رياض الريس: رحيل صحفي المسافات الطويلة

رياض الريس: رحيل صحفي المسافات الطويلة

رياض الريس: رحيل صحفي المسافات الطويلة

تاريخ النشر: 27.09.2020 | 18:13 دمشق

"وأنا بقيتُ أطاردُ ظِلَّ التاريخ من بلد إلى آخر.غير أنني لم أصل إلى سوريا. لم أصل قط إلى الحدث السوري. بلادي القريبة، والتي بت اليوم بعيداً عنها، شأن أي لاجئ، في أشد لحظات بلادي وحدة ومرارة." رياض نجيب الريس

سيحزن رف الكتب المخصص لتاريخ سوريا في المكتبة برحيل ناشر كبير وصحفي مشاغب، وسيفتقد عالم الكتب صحفياً مثل رياض نجيب الريس الذي غادر عالمنا أمس عن عمر 83 عاماً، هو الذي قدم عبر دار رياض الريس ومجلة الناقد العديد من الإسهامات الثقافية المهمة لمجال النشر العربي.

يحكي لنا رياض في أحد مقالاته عن لحظة إصابته بالفشل الكلوي تزامنا مع بداية الثورة السورية، تعطلت الكليتان في الأسبوع الأول لأحداث درعا، مما يعني أنه حظي من ذلك الوقت بصديق جديد، هو ماكينة غسيل الكلى، وأنه سيقوم برحلة بصورة منتظمة للمستشفى ثلاث مرات في الأسبوع، سيلغي ساعتها جدول أعماله المزدحم بالأسفار، وهو الذي تمنى أن يعود لزيارة البلاد التي كتب عنها قديماً مثل فيتنام وحضرموت، ليجدد الكتابة عنها.

لم تغفل عينا رياض نجيب الريس حدثاً منذ منتصف خمسينات القرن الماضي. ولم يعتذر أمام مناسبة كبرى أو حرب أو انقلاب أو غزو. أما عند مرضه، فكان عليه أن يكون بطريقة ما غائباً ثلاث مرات في الأسبوع، غائباً لا عن العالم وحسب، بل عن سوريا تحديداً. سوريا التي عنت له أكثر من أي وقت. لقد عبر عن الأمر بمنتهى الألم "أنا مجبر في كل مرة على أن آخذ قسطاً طويلاً من الراحة قبل أن أعود إلى وعيي لأراقب سقوط العالم في بلادي".

يعبر رياض الريس عن عمق حنينه إلى سوريا الذي يجتمع فيه حنين الإنسان وحنين الناشط السياسي بالقول: "ألوّح لسوريا وهي تبتعد. سوريا التي كان لعائلتي دور أساسي في استقلالها، ما يزيد من شعوري بأنها توءمي. كما لو أن مصاباً واحداً ضرب جسدينا معاً." وهو يشير هنا إلى دور والده نجيب الريس مؤسس جريدة القبس السورية والذي كان مشاركاً في الكتلة الوطنية.

لقد شاهد رياض الريس أطفال درعا، ورأى ضخامة الوحشية التي تعرض لها الأطفال من نظام الأسد، وجعلته المشاهد القاسية يشعر بأنه عاش طفولة سوريا مترفة، يتذكر بيته الأول في حي بستان الرئيس بالشام، ينشر الصحف على حبال الغسيل في القبو، ويخرج إلى الشوارع التي لم يكن لحزب البعث أثر فيها أو سلطة، ويخط الشعارات على حيطانها رفقة الأولاد الآخرين.

قدم رياض الريس للقارىء العربي العديد من الكتب والدراسات عن الخليج العربي والجزيرة العربية بسبب اهتمامه بهذه المنطقة مبكراً

بدأ حياته الصحفية من جريدة الصياد، ثم عمل محرراً في قسم الاقتصاد في جريدة النهار ذلك القسم الممل على حد وصفه فهو حيوان سياسي بتعبير أرسطو، ومن سيرته وأحاديثه يبدو حلس أخبار ينتعش بالعيش في قلب الأحداث التاريخية وتكمن متعته في الكتابة الصحافية، بل إن رياض الريس طلب من غسان تويني رئيس تحرير النهار أن يغطي الحرب بين الجمهوريين والملكيين في اليمن، وأن يذهب للبلاد التي لا يفضلها الصحفيون الآخرون.

قدم رياض الريس للقارىء العربي العديد من الكتب والدراسات عن الخليج العربي والجزيرة العربية بسبب اهتمامه بهذه المنطقة مبكراً، فهو متابع للأحداث السياسية فيها، يسمع برحيل الشيخ شخبوط وصعود الشيخ زايد فيطير إلى أبو ظبي ليكتب عنها، ويرى رحيل السلطان سعيد بن تيمور في عمان فيذهب رياض الريس لعمان لمقابلة السلطان قابوس والكتابة عن عمان، لقد عاصر مرحلة الخروج البريطاني من منطقة الخليج العربي في البحرين وغيرها من دول الخليج العربي.

 يحكي لنا فرانك ميرامييه في كتابه "الكتاب والمدينة: بيروت والنشر العربي" عن خروج رياض الريس من بيروت عام 76، ليستقر في لندن، حيث أصدر بعد سنتين مجلة المنار الأسبوعي، وخلافاً لدار الساقي حرص نجيب الريس على ألا تكون دار النشر مهتمة بالترجمات في بداية نشأتها وأن تهتم بالكتاب العربي.

يسرد نجيب الريس سيرته في كتابه "آخر الخوارج: أشياء من سيرة صحافية" وقصة تفكيره في دار النشر عندما شعر أن السنوات تمر دون أن يصدر في العالم العربي كتاب يلفت الأنظار، كان هذا بعد الحرب الأهلية اللبنانية، لذلك فكر في إنشاء دار نشر عربية من لندن، فكر في هذه التجربة لأنها لا تحتاج إلى رأسمال ضخم مثل الصحافة، كتب نداء للمؤلفين العرب للمشاركة معه في هذا المشروع، وتلقى خلال ثلاثة أشهر ما يزيد على 80 مخطوطة من 80 كاتباً لا يعرفهم، وفي موضوعات تتراوح بين السياسة والتاريخ والمذكرات والتراثيات والأدب والشعر، يقول بأن كلمة السحر كانت هي الحرية والانفتاح.

في بداية نشأة الدار التزم نجيب الريس بألا ينشر إلا لكتاب عرب وفي موضوعات عربية، وقرر ألا يمارس أي نوع من الرقابة على المؤلفين الذين ينشرون معه، وقرر أن ينزل كتبه على شكل أربعة مواسم في السنة، فنشر كتاب واحد يبدو ضعيفاً مهما كان الكتاب مهماً، وتأسست شركة رياض الريس للكتب والنشر في لندن عام 1986، أصدرت الدار أكثر من 800 عنوان، وفي عام 1991 انتقل إلى بيروت نهائياً، وهو يشرح في إحدى مقالاته لماذا انتقل إلى لبنان بقوله: "بيروت هي المدينة الوحيدة في العالم العربي التي تستطيع أن تعمل فيها، بيروت قد تكون مدينة قذرة لا كهرباء فيها ولا ماء، فقيرة وهي تحمل أكياس الليرات اللبنانية التي لا قيمة لها... لكن يمكنك أن تبيع على أرصفتها ما شئت من أحلام، أو أن تفتح فيها معملاً للنفايات، أو أن تنشر فيها مجلة ثقافية دون أن يقول لك أحد ما هذا؟" ثم يحكي عن معاناته في غربة لندن، فهو لم يعرف قيمة بيروت إلا بعد خروجه منها، بل يرى عمره مهدوراً وينزعج من هؤلاء الحساد الذين يقولون له "نيالك ساكن في لندن"، كتب هذا الحديث وهو يعلن عودته إلى بيروت لأن لندن منفى وسنديانة بغير جذور.

وقام رياض الريس بتشجيع نشر الشعر عبر جائزة سنوية باسم "جائزة يوسف الخال للشعر"، تمنح لشاعر عربي شاب لم يسبق له أن نشر ديواناً من قبل، لم يكتف بذلك بل أسس مكتبة الكشكول في لندن لبيع الكتب العربية واستمرت هذه التجربة عشر سنوات.

وعند وصوله إلى بيروت لم تكن أوضاع النشر فيها "صحنا من الكرز" حسب التعبير الأميركي، بل تعرض لمضايقات عديدة، وصلت إلى مصادرة بعض العناوين التي نشرها، إذ صادرت قوى الأمن كتاب "الروض العاطر في نزهة الخاطر" للشيخ النفزاوي على سبيل المثال، بعد أن تقدم الشيخ عبد اللطيف دريان رئيس مكتب مفتي لبنان في حينها بشكوى للنائب العام، وكانت التجربة الثانية مع المنع في عام 1995، بعد مصادرة الأمن اللبناني كتب الصادق النيهوم، وكذلك تم منع العديد من كتب رياض نجيب الريس من التداول في السعودية.

في عام 2000، جرب أن يطرق أبواب دمشق، عارضاً على المسؤولين فكرة إصدار القبس من دمشق وبيروت "جريدة واحدة لشعبين"، وقد رأى أن ذلك أفضل ترجمة لعبارة "شعب واحد في بلدين" وتم رفض المشروع من النظام، ودفنت فكرة إحياء القبس جريدة الأب إلى الأبد، ولقد ولد هذا المنع من العودة لدمشق ألماً خاصاً لديه.

لقد قدمت دار رياض الريس العديد من الدراسات المهمة في تاريخ سوريا ونذكر هنا بعض المذكرات التي توثق للذاكرة السورية ولتاريخ سوريا مثل مذكرات "الجيل المدان" السيرة الذاتية لمنصور سلطان الأطرش، وكذلك مذكرات ضافي جمعان "من الحزب إلى السجن" الذي انضم للبعث ثم اعتقله حافظ الأسد عام 71 وأفرج عنه عام 1994، وكذلك نشرت مذكرات نصوح بابيل "صحافة وسياسة" التي توفي عام 1986 وهو يخط آخر كلمة فيها، وهي أحد المراجع للباحثين في تاريخ سوريا، وكذلك كتاب "بين مدينتين: من حمص إلى الشام" لعدنان الملوحي، ومذكرات أحمد الجندي بعنوان

لقد اعتبر البعض رياض الريس واحداً من شيوخ الكار في صناعة النشر، بضرباته الجريئة ومعاركه التي كان يسير فيها عكس التيار

"لهو الأيام: مذكرات سنوات المتعة والطرب والثقافة"، وكتاب "شاهد من المخابرات السورية" لفوزي شعيبي، وذكريات أيام السياسة" لعبد السلام العجيلي، وكتاب سعاد جروس بعنوان "سوريا زمان نجيب الريس".

ولن نستطيع في هذه المقال ذكر العناوين التي أصدرتها الدار عن تاريخ سوريا ونكتفي بذكر أمثلة مثل كتاب "السيطرة الغامضة" من تأليف ليزا ودين، وكتاب "الاقتصاد السياسي في سوريا تحت حكم الأسد" ومؤخراً أصدرت الدار كتاب سامي مبيض بعنوان "عبد الناصر والتأميم: وقائع انقلاب اقتصادي في سوريا".

لقد اعتبر البعض رياض الريس واحداً من شيوخ الكار في صناعة النشر، بضرباته الجريئة ومعاركه التي كان يسير فيها عكس التيار، وهو أحد رعاة الذاكرة السورية والتأريخ لها، وهو الذي كان يتحدث دائماً عن الفرق بين الناشر وبائع الكتب، وما توحيه كلمة النشر من معنى ثقافي والبيع من معنى تجاري، مازلت أذكر المرة الوحيدة التي رأيته فيها في الدوحة منذ سنوات يجلس بكل ثقة يتحدث مع ضيوف حوله عن صناعة النشر ودوره في اختيار عنوان الكتاب لكي يضرب في السوق بلغة التجارة، هل ذكر عنوان لماذا تركت الحصان وحيداً لمحمود درويش؟ أم أن ذاكرتي وضعت هذه الذكرى للعبث بي كما تفعل ألعاب الذاكرة؟

مقالات مقترحة
موقع تلفزيون سوريا.. قصة نجاح لسلطة الصحافة في حقول من الألغام
"تلفزيون سوريا" يمضي لعامه الرابع بمؤسسة محترفة ومحتوى متميز
استطلاع آراء.. تلفزيون سوريا بعيون السوريين في الداخل
إصابتان بفيروس كورونا في مخيم العريشة جنوبي الحسكة
إغلاق كورونا يكبّد تجارة التجزئة في ألمانيا خسائر كبيرة
الصحة السعودية: لقاح "كورونا" شرط رئيسي لأداء فريضة الحج