، وحبّ الناس له بالقوة، وقبول نظرياته بالقوة، وحتى الضحك على نكاته وخفة ظله يتم تحت التهديد.

لا يزال السوريون ينتظرون الفرصة المواتية لإنقاذ ما تبقى من الفندق وإعادة ترميمه، ولا حل يمكن أن يضمن ذلك إلاّ بمغادرة بشار الأسد، وإعطاء السوريين الفرصة لإعلان سوريا وطناً لا فندقاً، وتحويل الزبائن إلى مواطنين لا نزلاء، وضمان حماية السوريين بمن فيهم الصلعان أيضاً، والتخلص من المنطق الأسدي المصرّ على إهانة سوريا وإهانة السوريين، والذي لا يزال يقف عائقاً أمام كرامتهم وحريتهم وحقهم في تجربة إحساس المواطنة الذي حرمتهم منه عائلة الأسد لعقود طويلة.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار