زلزال "إعادة تأهيل" الأسد

2023.02.19 | 06:43 دمشق

وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي يزور بشار الأسد عقب الزلزال ـ رويترز
+A
حجم الخط
-A

يتوقع الأسد أن يحصد "إيجابيات" الزلزال كما ذكر في خطابه عبر إعادة تأهيله عربيا ودوليا، فهو يفكر اليوم كيف يمكن تحويل التعاطف العربي والدولي مع سوريا إلى تطبيع مع الأسد ونظامه، يعتبر نفسه ممثل سوريا في الأمم المتحدة، وبالتالي يجب أن تصرف الأموال له وأن يتقبل التعازي هو شخصيا باسم الذين قتلوا من الزلزال، ولو كان الذين قتلهم عبر البراميل المتفجرة والتعذيب يفوق أعداد قتلى الزلزال بأضعاف.

استقبل الأسد مكالمة السيسي رئيس مصر واستقبل وزير خارجية الأردن، ويستطرد إعلامه بالحديث عن البرقيات التي تصله بشكل يومي في إشارة إلى إعادة الاعتبار لشرعيته وفي محاولة بائسة لتثبيت نظامه، لكن اقول له أن كل هذه المحاولات ستفشل مجدداً.

فقد اكتشف العالم بعد خمسة أيام من الزلزال أن الضحايا الأكثر عددا هم في الشمال السوري في المناطق التي لا يسيطر عليها النظام بل يمنع وصول المساعدات إليها، وهو لذلك عمدا تجنب ذكر إدلب في تعداده للمناطق المتضررة، وبالتالي إذا كان الهدف مساعدة السوريين في نكبتهم فمن الأفضل إرسال المساعدات فورا إلى الشمال السوري وبالتنسيق مع تركيا دون الحاجة بالمرور عبر الأسد في دمشق.

ولذلك تحول التركيز الإعلامي عل تلك المناطق التي فقدت الغالي والنفيس بعد عقد من اللجوء والتهجير وكان المصير الموت بالزلزال وبدأ الإعلام العربي والدولي يركز على تلك المناطق أكثر بوصفها الأكثر تضرراً من الزلزال، وهي بأشد الحاجة للمساعدة وإعادة الإعمار.

لذلك ستفشل محاولات بعض الأنظمة العربية في محاولة إظهار الود والتعاطف أو إعادة العلاقات السياسية والدبلوماسية مع النظام السوري، بالرغم من أن بعضها اتخذ علنياً موقفاً حاداً من نظام الأسد وجرائمه بحق الشعب السوري مع بدء الثورة السورية عام 2011، بل وحتى شارك في دعم المعارضة السورية السياسية منها أو العسكرية مثل الإمارات التي تقود اليوم قاطرة التطبيع مع نظام ألأسد على المستوى العربي.

وإذا حافظ الموقف السعودي والقطري على صموده فهو سيمنع نظام الأسد من العودة إلى جامعة الدول العربية بكل تأكيد، فقد جمدت جامعة الدول العربية عضوية عدد من الدول العربية خلال تاريخها والأشهر في هذا الإطار كان تعليق عضوية مصر بعد معاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979، وبالتالي فتعليق عضوية النظام السوري في عام 2012 لم تكن جديدة في هذا الإطار وكان سبقها تعليق عضوية نظام القذافي في ليبيا مع بدء الربيع العربي، كلتا الحالتين كانت تقوم على العنف الأقسى الذي مارسه النظامان الليبي والسوري بحق شعبيهما مع بدء المظاهرات السلمية في عام 2011 والتي تطالب بإدخال إصلاحات سياسية جذرية على شكل النظام السياسي بما فيها الحق في تغيير الرئيس وانتخابه شعبياً.

وطالما أن نظام الأسد لم يقم بتطبيق القرار 2254 فليس هناك مبرر سياسي في عودته للجامعة، فالزلزال ليس مبررا للأسد للتطبيع معه على جثث وضحايا السوريين.

وطالما أن نظام الأسد لم يقم بتطبيق القرار 2254 فليس هناك مبرر سياسي في عودته للجامعة، فالزلزال ليس مبررا للأسد للتطبيع معه على جثث وضحايا السوريين.

ربما هناك بعض الدول العربية التي تتحين الفرصة من أجل التطبيع مع الأسد مثل مصر حتى تعلن تغييراً كاملاً في موقفها السياسي بناء على موقفها الجديد وتحفظاتها القديمة ضد الربيع العربي وثوراته وهو ما وجدناه في مكالمة السيسي مع الأسد مما يكشف أن المحور المتشكل ضد الربيع العربي اتخذ خطوة أبعد بضم بشار الأسد إلى هذا المحور بعد أن كان متحفظاً بسبب الرأي العام العربي داخل الدول العربية على المجازر العلنية التي ارتكبها الأسد بحق الشعب السوري ونقلت عبر الأثير العربي وعلى قنوات التلفزة العربية بشكل مباشر وآني مما خلق انطباعاً شعبياً عربياً بفظاعة ما ارتكبه الأسد وصعوبة قبوله أو تأهيله مجدداً. رغم عدم وجود محكمة إقليمية عربية وعدم وجود ولاية قضائية لمحكمة الجنايات الدولية لمحاكمته وإدانته قانونياً.

لا يمكن التكهن بالمستقبل، بمعنى أن لا أحد يضمن عملياً عدم ارتفاع أصوات غربية تنادي بالحوار مع الأسد في المستقبل لا سيما بعد الزلزال، لكن المشكلة الرئيسية تكمن في تكلفة أو الثمن السياسي لهذا الحوار، فالأسد اليوم بعيون المجتمع الدولي – ربما باستثناء الرئيس بوتين – هو مجرم حرب بعد كل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها ضد الشعب السوري، وهو ما وثق في مئات التقارير من مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، والجمعية العامة للأمم المتحدة ولجنة التحقيق الدولية المستقلة وغيرها الكثير الكثير من المنظمات الدولية، وبالتالي تكلفة أي دعوة للقاء بالأسد أو مساعدته ستكون مكلفة للرأي العام الغربي، وبالمقابل ليس هناك ضمانات أنه سيحصل على أي شيء مفيد بالمقابل من الأسد.

وبالتالي قدرة روسيا على  إعادة تأهيل النظام السوري تصطدم بعقبة رئيسية وهي الرأي العام الغربي الذي لن يتقبل أية محاولة لتعويم "مجرم حرب" أضحت جرائمه في كل بيت وعلى كل هاتف (بسبب ثورة التواصل الاجتماعي) وخلف ذلك بالطبع تقف مجموعة من التشريعات والقوانين في البرلمانات والكونغرس الأميركي التي تجعل قضية أي اتصال مع حكومة الأسد أو حتى رفع العقوبات عنه من المستحيلات في الوقت الحالي.

ولذلك عندما طرح الرئيس الروسي بوتين على الرئيس الأميركي ترامب خطته لإعادة الاستقرار في سوريا بدا ترامب غير مشجع في أحسن الأحوال وبدت أولوياته مختلفة ولذلك ما أعلن في المؤتمر الصحفي أنهما اتفقا على "أمن إسرائيل"[1] فحسب، ولذلك عندما أرسل قائد القوات الروسية رسالة إلى رئيس هيئة الأركان الأميركية رسالة تدعوه فيها للمشاركة في عملية إعادة الإعمار في سوريا لم تجد الرسالة إلا رداً فاتراً[2].

المقترح الروسي كان يشير بواقعية إلى أن النظام السوري " يفتقر إلى المعدات والوقود والمواد الأخرى والتمويل اللازم لإعادة بناء البلاد من أجل قبول عودة اللاجئين". فكان الرد الأميركي غير المباشر على لسان المتحدثة باسم الخارجية "لن تدعم الولايات المتحدة عودة اللاجئين إلا عندما تكون آمنة وطوعية وكريمة". وهو ما تدركه روسيا اليوم أن ملايين اللاجئين السوريين لن يعودوا وبالحقيقة ليس لهم بيوت ليعودوا إليها بعد أن دمر الأسد بيوتهم ومنازلهم وقراهم ومدنهم، ولذلك يبدو الموقف الأميركي والأوربي صلباً حتى الآن وأن إعادة الإعمار وعودة اللاجئين إنما ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالانتقال السياسي، وطالما أنه ليس هناك انتقال سياسي فلن تساهم الدول الغربية في دفع "أرباح جرائم الحرب" التي اقترفها الأسد ضد شعبه.

 

 

[1] Yury Barmin, What does the Helsinki summit mean for Syria?, Aljazeera, 17 Jul 2018, see the link at https://www.aljazeera.com/indepth/opinion/helsinki-summit-syria-180717132946181.html

[2] Arshad Mohammed and Phil Stewart, Despite tensions, Russia seeks U.S. help to rebuild Syria, Reuters, AUGUST 3, 2018, see the link at https://www.reuters.com/article/us-usa-russia-syria-exclusive/exclusive-despite-tensions-russia-seeks-u-s-help-to-rebuild-syria-idUSKBN1KO2JP