icon
التغطية الحية

صوت أوقف مباراة تبرع.. يوم وصل الفلسطينيون إلى حلب عام  1948

2023.01.05 | 14:19 دمشق

لاجئون فلسطينيون
لاجئون فلسطينيون ـ أونروا
تلفزيون سوريا ـ بثينة الخليل
+A
حجم الخط
-A

مشهد كأنه جزء من فيلم، أو رواية، لكنه حقيقي في كل تفاصيله. في الزمان والمكان والأشخاص، وتضيف إليه اللحظة الحالية مفارقة عجيبة، فالسوريون المنتشرون والمشردون في كل بقاع الأرض الآن، كانوا يستقبلون اللاجئين في بلادهم، ويساعدونهم على الاندماج في مجتمعهم والعيش الكريم فيه، بصورة مبتكرة وعبقرية.

قطار الفلسطينيين.. حلب المحطة الأخيرة

في الشهر الخامس من عام 1948 كان قطار يحمل فلسطينيين، وما يحملون من أمتعة وأثاث، يخترق بهم سوريا من أقصاها إلى أقصاها، ليوزعهم على المدن السورية. كان القطار يئن بحمولته، وكان في بداية رحلته بطيئاً لدرجة أن بعض الصبيان كانوا ينزلون منه، ويجرون بسرعة، فيسبقونه، يسبقون القطار، ثم يصعدون إليه ثانية.

كان القطار يتوقف في كل مدينة في طريقه، لينزل بعض من يحملهم، وتصبح تلك المدينة بلدهم المستقبلي، بناء على المصادفة، أو اختيار عشوائي، أو اختيار لأسباب بسيطة، كالتعب، أوالإعجاب بشكل المدينة الخارجي، أو لباس أهلها، أو لمجرد الإعجاب باسم المدينة. وهكذا اختار البعض النزول في دمشق، وآخرون في حمص، ثم حماة.. وحدهم من نزلوا في حلب لم يكن أمامهم خيار بين النزول أو الاستمرار لمحطة قادمة، فحلب كانت هي المحطة الأخيرة.

بعد النزول من القطار في حلب تم نقل القادمين الذين سيصبح اسمهم منذ تلك اللحظة "اللاجئون الفلسطينيون" إلى بلدة النيرب، التي تضم مطار حلب. وهناك، على أطراف المطار، أمضوا ليلتهم الأولى كلاجئين، وأدركوا حجم مأساتهم، ومرارة اللجوء.

مباراة تبرعات في حلب

في اليوم الثاني، تنادى وجهاء مدينة حلب، المشهورة بالنشاط التجاري والصناعي والازدهار العمراني، للتعامل مع هذا الحدث الجلل. وكان المجتمع الحلبي حينذاك، أكثر تنظيماً وقدرة من مؤسسات الدولة السورية التي كانت في العام الثاني فقط من عمر استقلالها.

وبمنتهى الكرم، أعلن عدد كبير من الوجهاء عن تبرعهم بالمال والمساعدات. وقامت بينهم مباراة في البذل أوقفها صوت الشيخ محمد سلقيني وكان في الثامنة والثلاثين من عمره، عندما صدم الحاضرين بقوله إن ما يفعلونه عمل نبيل، لكنه ليس الطريقة السليمة للتعامل مع هذا التحدي.

وعندما سئل عن الطريقة السليمة، قال: التبرع والمساعدة حل مؤقت ومهين ويستنزف قدراتكم، أما الحل الدائم والذي يحفظ كرامة القادمين، ويفيدكم ولا يستنزفكم، فهو تشغيل الرجال والشباب القادمين كل في صنعته.

وهكذا كان، توجه أرباب العمل إلى بلدة النيرب قرب حلب، جمعوا الرجال والشباب الذين أمضوا ليلة بؤسهم الأولى، سألوا كل واحد عن مهنته، وشغلوه في مهنته، أما أصحاب الشهادات (وكانوا كثر)، فقد تم توظيفهم في التعليم. ومن كان لا يحمل شهادته معه، أجري له امتحان، واعتبرت نتيجة الامتحان معادلاً للشهادة.

وبسؤالنا الدكتور إبراهيم سلقيني، حفيد بطل هذه الحادثة الشيخ محمد سلقيني (1910– 2001) عن نتيجة تصرف جده، قال: "كان لهذا التصرف أثر طويل الأمد على الطرفين، على أهل حلب، وعلى اللاجئين الفلسطينين، لقد حصل اندماج كامل للقادمين الجدد في النشاط الاقتصادي منذ الجيل الأول، وفي الجيل التالي والذي بعده حصل اندماج اجتماعي، ولم يعد ممكناً تمييز الفلسطينيين عن السوريين، بفضل الزواج وعلاقات النسب والمصاهرة. الدمج في المجتمع أدى لزوال وذوبان كل الفواصل. الشيء الوحيد الذي كان كالإسفين بين السوريين والفلسطينيين هو إطلاق النظام اسم فلسطين على أقبح فروعه الأمنية، فرع فلسطين، الذي كان يمثل رعباً لكلا الشعبين اللذين أصبحا شعباً واحدا".

هذه الواقعة اللافتة والتصرف العبقري، تدفع بالضرورة لمقارنة ما قام به السوريون في حلب مع اللاجئين الفلسطينيين، مع ما يعيشه اللاجئون السوريون اليوم من صعوبات في المجتمعات المستضيفة لهم.

سر نجاح الاندماج الفلسطيني الحلبي

سألنا الدكتور إبراهيم سلقيني، الذي يعيش اللجوء منذ سنوات في تركيا، عن سر نجاح تجربة الاندماج الفلسطيني في حلب، وإمكانية تكرارها في البلاد التي تستقبل السوريين الآن، فقال "هذا غير مستحيل ويمكن فعله في كل مجتمع، ولقد لمسناه بشكل واضح في السنوات الأولى من قدومنا إلى تركيا على سبيل المثال. ولكن المبادرة يجب أن تأتي من المجتمع المضيف، لأن الضيف لا يستطيع أن يطلق دعوات كهذه، فهي تكون أشبه بالتسول حينئذ".

مضى على مبادرة الشيخ محمد سلقيني 74 عاماً، وقد أدت إلى حل مشكلة ألوف اللاجئين الفلسطينيين بطريقة ضمنت لهم العيش بكرامة منذ اليوم الأول لهجرتهم القسرية، وقدمت للمجتمع المضيف يد عاملة ومتعلمين  حسَني التعليم، وهي مثال يمكن لعشرات المجتمعات المستضيفة للسوريين اليوم تعلم الدرس منه، وتكراره. ما يحتاجه اللاجئ أولاً وقبل أي شيء آخر هو فرصة العمل الكريم.