صفعة وداعيّة من "الأسد" لميشال عون

2022.10.30 | 07:20 دمشق

صفعة وداعيّة من "الأسد" لميشال عون
+A
حجم الخط
-A

هي صفعة سيّاسيّة بكلّ ما للكلمة من معنى. انتظرها الرّئيس اللبنانيّ ميشال عون من خصومه في الدّاخل، فجاءته من أحد "أصدقائه" الإقليميين رئيس النّظام السّوريّ بشّار الأسد.

يعرفُ آل الأسد كيف يصفعون الجنرال الذي تمرّد ذات يومٍ بين عاميْ 1988 و 1990 على حافظ الأسد. فجاءته الصّفعة من الجو من طائرة الميغ التي حلّقت فوق القصر الرّئاسيّ الذي كان يقطن فيه "العماد المُتمرّد"، ليُنهيَ تمرّده ويغادر حُطام القصر نحو السّفارة الفرنسيّة، وتدخل قوّات الأسد الأب إيذاناً ببدء مرحلةٍ جديدة في لبنان.

انقلبَت الأمور على مرّ السّنين. ماتَ حافظ الأسد وجاء بشّار. قُتِلَ رئيس الوزراء اللبنانيّ الأسبق رفيق الحريري وعادَ عون راكباً موجة 14 آذار إلى لبنان. بعد عودته بسنتيْن ونيّف حطّت سيّارته في قصر المُهاجرين ليُصافح نجل الرّجل الذي طرده من حلمه الرّئاسيّ في 13 تشرين الأول 1990.

عادَ عون من السّعوديّة، والأسد لا يزال حتّى اللحظة ينتظر الزّيارة التي لم تحصل بسبب خوف عون من الولايات المُتحدة وعقوبات قيصر

اعتقدَ عون أنّه صارَ والأسد الابن "أعزّ الأصحاب". لكنّه لم يُدرك منذ ذلك الحين أنّ الابن لا يختلف عن أبيه، فالنّظرة واحدة إلى لبنان وإن اختلفت الظّروف: "الكلمة لآل الأسد".

دخلَ عون قصر بعبدا في 2016 كرئيس للجمهوريّة. هاتفَ الأسد ووعده بـ"زيارة رئاسيّة" قريبة بعد أن يزورَ السّعوديّة. عادَ عون من السّعوديّة، والأسد لا يزال حتّى اللحظة ينتظر الزّيارة التي لم تحصل بسبب خوف عون من الولايات المُتحدة وعقوبات قيصر.

يُغادر عون قصر بعبدا ليعود إلى منزله في الرّابية في المتن الشّماليّ، وقرّر في أواخر عهده أن يرفع سمّاعة الهاتف ويتّصل برئيس النّظام السّوريّ ويُبلغه أنّ وفداً لبنانيّاً سيزور دمشق لمناقشة "ترسيم الحدود" البحريّة بين لبنان وسوريا، بعد أن أنُجِزَ ملفّ الترسيم مع إسرائيل.

سارع فريق الرّئيس اللبناني إلى تسريب خبر أنّ الوفد اللبنانيّ سيزور دمشق الأربعاء، فعاجله النّظام السّوريّ قبل ساعات من الزّيارة بتسريب خبر عن "مصدرٍ" في وزارة الخارجيّة التابعة للنّظام يفيد أنّ جدول أعمال مسؤولي النّظام مزدحم بالمواعيد ولن يكون بإمكانهم استقبال الوفد اللبنانيّ.

صفعةٌ وصلَ صداها قصر بعبدا. خابَ ظنّ الرّئيس اللبنانيّ. لكنّه في الحقيقة لم يعلم أنّه ارتكبَ خطيئة عند آل الأسد يوم قرّر ترسيم الحدود وبدء خطوة نحو التطبيع مع إسرائيل من دونهم. تناسى عبارة الأسد الأب: "وحدة المسار والمصير، وشعب واحد في دولتيْن".

غريمه الرّئاسيّ سليمان فرنجيّة هو صديق شخصيّ للأسد الابن. ومن يعلم كيف تُدار الأمور عند النّظام السّوريّ، يعلم مدى مكانة "الأنا" على حساب "المصحلة"

أراد بشّار الأسد الذي لم يتوانَ عن "قصف" أبناء شعبه، أن يُسقِطَ برميلاً متفجّراً على أحلام ميشال عون وصهره جبران باسيل الذي يُحاول أن يقول للدّاخل اللبنانيّ "إنّه شخص عابر للحدود"، تمهيداً لبدء معركته الرّئاسيّة.

أغفلَ جبران باسيل، الذي حاول خلال الأشهر الماضية زيارة دمشق دون أن يوافق أركان نظام الأسد على الزيّارة، أنّ غريمه الرّئاسيّ سليمان فرنجيّة هو صديق شخصيّ للأسد الابن. ومن يعلم كيف تُدار الأمور عند النّظام السّوريّ، يعلم مدى مكانة "الأنا" على حساب "المصحلة".

يُضاف إلى كلّ ما سلف أنّ الآمر النّاهي في سوريا، أيّ روسيا، لا تريد إنجاز ملف ترسيم الحدود بين دمشق وبيروت. فالرّئيس الرّوسيّ الذي يخوض حربه ضدّ الغرب في أوكرانيا لن يوفّر فرصة لقطع الطّريق على أوروبا في رحلتها للبحث عن مصادر بديلة للغاز الرّوسيّ.

يدخل في هذا الإطار إبقاء المساحة بين لبنان وسوريا منطقة متنازعاً عليها منعاً لأيّ محاولة أميركيّة - غربيّة للاستفادة من البلوكيْن 1و2 اللبنانيين اللذين يقعان في المنطقة المتنازع عليها مع سوريا.

كذلك يسأل عارفون: لماذا يُعطي الأسد لبنان حلّاً مجانياً طالما أنّ بإمكانه المُقايضة و"تقريشه" إقليميّاً ودوليّاً؟

ويقول العارفون السّياسيّون أنفسهم إنّ قرار دمشق يحمل في طيّاته رسالة إلى حليف ميشال عون الأساسيّ، حزب الله اللبنانيّ، مُفادها أنّه إذا كنتم شاركتم في حرب النّظام ضدّ الثّورة السّوريّة، فهذا لا يعني أنّ الطريق مُعبّدة لفرض الطّلبات السّياسيّة، على قاعدة "العين لا تعلو عن الحاجب".

متشعّبة هي مسألة ترسيم الحدود بين لبنان ونظام الأسد. تتداخل فيها العوامل الدّوليّة، والحسابات الشّخصيّة، والسّياسة اللبنانيّة الدّاخليّة. لكنّ أمراً واحداً واضحاً وضوح الشّمس ولا شكّ فيه أنّ النّظام السّوريّ لن يُغيّر معاملته لحلفائه اللبنانيين مهما طال الزّمن ومهما ضعف: "العصا لمن عصى، والبرميل جاهزٌ متى دعت الحاجة لإسقاطه فوق الرّؤوس".