سعاد قطناني تفتح "الشرّاقة" وتوقّع كتاب أوجاع السوريين ومخاوفهم

تاريخ النشر: 07.06.2021 | 09:39 دمشق

آخر تحديث: 07.06.2021 | 09:42 دمشق

أحمد طلب الناصر

يبدو أن الكاتبة والإعلامية سعاد قطناني لم تكتفِ بتحفيز ذاكرة حماسنا وإثارة دهشتنا الوجدانية من خلال برنامجها الاستثنائي والمتفرّد "يا حرّية" الذي شكّل إحدى العلامات الفارقة في مرحلة مهمة من مراحل تاريخ الإعلام السوري البديل عموماً وتلفزيون سوريا على وجه الخصوص؛ فقرّرت الغوص عميقاً في تفاصيل غالباً ما يقف العمل المهني عاجزاً عن سبر أغوارها وإجلاء صورتها الحقيقية.

 ولأن الكلمة أصل الحكاية والوصف، فتحت سعاد "شرّاقتها" لتبثّ من خلالها كل ما قيل وما لم يُقل في برنامج "يا حرية" من أحداث ظاهرة وهواجس خافية، لا تتعلّق بالمعتقلين والمعذّبين الذين سار البرنامج في فلكهم فحسب وإنما بجميع ما أصاب السوريين على مدار خمسة عقود .

الشرّاقة..

اسمٌ اختارته الكاتبة بمنتهى العناية والدقة والذكاء، ليكون عنوان "بَوْحِها" وفاتحة كتابها، فهي تدرك تماماً دلالات هذا الاسم عند كل من ذاق طعم الزنازين الأمنية بدولة الرعب الأسدية.

فتحة صغيرة بمساحة دفتر تخترق جدار الزنزانة، أو سقفها، أو بابها الحديدي الذي فُصّل خصيصاً ليستوعب تلك الفتحة وليس العكس! فصوت صليل الحديد أثناء سحب باب الشرّاقة كفيل بانتزاع أرواح معتقلين او إصابتهم بسكتة دماغية.

وبالرغم من ذلك، تتجه أنظار المعتقلين وعيونهم الغائرة صوب تلك الفتحة، فهي الشيء الوحيد الذي يذكّرهم بأن ثمة عالما مختلفا على الطرف الآخر من الزنزانة، لتغدو تلك الشرّاقة، بكل ما تحمله من رعب، فتحة الأمل الوحيدة.

إطلاق الكتاب

"هذه الحكايات لم تكن حكاية سجن وسجان فقط بل هي حكاية سوريا، بناسها وأحلامهم وآمالهم ومخاوفهم، هذه الحكايات وأوجاعها امتدت على مدى خمسين عاماً وأكثر" تحدثنا سعاد التي احتفت أول أمس السبت، بإطلاق الكتاب وتوقيعه وسط حشد من الأصدقاء والضيوف وبعض أبطال الحكايات، في مكتبة بقلب مدينة إسطنبول.

 

 

وفي بداية حفل التوقيع، ألقى "محمد طه العثمان" كلمة دار "موزاييك" التي صدر عنها الكتاب. ثم تناولت الكاتبة في كلمتها الحديث عن دوافعها لإنجاز الكتاب، وعن حيثياته ومضامينه والظروف التي أحاطت بجمع معلوماته.

وشارك المعتقل السابق وأحد ضيوف برنامج "يا حرية"، أحمد حمادة، في كلمة تحدث من خلالها عن تجربة اعتقاله والظروف التي مر بها عقب نجاته من الاعتقال، وعن تجربة قطناني وبرنامج يا حرية الذي ظهر فيه عبر حلقتين كاملتين. كما أعرب عن حزنه لعدم وجود هيئة أو جهة ترعى المعتقلين وتهتم بشهاداتهم ومتابعة شؤونهم.

 

سعاد2.jpg

 

"واجبي متابعة نشر ما يجري في أقبية الأسد"

"منذ لحظات التحضير الأولى لبرنامج (يا حرية) شعرت أن هذا الجهد وهذه الشهادات يجب أن تدون كلها، وكان البرنامج بطابعه التوثيقي المرئي لا يحتمل كل ما قيل قبل وأثناء تسجيل البرنامج" تقول قطناني في حديث لـ موقع تلفزيون سوريا، وتضيف: "فكان لزاما علي أن أكتب كل ما طُرح وما لم يطرح في البرنامج لأتابع واجبي في نشر ما يجري في سجون الأسد وأقبيته".

وتشير إلى أن الكتاب الحالي (370 صفحة) هو الجزء الأول فقط وسيتبعه جزء ثان لاحقاً. وخصصت الإهداء فيه "للمعتقلين الذين رحلوا في أقبية الأسد المعتمة ولم نسمع حكاياتهم".

وأشارت الكاتبة إلى أنها قدّمت في الصفحات الأولى من هذا الكتاب "عبارات الشكر والعرفان للناجين الذين منحوني ثقتهم ولتلفزيون سوريا وللشبكة السورية لحقوق الإنسان".

اثنتا عشرة حكاية.. اثنا عشر وَجَعاً

وتتابع الكاتبة حديثها: "في هذا الكتاب سأقص اثنتي عشرة حكاية موجعة، استندت على شهادات كل من: فدوى محمود، ورياض أولر ومالك داغستاني، ومحمد برو، وتهامة معروف، وحسن النيفي، وإبراهيم بيرقدار، وعمر الشغري، ومصطفى خليفة، ورزان محمد، وباسل هيلم، ونظمي محمد".

المنهجية

قبل أن تجري قطناني اللقاءات مع أصحاب الشهادات، حددت خمسين اسماً لمعتقلين ومعتقلات في سجون الأسد، ووثقتها، وتأكدت من مصداقيتها من قبل الشبكة السورية لحقوق الإنسان وهيومن رايتس ووتش وأمنستي وغيرها، وكذلك من معتقلين سابقين كانت تعرفهم. كما اطّلعت على تقارير تلك المنظمات بما يخص التعذيب والسجون في سوريا.

وبعد مطابقتها المعلومات مع أسماء وصفات الشخصيات، أنشأت لكل واحد منهم ملفاً لخصت فيه التجربة ومكان الإقامة وما يميز كل تجربة عن غيرها، والفترة الزمنية التي تم فيها الاعتقال، إضافة لحكايات سمعتها أو قرأتها عن المعتقل أو المعتقلة، وتواصلت في نهاية المطاف مع عشرين شخصية. الكتاب الحالي -الجزء الأول- يضم اثنتي عشرة تجربة منها.

معتقلون ولقاءات حول العالم

وبعد التحديد النظري، تصف قطناني الخطوات العملية التي اتّبعتها في جمع المعلومات، فتقول: "اعتمدت إجراء اللقاءات في بيوت الناجين، أي أني لم أختر أي مكان خارجي، بما يعطيني صورة جيدة عن حياتهم وتفاصيلها القريبة من الواقع الذي يعيشونه؛ وفي أغلب اللقاءات التقيت بعائلات المعتقلين والمعتقلات وهذا أعطاني المزيد من الدفق في قص الحكاية والدخول في التفاصيل".

وتذكر أنها في ظروف نادرة جداً، ولأسباب لوجستية، كان من الصعب عليها الوصول إلى أماكن إقامة بعض المعتقلين أو المعتقلات لتضطر إلى تحديد مكان يناسب الطرفين.

وتتابع: "سافرت إلى مناطق كثيرة في تركيا لألتقي بأبطال كتابي داخل بيوتهم، وسافرت إلى فرنسا وريفها وإلى مناطق نائية تم فرز اللاجئين إليها. وصلت إلى ألمانيا وجبت العديد من مدنها، وكذلك السويد. كما سافرت إلى العديد من البلاد العربية لتكون أماكن إقامة الناجين جزءاً من الشهادة والحكاية بكل ما تحمله من تفاصيل".

وتلفت سعاد إلى أنه "في كل هذه اللقاءات تم الترحيب بنا واستقبالنا وكأننا نزور بيتاً من بيوت أهلنا وإخوتنا.. وهم كذلك".

"حوّلت الوجع إلى كلمات.."

تواصل صاحبة الشرّاقة حديثها فتقول: "في هذا الكتاب، سمعت تسجيل اللقاءات وأعدت كتابتها، ثم أعدت صياغتها. لم أفرّغ النص، بل فرغت الكثير من وجعٍ روحي وحوّلته إلى كلمات على سطح الورق، لتغدو تلك الكلمات سرداً متواصلاً بدون انقطاع.. لتغدو حكاية ورواية من آلام وجراح تنفتح على أسئلة ليس لها جواب..".

وتختم: "حافظت قدر المستطاع على روح أصحاب الشهادات وروحية النص الأصلي. استخدمت ذات العبارات التي جاءت على لسان أصحابها.. سردتها في قالب روائي مع حرصي التام على نقل شهاداتهم بكل أمانة".

سيرة

سعاد قطناني، كاتبة وإعلامية فلسطينية- سورية، من مواليد مدينة اللاذقية.

تحمل إجازة في كلية الآداب قسم اللغة الإنكليزية بجامعة دمشق، بالإضافة إلى شهادة في أساسيات الإعلام والاتصال من كلية كونستوغا في كندا.

 عملت في إعداد وتقديم العديد من البرامج السياسية والاقتصاديــة والثقافيــة في مؤسسات إعلامية عدة، من بينها قنــاة بي بي سي عربي اللندنية وتلفزيون سوريا في إسطنبول. لها كثير من المقالات في صحف ومواقع عربية ودولية عدة أخرى.

صدر لها ثلاثة كتب:

(BBC انكسار الصورة) 2018- المؤسسة العربية للدراسات/ لبنان.

(عشرٌ عجاف) 2021- دار موزاييك للدراسات والنشر/ إسطنبول.

(الشرّاقة.. ما قيل وما لم يقل في برنامج يا حرية) 2021- دار موزاييك.