عصبية طائفية أم تحالف مصالح؟

تاريخ النشر: 11.07.2021 | 07:11 دمشق

يستشهد الدكتور رضوان زيادة بكتاب "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة" للمفكر العربي عزمي بشارة في مقالتين نشرهما له موقع تلفزيون سوريا مؤخراً، ويتحدّث بهما عمّا سماه "العصبيّة العلوية". ينطلق الدكتور رضوان من فرضية الربط بين مفهوم الطائفية السياسية كما تحدّث عنه الدكتور عزمي ومفهوم العصبية القبلية كما طوّره ابن خلدون. لكنّ الحقيقة أنّ هذا الربط غير موجود على الإطلاق، بل على العكس، كان الدكتور عزمي قد نفى في هذا الكتاب إمكانية استخدام مفهوم العصبية القبلية لتفسير الصراع على السلطة في المجتمعات الحديثة. وكي تكون الصورة أوضح سأعمد لاقتباس فقرة طويلة نسبياً من هذا الكتاب بالرغم من تأثير ذلك على الحجم المخصص للمقال، وهو قصير نسبياً.

"لا تكمن المشكلة، إذاً في تعدديّة الانتماءات في حدّ ذاتها، بل تكمن في عمليّة بناء الأمّة، وتنظيم قواعد الانقسام والاختلاف التي تنتجها هذه العملية في دولة مؤسسية تحكمها القوانين بالفعل، من دون اختطاف مراكز قوة معينة لها. فإذا لم تمثّل السلطة المواطنين جميعاً، ولم تطرح مشروعاً للأمّة (بوصفها مجتمع المواطنين)، وإذا لم تطمح المعارضة إلى تمثيل الأمّة كلها، ولم تطرح لها مشروعاً، وإذا تلخّصت مصادر الشرعية والدعم لكليهما بقطاعات اجتماعية متمايزة عمودياً، أي تُعدّ انتماءات تبنى عليها سياسات الهوية، فإنّ المطروح ليس التعدديّة بل تنازع الجماعات. وخلافاً للدول القديمة، بوصفها حكم سلالة بعينها بعد أن تغلبت عصبيّتها على غيرها، فإنّ العصبيات من هذا النوع عدوّ الدولة الحديثة. فالدولة الحديثة تقوم على تمثيل كيان المجتمع عموماً، ولا تقوم على عصبية. وإنّ ما قد يحصل هو إنتاج الدولة سلالة أو عصبيّة في خدمتها (وليس العكس)، أي إنّ الدولة تنشئ العصبية وليست العصبية تقيم الدولة. وهذا عكس تصوّر ابن خلدون الذي يحاول بعض الباحثين تطبيقه على عصرنا. ولا أدلّ على ذلك من أنّ العشيرة قد تآكلت موضوعياً حال كونها بنية في عديد من البلدان العربية، لكن سلطة الدولة أعادت بعثها، ليس عبر إحياء العشائر المتآكلة بنيوياً، بل عبر بعث العشائرية أو القبلية."[1]

ويؤكد الدكتور عزمي في غير موقع من الكتاب، أنّ حافظ الأسد وصل إلى السلطة بفضل عدم طائفية حزب البعث وليس بفضل عصبية طائفته. "ولاحقاً، بعد الوصول إلى الحكم، استُخدِمَ الولاءُ عبر العشيرة والبلدة وحتى الطائفة إلى أن أصبح الولاء للزعيم عبر الطائفة واعياً لنفسه (ولا يُعبَّر عن هذا الولاء السياسي عبر الطائفة، بالرغم من وجوده، إلا عند الشعور بتهديد، كما في حال الثورات العربية عام 2011).[2]

والحقيقة أنّ النتائج التي توصل إليها الدكتور رضوان زيادة في مقالتيه المذكورتين، لا تستند إلى أرضيّة واقعيّة. فالثورة السورية التي تحوّلت في واقع الأمر إلى صراعٍ داخلي مسلّح، ثمّ مع دخول الجيوش الأجنبية واحتلالها أجزاءً من الأراضي السورية أو بنائها قواعد عسكرية بموافقة حكومة نظام الأسد إلى صراع دولي مسلّح، لم تعد موجودة إلاّ في ضمائر الثوار الحقيقيين من السوريين والسوريّات. وعلى الجانب الآخر، وبعيداً عن العواطف، كان الاصطفاف حول المصالح لا حول العقائد، إلى أن استفحل التدخّل الإيراني الذي ألبس أطماعه الإمبراطورية لبوساً طائفياً. لقد ساهم التجّار من جميع القوميات والأديان والطوائف ورجال الدين على مختلف أديانهم، بتعزيز سيطرة نظام الحكم الفردي لحافظ الأسد ومن بعده لابنه بشار، سواءٌ قبل الثورة أم بعدها.

إنّ القول بأنّ "العصبية العلويّة" هي التي ثبّتت نظام الأسد رغم ما مرّ به من أزمات عاصفة في الثمانينات من القرن العشرين وبعد الثورة عام 2011 لا يستقيم وواقع الأمور. لأنّ ذلك ينفي دور باقي العصبيات المجتمعيّة إن صحّ التعبير، وأهمها العصبيّة الناشئة عن الانتماء إلى مجتمع السلطة، الذي لا يحتكر الفوائد الماديّة الناتجة عن السيطرة على جهاز الدولة فحسب، بل بالشعور بتملّك الدولة والامتيازات المعنوية التي تعني التفوّق على الآخرين في المكانة، والإحساس بالفخر مقابل إذلال الآخرين المحكومين. وهذا ما كان السبيل الوحيد إليه مجرّد انتماء المرء إلى الطائفة العلويّة، بل تجذّر في الممارسة اليومية لسلوك شرائح واسعة من المستفيدين من نظام الحكم. لقد كان الفساد أحد أهمّ أدوات تعزيز مفهوم امتلاك الدولة، أو على الأقل امتلاك إمكانية الوصول إلى المتحكمين بمفاصل الدولة وسلطة صنع القرار فيها. ولم يكن هذا الأمر حكراً على العلويين، بل مارسه الفاسدون من كل الطوائف والأديان والقوميات في سوريا الأسد.

لقد جاء الدكتور رضوان زيادة بمصطلح "العصبيّة العلوية" لشرح مفهومه عن حالة الاستعصاء الوطني السوري، لكنّه بهذا يكون قد فتح الباب واسعاً أمام العصبيّات الأخرى، السنّية والدرزية والشيعية إسلامياً، وأمام العصبيّات الأرثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية مسيحياً، إضافة إلى العصبيات القومية المختلفة من كردية وتركمانية وأرمنية وعربية...إلخ. وهذا ما لا يمكن التكهّن بنتائجه، إن أصبح منهجاً للتحليل النظري أو سلوكاً للتعامل على أرض الواقع. إنّ الصراع الدائر في سوريا - في جوهره - ليس بين القيم فقط، قيم الكرامة والحرية والمساواة، أي قيم المواطنة، بل أيضاً هو صراعٌ بين المصالح المختلفة للشرائح الاجتماعية السورية من جهة، وبين المصالح والأطماع الإقليمية والدولية من جهة ثانية.

علينا جميعاً أن ننظر بعين الحزم لأطماع إيران خاصّة، فهذا التغلغل الرهيب والتغيير الديمغرافي الممنهج والعناد الاستراتيجي الهائل، لن يكون من السهل اقتلاعه بعد ثلاثة أعوام فما بالنا بعد عشرة أو عشرين. ليس من فائدة مرجوّة لأي من مكونات السوريين بهذا التغلغل، حتى ولو حسب البعض ذلك نصراً الآن. سيأخذنا هذا التسونامي جميعاً، وسنصبح مع مرور الأيام ورقة في يد ملالي طهران، كما هم الآن أتباعهم في اليمن والعراق ولبنان. لقد آن الأوان لقرع ناقوس الخطر الوطني بوجه الغول القادم من الشرق.

لن يفيدنا القفز عن أخطائنا – نحن السوريين جميعاً – ووصم فئة واحدة منّا فقط، هنا أو هناك، بأنّها أسّ المشكلة وأساسها، بل علينا أن ننظر إلى جوهر المصالح المتحالفة والمتصارعة بعمق أكثر، علّنا نستطيع الوصول إلى حلّ لهذا الصراع الدائر، والذي بات يقترب شيئاً فشيئاً من صفة التناحر المفضي من حيث النتيجة إلى نفي الآخر نهائياً، لا تقاسم فرص العيش معه. لدينا على جميع الجبهات من ينظر للآخر على أنّه عدوّ نهائي، كان كذلك منذ الأبد وسيبقى كذلك حتى الأزل، وهذا غير صحيح. إن سحب خلافاتنا الحالية على التاريخ وعلى المستقبل، ليس أكثر من تغليب إيديولوجيا مرحلية على مطلق لا نملك رؤية كلّ جوانبه. الصراع في جوهره قائم على المصالح لا على العواطف، التي هي بالنهاية جزء من أدوات تحقيق الأولى لا أكثر.


[1] عزمي بشارة – الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة – ص 285

[2] المرجع السابق – ص 39

شركات تعمل على تطوير لقاحات مضادة لمتحور كورونا "أوميكرون"
"الصحة السورية" تطالب المواطنين بالحذر من سلالة "أوميكرون"
22 دولة تغلق حدودها خوفاً من انتشار سلالة "أوميكرون"
فيصل المقداد: لولا علاقتنا مع إيران لكانت الأوضاع ملتهبة في الوطن العربي
بين عالَمين
الرحلة الجوية الأولى لـ "أجنحة الشام" بين مطاري دمشق وأبو ظبي