عن انتخابات إسطنبول وتوازناتها المتشابكة

2024.03.26 | 06:13 دمشق

آخر تحديث: 26.03.2024 | 06:13 دمشق

عن انتخابات إسطنبول وتوازناتها المتشابكة
+A
حجم الخط
-A

دخلت تركيا الأسبوع الأخير من حملة الانتخابات المحلية التي ستُجرى نهاية هذا الشهر. وفي حين أن المنافسة بين التحالف الحاكم وأحزاب المعارضة المختلفة ستتركز على المدن الكبرى، فإن المعركة الأكثر أهمية ستكون في إسطنبول. ولا يرجع ذلك فحسب إلى كون إسطنبول المدينة الأكبر في تركيا من حيث عدد السكان (تُشكل نحو 18% من إجمالي عدد سكان البلاد)، ومن حيث الثقل السياسي، بل أيضاً لأن المنافسة على رئاسة بلديتها تكتسب بُعداً يتجاوز الطابع المحلي للزعامة عليها إلى إعادة تشكيل السياسة الداخلية على نطاق أوسع. فمن جانب، ستكون انتخابات إسطنبول حاسمة في تحديد مستقبل حالة أكرم إمام أوغلو مرشح حزب "الشعب الجمهوري" ليس فقط على صعيد إسطنبول، بل أيضاً على صعيد دوره داخل حزب "الشعب الجمهوري" وطموحاته بالترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. ومن جانب آخر، ستكون انتخابات إسطنبول حاسمة في تحديد قدرة الرئيس رجب طيب أردوغان على إعادة ترميم زعامته والتعافي من الإضرار التي لحقت بها بعد خسارة الحزب الحاكم لإسطنبول وبعض المدن الكبرى الأخرى في انتخابات 2019.

يرتكز رهان التحالف الحاكم على استعادة السيطرة على بعض المقاطعات المهمة التي خسرها في انتخابات 2019 بالإضافة إلى أسنيورت مثل كوتشوك جكمجة وكارتل وساريير

علاوة على المنافسة على رئاسة بلدية إسطنبول، فإن المنافسة على رئاسة بلديات المقاطعات الـ39 فيها تكتسب أهمية أيضاً، لأن نتائج المنافسة على مستوى المقاطعات ستلعب دوراً حاسماً في تحديد نتائج المنافسة على رئاسة البلدية. وهنا، تبرز أهمية المقاطعات الكبرى كعامل حاسم في المنافسة. فعلى الرغم من أن حزبي "العدالة والتنمية" و"الحركة القومية" فازا في انتخابات 2019 بـ 25 مقاطعة مقارنة بـ 14 مقاطعة لحزب "الشعب الجمهوري"، إلا أن الأخير تمكن حينها من الفوز برئاسة البلدية الكبرى. ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى أن انتزاع حزب "الشعب الجمهوري" حينها لرئاسة بلدية أسنيورت المقاطعة الأكبر من حيث عدد السكان في إسطنبول وعموم تركيا ساعد إمام أوغلو في الفوز برئاسة البلدية. لذلك، فإن المنافسة في مقاطعة أسنيورت ستلعب دوراً حاسماً في تشكيل المنافسة على رئاسة البلدية الكبرى. وبعد الاتفاق بين حزبي "الشعب الجمهوري" و"المساواة وديمقراطية الشعوب" الكردي على سحب مرشح الأول علي جوكمان لصالح مرشح الحزب الكردي أحمد أوزر في أسنيورت، فإن الافتراض السائد أن هذا الاتفاق سيُعزز فرص أكرم إمام أوغلو للاحتفاظ بسيطرته على رئاسة البلدية الكبرى. مع ذلك، فإن المنافسة في المقاطعات الأخرى سيكون لها تأثير على المنافسة على رئاسة بلدية إسطنبول. ويرتكز رهان التحالف الحاكم على استعادة السيطرة على بعض المقاطعات المهمة التي خسرها في انتخابات 2019 بالإضافة إلى أسنيورت مثل كوتشوك جكمجة وكارتل وساريير.

في حين أن العوامل المؤثرة في المنافسة الانتخابية في إسطنبول على صعيد رئاسة البلدية الكبرى أو على صعيد رئاسة بلديات المقاطعات مُتعددة، إلا أن العامل الأكثر أهمية فيها يتمثل في خريطة التحالفات والمنافسة الحزبية. ومن المعلوم أن تحالف "الأمة" بين حزبي "الشعب الجمهوري" و"الجيد" ساعد إمام أوغلو على الفوز برئاسة البلدية في عام 2019 إلى جانب دعم حزب "الشعب الديمقراطي" الكردي وقتها لإمام أوغلو. لكنّ انهيار التحالف بين حزبي "الشعب الجمهوري" و"الجيد" في هذه الانتخابات يُقوض من قدرة إمام أوغلو على الاحتفاظ برئاسة البلدية. وهنا تبرز أهمية الأصوات التي سيحصل عليها حزب "الجيد" في انتخابات إسطنبول الحالية. في الانتخابات البرلمانية التي جرت العام الماضي، حصل حزب "الجيد" على 8.22% من أصوات الناخبين في إسطنبول. وفي حال تمكن الحزب من الحفاظ على هذه النسبة في الانتخابات المحلية أو رفعها، فإن ذلك سيعني حرمان إمام أوغلو من كتلة تصويتية مهمة وسيعني أيضاً بحكم الأمر الواقع، استفادة مرشح التحالف الحاكم مراد كوروم من هذه النسبة حتى لو لم تُصوت لصالحه.

يتركز رهان إمام أوغلو بدرجة أساسية في هذه الانتخابات على الكتلة الناخبة لحزب "المساواة وديمقراطية الشعوب" الكردي. وقد حصل الأخير في الانتخابات البرلمانية الأخيرة على 8.13٪ من الأصوات في إسطنبول. لكنّ ضمان تصويت هذه النسبة بكاملها لصالح إمام أوغلو في هذه الانتخابات يبقى محل شك لأسباب مختلفة. أولاّ، على الرغم من اتفاق الحزب الكردي مع حزب "الشعب الجمهوري" في مقاطعة أسنيورت، إلا أن الحزب الكردي قدّم مرشحاً خاصاً به لرئاسة البلدية الكبرى وإن لم يكن مرشحاً جدياً وهو ما يجعل من الصعب عليه توجيه كتلته الناخبة بأسرها لدعم إمام أوغلو ضمنياً إلا في حال قرر سحب مرشحه في اللحظات الأخيرة. وثانياً، يواجه حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب" خطر استنزاف مزيد من كتلته الناخبة بعد تراجع نسبة التأييد له في الانتخابات العامة العام الماضي بسبب دعمه لمرشح حزب "الشعب الجمهوري" للرئاسة حينها كمال كليتشدار أوغلو. وبالتالي، فإن تقديم مرشح غير جدي لرئاسة بلدية إسطنبول يُمكن أن يؤدي إلى رد فعل عكسية من جانب الناخبين الأكراد في المدينة.

الافتراض السائد أن معظم هذه الأحزاب لا سيما "الرفاه من جديد" و"السعادة" و"المستقبل" و"ديفا" ستستقطب أصوات محافظة بشكل يُضر بمرشح التحالف الحاكم مراد كوروم

وبالنسبة للتحالف الحاكم، الذي يبدو مستفيداً بقدر كبير من انقسام المعارضة في الانتخابات المحلية، فإنّه يواجه بعض المخاطر أيضاً خصوصاً أن الأحزاب الصغيرة ستلعب دوراً مؤثراً في تشكيل المنافسة على رئاسة البلدية الكبرى وعلى رئاسة المقاطعات كذلك. وهذه الأحزاب هي "الرفاه من جديد" و"السعادة" و"المستقبل" و"ديفا" و"النصر" وكلها قدّمت مرشحين عنها لرئاسة البلدية الكبرى وفي المقاطعات. والافتراض السائد أن معظم هذه الأحزاب لا سيما "الرفاه من جديد" و"السعادة" و"المستقبل" و"ديفا" ستستقطب أصوات محافظة بشكل يُضر بمرشح التحالف الحاكم مراد كوروم ويخدم مرشح حزب "الشعب الجمهوري" أكرم إمام أوغلو. لذلك، فإن قدرة هذه الأحزاب على الاحتفاظ بـ كتلتها التصويتية التي حصلت عليها في إسطنبول في انتخابات العام الماضي ستكون حاسمة في تشكيل المنافسة على رئاسة البلدية الكبرى. بينما يصعب معرفة الكتلة التصويتية لأحزاب مثل "السعادة" و"ديفا" و"المستقبل" في إسطنبول لأنها خاضت انتخابات 2023 على قوائم حزب "الشعب الجمهوري"، فإن حزب "الرفاه من جديد" حصل في إسطنبول على 3.3%. وبالتالي فإن هذه الكتلة التصويتية ستكون مهمة في المنافسة خصوصاً أن استطلاعات الرأي تُشير إلى تقارب شديد في المنافسة بين كوروم وإمام أوغلو.

أخيراً، تبقى الكتلة التصويتية المترددة في إسطنبول، والتي قدرت استطلاعات الرأي المختلفة نسبتها بأكثر من 10% كعامل آخر حاسم في المنافسة. والعوامل التي ستُشكل سلوكها التصويتي مُتعددة ولا يُمكن الجزم بأن أياً من المرشحين البارزين لرئاسة بلدية إسطنبول سيستفيد منها بقدر أكبر من الآخر.