icon
التغطية الحية

صيدلانية سورية تدرب الجراحين الأوكرانيين على معالجة الحالات الحرجة

2022.07.29 | 11:52 دمشق

سيل
الدكتورة الصيدلانية السورية خولة السواح
جامعة كنتاكي - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

كانت الدكتورة الصيدلانية خولة السواح تشعر دوماً بأن هناك نداء يناديها لتمد يد العون للآخرين كما تمد يد العون لأهلها، وحتى تحقق ذلك، درست خولة الصيدلة، وحصلت على شهادتين في الصيدلة من جامعة كنتاكي، ومارست الطب السريري في سنسيناتي طوال فترة طويلة من العمل في تلك المهنة. ولكن في عام 2011، وعقب اشتعال الحرب في سوريا، عاشت خولة تجربة غيرت حياتها للأبد.

ولدت خولة لأبوين سوريين مهاجرين، ولهذا أخذت تراقب الحرب وهي تدمر بلدها، وهذا ما دفعها للخروج من مجال الطب السريري لتشرع بالعمل في المجال الإنساني، حيث أخذت تقدم الإغاثة الطبية والإنسانية الطارئة في كل من سوريا وتركيا.

وعن ذلك تقول: "تعود أصول أهلي، أي أمي وأبي لسوريا، التي عشت فيها فترة طويلة من طفولتي، لذا فإنني أعرف أحياء المدينة، ولدي أصدقاء وأهل هناك، لقد أثر مشهد قصفها في نفسي كثيراً، كما أنني أعرف أشخاصاً اعتقلوا أو حتى قتلوا هناك، لهذا شعرت بأن علي أن أقدم المساعدة على الفور".

ترأست خولة فريق إغاثة طبياً في سوريا طوال عقد كامل، وخلال تلك الفترة، كونت خبرة طبية تخصصية تتصل بالكوارث، والآن، ومع بداية الحرب في أوروبا الشرقية، أخذت تشارك خبراتها مع المتضررين من الحرب في أوكرانيا. إذ في مطلع حزيران الماضي، زارت خولة أوكرانيا بمساعدة أطباء وجراحين متطوعين من مؤسسة ديفيد نوت، وبقيت هناك لمدة أسبوعين، حيث ساهمت بتدريب 68 جراحاً أوكرانياً ومعالجة الإصابات القادمة من الجبهة في منطقة الحرب.

سيب

وحول تلك التجربة تحدثنا خولة فتقول: "إننا نعرف تماماً ما يحس به الأطباء والمدنيون الأوكرانيون وما يعيشونه.. إنها آثار الحرب الوحشية، ممزوجة بالخوف والعجز، وغموض المجهول، ولذلك قررنا مشاركة الخبرات التي اكتسبناها طوال 11 عاماً من الحرب في سوريا مع الشعب الأوكراني".

في عام 2015، أسست خولة برفقة آخرين اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية في الولايات المتحدة الأميركية، والذي دعم سوريا على مدار سنوات طويلة، وعملت فيه خولة رئيسة إلى جانب عملها كمديرة للبعثة الطبية في أوكرانيا.

وخلال تلك البعثة، استكمل ذلك الاتحاد ومؤسسة ديفيد نوت برنامج التدريب الجراحي في بيئة معادية، وذلك لدعم الرعاية الطبية على الجبهة، كما نفذا عمليات جراحية تخصصية وزار طاقمهما المشافي بهدف توسيع الخبرات الطبية لتشمل أهم المجالات التي تحتاج إليها البلاد.

وعن ذلك تحدثنا خولة فتقول: "سافر الدكتور منذر يازجي أحد مؤسسي اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية في الولايات المتحدة الأميركية إلى أوكرانيا في مطلع شهر نيسان لتقييم الاحتياجات الطبية للمجتمع هناك، وعندما لاحظ وجود نقص كبير، حمل العبء على عاتقه وعمل كميسر لتدريب أولي امتد لأربعة أيام في شهر نيسان، حضره 37 جراحاً أوكرانياً. إلا أن الحاجة كانت طارئة لدرجة جعلت الاتحاد ينفذ مهمتين طبيتين أخريين، وهكذا حشدنا جهودنا للمشاركة في البعثة الطبيعة الجراحية الأخيرة التي أجريت في مطلع شهر حزيران".

بدأت خولة وفريقها بالتسجيل من أجل تلك البعثة في أوكرانيا في شهر آذار الماضي وذلك لتأسيس منظمة إغاثية محلية في أوكرانيا. وبحلول شهر نيسان، أصبحت المنظمة مسجلة بشكل كامل، وتتلقى الدعم المالي والإداري من قبل ذلك الاتحاد، وحول ذلك تقول خولة: "من الأسهل تقديم الإغاثة على المستوى المحلي، ولهذا كان من الضروري أن نبدأ بتأسيس اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية في أوكرانيا، حتى بعد نهاية النزاع".

هذا ولقد اشتملت البعثة على إجراء تدريبات جراحية في البيئة المعادية تضمنت دورة تمتد لثلاثة أيام في دنيبرو بوجود 38 متدرباً، ودورة مماثلة في خاركيف، بوجود 30 متدرباً.

تعلق خولة على ذلك قائلة: "تحولت كلتا المدينتين إلى جبهة وتعرضتا لهجمات تسببت بوقوع الكثير من إصابات الحرب، ولذلك قدر لنا الجراحون ما قمنا به، وأخبرونا بأنهم استفادوا من تدريباتنا كثيراً".

إلا أن الجميع أقر بالحاجة إلى المزيد من الأمور، وعلى رأسها تأمين مأوى للأسر النازحة. ولكن في ذلك الحين، اكتشف أعضاء ذلك الفريق بأن هنالك حاجة ماسة ليس فقط لمعالجة إصابات الحرب، بل أيضاً من أجل الإجراءات السريرية البسيطة.

تحدثنا خولة عن ذلك فتقول: "كشف تقييم الاتحاد لشهر نيسان بأن الكنائس المحلية تستخدم كمأوى للعائلات واللاجئين، ولكننا لاحظنا بأن الخدمات الطبية الأساسية ليست متوفرة، كما قامت إحدى الكنائس بتأجيرنا لغرفتين خصصناهما للرعاية الطبية".

إن الهدف من تلك الرعاية السريرية هو دعم منظومة الرعاية الصحية الموجودة في البلاد خلال فترة الحرب، لاسيما في المجالات الأكثر تضرراً، وهذا ما دفع خولة للقول: "أصبحنا نقدم الخدمات الصحية في أوكرانيا، وكان كل ما يشغل بالنا هو الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، ومن هم بحاجة إلى أدوية معينة، لكن ليس لديهم المال لشرائها، أو لا يمكنهم الوصول إليها، وهكذا صرنا نقدم لهم تلك الأدوية، كما أجرينا تقييمات صغيرة أخرى بوساطة معدات طبية صغيرة مثل جهاز تخطيط القلب".

وعلى مدار شهر، أي خلال الفترة الواقعة بين آذار ونيسان، عاينت تلك العيادة أكثر من 800 مريض، إلا أن الاحتياجات تغيرت اليوم، ولهذا أغلقوا العيادة في شهر حزيران بشكل رسمي، ليركزوا على احتياجات أخرى ظهرت مع تغير مسار الحرب.

وعن ذلك تقول خولة: "إن القدرة على تقديم الرعاية السريرية في المكان الذي قدمناها فيه كان أمراً مهماً جداً، وذلك لأن النظم الطبية الموجودة لديهم بالأصل أصبحت تعج بالناس من النازحين ومن هم بحاجة إلى المعالجة، لذا صرنا نواصل تقييم الاحتياجات الحالية مع تغير الحرب، ولهذا أغلقنا بعض تلك العيادات التي كنا نعمل فيها، إلا أننا نتطلع اليوم لافتتاح عيادات متنقلة ومشفى متنقل لنتحرك مع الشعب الأوكراني بحسب احتياجاته، إلا أن كل ذلك سيبقى رهناً لحجم التمويل".

ذكرت خولة أن الشعب الأوكراني لا يحتاج إلى دعم إنساني وسريري وجراحين مدربين فحسب، بل أيضاً لا بد من مراعاة الأضرار الاجتماعية-النفسية التي ستمتد لسنين طويلة بعد انتهاء الحرب، وتتابع "قد يفكر الناس في بداية الأمر بالآثار الواضحة للحرب، مثل الإصابات الجسدية، ولكن غالبية الناس لا تفكر بالأمراض الخفية التي تخلفها الحرب على صحة المواطنين العقلية، ولهذا علينا ألا نعالج آثار الحرب فحسب، بل أيضاً اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق الذي قد يبقى مع الناس بعد انتهاء الحرب. إذ كما رأينا في سوريا، ستبقى الصحة العقلية هماً كبيراً، ليس فقط اليوم أو غداً، بل إنها قد تمتد لعشر سنوات ولهذا فإننا بحاجة إلى دعم شامل للصحة العقلية والنفسية".

بالإضافة إلى التدريبات التي أجريت في شهر حزيران الماضي، أقامت تلك المجموعة ورشة للصحة العقلية مخصصة للجراحين، حيث شرحت خولة بأنهم يتوقون لتقديم المزيد من مصادر الصحة العقلية، مثل تأمين استشاريين وجلسات الإرشاد، لخلق أثر إيجابي في حياة الشعب الأوكراني خلال السنوات المقبلة.

يذكر أن خولة حصلت على شهادة الماجستير في العلوم الصيدلانية عام 1994، وعلى شهادة دكتور صيدلاني في عام 1999 من كلية الصيدلة في المملكة المتحدة، ولذلك فهي تعزو جزءاً كبيراً من نجاحها إلى التدريب والتحضير الدقيق الذي تلقته في بريطانيا، وعن ذلك تقول: "بعد أن مارست العمل السريري بعد التخرج، أصبح بوسعي أن أكتشف وعلى الفور ما قدمته لي المملكة المتحدة في مجال التعليم، إذ كان بمقدوري تقييم الحالة كما يقيمها بعض الصيادلة الذين عملوا في المهنة لسنوات، ولهذا أجد بأن المملكة المتحدة قدمت لي الكثير، وأنا فخورة لتخرجي من إحدى جامعاتها، التي تعتبر من أفضل الجامعات على مستوى العالم".

ذكرت خولة بأن التدريب الذي تلقته في بريطانيا لإعدادها للعمل السريري بشكل فعال ساعدها على النجاح في العمل الإنساني، تلك المهنة التي ما تزال تلهمها وتدفعها للإنجاز في حياتها.

تقول خولة: "إن هذه التجربة التي عشتها في أوكرانيا كانت مشحونة بالعواطف بشكل كبير، كما منحتني الكثير، إذ بالرغم من قساوة العمل المضني هناك، عشت تجارب مع المدنيين دفعتني لأواصل العمل كل يوم، فالحرب بشعة، إلا أني شعرت بأن من واجبي مساعدة الأوكرانيين، تماماً كما شعرت تجاه أهلي في بلدي سوريا، ولهذا سنبقى على العهد في تقديم المساعدة".

إلا أن الأمور لم تقف عند هذا الحد بالنسبة لها، وذلك لأن الاتحاد سيواصل تقديم التدريب الأساسي في أوكرانيا والذي يشمل تدريبات أكثر تطوراً وأشد تنظيماً، إلى جانب تقديم دورات تدريب المدربين على تطوير مهارات الجراحين الأوكرانيين حتى لا يقتصر عملهم على معالجة الإصابات القادمة من منطقة الحرب فحسب، بل أيضاً ليعلموا زملاءهم كيف بوسعهم القيام بذلك. وسيواصل الاتحاد دعم الاتحاد المقام في أوكرانيا في مجال الرعاية الأولية، والتدريب الجراحي والصحة العقلية من الولايات المتحدة، وكذلك عبر بعثات طبية أخرى ترسل إلى أوكرانيا.

وهذا ما دفع خولة للقول: "نريد أن نسهم في إنقاذ الأرواح، إذ شعرنا بسعادة غامرة ونحن نرى الناس يأتون إلينا ليشكرونا على دعمنا لهم، لا سيما بعدما عرفوا من أين أتينا وماذا بقينا نعمل طوال العقد الماضي في سوريا... ولهذا نأمل أن نترك أثراً أكبر في أوكرانيا، وأن ندعم المدنيين من خلال الإغاثة الطبية والإنسانية، والأطباء والمتخصصين في مجال الرعاية الصحية الحاصلين على تدريب أساسي في هذا المجال، بالإضافة إلى دعم عمليات إنقاذ الأرواح".

 المصدر: جامعة كنتاكي