عن جدوى التفكير الغيبي في الحالة السورية

2023.12.02 | 07:03 دمشق

عن جدوى التفكير الغيبي في الحالة السورية
+A
حجم الخط
-A

حين تستبدّ المآسي بالمجتمعات البشرية ويصبح ميلُ الشعوب نحو التصالح مع واقعها المرير عبرَ أشكال شتى من السلوك، لا شك حينئذٍ أن يغدو جانب من أنماط تفكيرها أحد أشكال هذا السلوك، علماً أن هذه الحالة من الركون الفكري والاجتماعي لا تخصّ شعباً أو جماعة بذاتها بقدر ما هي ظاهرة قابلة للاستنبات ومن ثم النمو في أي مجتمع يخضع لشروط الاستلاب والقهر الذي يفضي إلى درجة العجز الذي لا يتيح للمرء أن يفكّر بطريقة سليمة، فالتفكير مهما بدا متماسكاً ومنطقياً من حيث الصورة، إلّا أن جدوى منجزه يبقى محدوداً طالما أنه مسكونٌ بالإحساس بالعجز وفاقدٌ للشعور بالثقة، إنه بالتأكيد لا يبحث عن حلول لما يواجهه من مشكلات في حيّز واقعه ولا يجد أي سندٍ في ما يملكه من مقدرات، بل يبقى متطلعاً يترقب نافذة خلاص من خارج فضائه المحلّي.

لا شكّ أنها حالة أقرب ما تكون إلى حال السجين الذي افتقد جميع المعطيات المنطقية التي تفضي بخروجه من السجن، فأغمض عينيه وراح يتلمّس خلاصه إمّا بإرادة غيبية قد تقضي بموت الحاكم وحدوث زلزال سياسي يقلب الأوضاع رأساً على عقب، أو بحدوث زلزال طبيعي يودي بأركان السجن فتتداعى جدرانه ويغيب سجانوه وحرّاسه إذ يُصاب بعضهم ويموت آخرون، عندها يستطيع السجين أن يهيم على وجهه بعيداً عن أبواب السجن وقيوده.

بات من المألوف مثلاً أن يكون سكان المخيمات ومناطق النزوح والمُهجّرون من مدنهم وبلداتهم هم أكثر الشرائح السورية رفضاً لاستمرار سلطة الأسد وهم الأنصع تعبيراً في رفضهم لجميع أشكال المصالحة مع النظام

بالتأكيد إن الحديث عن هكذا حالة يبقى نسبياً باعتباره يقارب ظاهرة عارضةً، تنمو وربما تنداح بين الناس فترة من الزمن، ولكنها أيضاً قابلة للانحسار أو الزوال وذلك تبعاً لتغيّر الظروف والمعطيات. ربما يبدو إسقاط هذه الحالة على المجتمع السوري أمراً لا يخلو من التعسّف، إذ على الرغم من امتداد المأساة السورية وتجذّرها اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، إلّا أن حيوية المقاومة وصلابة الصمود ما تزال أيضاً متجذّرة لدى قطاعات واسعة من المجتمع السوري، بل لدى أكثر هذه القطاعات معاناةً وبؤساً، إذ بات من المألوف مثلاً أن يكون سكان المخيمات ومناطق النزوح والمُهجّرون من مدنهم وبلداتهم هم أكثر الشرائح السورية رفضاً لاستمرار سلطة الأسد وهم الأنصع تعبيراً في رفضهم لجميع أشكال المصالحة مع النظام الحاكم، وهم الأكثر يقيناً بعقم السلطة الأسدية وانعدام أي إمكانية لإيجاد أي شكل من أشكال التعايش أو التصالح معها، وكذلك هم الأكثر يقيناً بجدوى الحراك الثوري كونه الحامل الأكثر مشروعية لعملية التغيير.

لكن ما هو مُستغربٌ حقاً أن تكون بمقابل هذه الحيوية الشعبية حالةً نخبوية مغايرة ربما تكون النموذج الأمثل لنمط التفكير الغيبي وانتظار المفاجآت الاستثنائية الكبرى، إذ يتحدّث أصحاب الحالة النخبوية بمزيد من الثقة عن اقتراب نهاية الدولة الأسدية بسقوط نظام الحكم القائم، وذلك استناداً إلى جملة من المعطيات الدولية والمؤشرات العسكرية والسياسية، لعل أبرزها: استمرار الموقف الأميركي والأوروبي في رفضه مبدأ تعويم نظام الأسد أو إعادة تأهيله من خلال استمرار العقوبات الاقتصادية، وكذلك انحسار موجة التطبيع العربي التي أعقبت زلزال السادس من شباط الماضي، وعدم ظهور أي جدوى لعودة الأسد إلى الجامعة العربية وحضوره قمة الرياض في أيار الماضي، أضف إلى ذلك غياب الحديث عن مشروع (خطوة مقابل خطوة) الذي بادر به الأردن بحماس شديد ولاقى تجاوباً من العديد من الدول العربية، ويتحدث أصحاب هذا الاتجاه أيضاً عن خفوت نبرة المصالحة بين دمشق وأنقرة وتلاشي الاندفاعة التركية نحو التطبيع مع الأسد، كما يتحدثون أيضاً عن إصدار القضاء الفرنسي مذكرات اعتقال تطول رأس النظام السوري وشقيقه واثنين من كبار ضباطه، وكثيرة هي المؤشرات التي يسوقها سياسيون ومثقفون سوريون سواء فيما يكتبون أو يتحدثون في ندواتهم وحواراتهم، يستشهدون بمئات العلائم الدّالة على سقوط النظام، ولا يتكلمون على واحدة من الدّوال السورية، وهذا يجسّد بوضوح رسوخ فكرة الخلاص الوافد من الخارج وعدم الثقة بأي فعل سوري حقيقي.

ولعله من الإنصاف التأكيد على أن جميع تلك المؤشرات التي يعوّل عليها النخبويون هي عوامل دالة على ضعف النظام حقاً، ولكن ما هو مؤكّد أيضاً أنها ليست مؤشرات دالة على سقوط قريب أو وشيك له كما يخيّل للبعض، وهنا يجب التمييز بدقّة بين إشاعة التفاؤل وتعزيز الأمل بالتغيير وبين بيع الوهم، فضلاً عن أن مجمل المواقف الدولية والإقليمية قد تبدو غير راغبة بنظام الأسد، كما أنها تحول دون إعادة تأهيله دولياً، ولكنها في الوقت ذاته لا تسعى لإسقاطه أو إزالته من الحكم، فلا أحد يستطيع الزعم – مثلاً – أن الولايات المتحدة الأميركية تنظر بعين الرضى إلى نظام دمشق، ولكن أيضاً لا أحد يتوهّم بأن أميركا تسعى بالفعل لإزالة الأسد من السلطة، لأنها ببساطة ترى أن مسألة النظام في سوريا مرتبطة عضوياً بالملف الإيراني وليست قضية قائمة بحد ذاتها، وأن علاقات واشنطن مع طهران لم تصل إلى مرحلة الصدام الجذري، وما تزال استراتيجية احتواء إيران عبر التفاوض هي النهج القائم والمعتمد لدى الإدارة الأميركية.

رأس النظام لا يرى في جميع السوريين، بمن فيهم موالوه وحاضنته، سوى قرابين لاستمرار سلطته القائمة على مبدأ الإبادة والاستئصال أصلاً

ومثل ذلك يمكن أن يقال عن موقف تركيا التي تجد أن القضية السورية هي إحدى ملفات عديدة بُنيت عليها التفاهمات الروسية التركية، وغني عن البيان أن جملة المصالح المشتركة بينهما، وعلى مستوى الاقتصاد خصوصاً، ربما تكون أكثر أهمية بالنسبة إلى تركيا من القضية السورية، بالتأكيد لن تتباكى دولة من تلك الدول على الأسد إن سقط، ولكنها ليست مستعدة للقيام بأي إجراء فعلي ضدّه إنْ لم تقتضِ مصالحها ذلك. لعل ما لم يقله النخبويون أو ما لم يشاؤوا مواجهته هو أن نظام الأسد يمكن له أن يبقى عشر سنوات أُخر أو أكثر أو أقل مع استمرار تلك المؤشرات الدولية أو الإقليمية المؤذنة بسقوطه، طالما أن حكمه للبلاد مقرون بأولوية تتمثل باستمرار سلطته، ولا تحرجه استحقاقات أخرى ذات صلة بحياة المواطنين أو بمسائل التنمية الأخرى، ولعله لم يعد خافياً أن رأس النظام لا يرى في جميع السوريين، بمن فيهم موالوه وحاضنته، سوى قرابين لاستمرار سلطته القائمة على مبدأ الإبادة والاستئصال أصلاً.

هل يعني استجلاء المفارقة بين إرهاصات الوعي الشعبي المتقدم ونمط التفكير لدى من يدّعي النخبوية ضرباً من التشاؤم أو عدم الثقة بزوال الطغاة وانتصار الثورة؟ بالتأكيد لا، ما أرادت أن تقوله هذه المقالة أن جميع العوامل الخارجية مهما بدت ناضجة ومؤثرة على السلطة في سوريا، إلّا أن نجاحها في تحقيق مراد السوريين مرهون بقدرة السوريين على أن يكونوا أصحاب مبادرة تكون الأصل أو النواة والموجِّه لأي فعل خارجي، ولهذا كنّا نتمنّى أن تتمحور جهود من ادعوا النخبوية على الحراك الشعبي في السويداء وسواها من المدن السورية، والتفكير في كيفية تحوّل هذا الحراك إلى حالة سورية عامة، ومن ثم إيجاد آليات عمل جديدة يمكن من خلالها تحويل المنجز الثوري للحراك الميداني إلى أوراق سياسية نوعية. أمّا التبشير الدائم بومضات ضوء تأتي من الخارج مع استمراء الظلام الدامس حولنا فهذا لا يختلف في جوهره عن التفكير الغيبي وإن بدا مختلفاً عنه من حيث الشكل.