روح الثورة السورية وحضورها في أغاني الفنان الأميركي "ديلان كونر"

تاريخ النشر: 22.05.2021 | 09:22 دمشق

آخر تحديث: 22.05.2021 | 09:25 دمشق

ضاهر عيطة

يستقي المغني الأميركي ديلان كونر (Dylan Connor) العديد من أغانيه من روح الثورة السورية التي ألهمت موسيقاه وحنجرته، جاعلًا من الثورة تيمة تستحق أن تُغنّى، ليسمعها أكبر عدد من الناس، يروي حكايتها غنائيًا، وباللغة الإنجليزية، لتبقى ذاكرتها حاضرة، في الضمير الجمعي الإنساني.

مع انطلاق الثورة في 2011، كان كونر قد شاهد بأم عينه أعراس السوريين حين خرجوا إلى الشوارع يهتفون للحرية، متصدين للرصاص بصدورهم العارية، فألهمته تلك المشاهد والتضحيات، ليستعير منها واحداً من الشعارات التي هتف بها أبناء سوريا في جميع المدن، وهم يؤازرون حوران، حين أطبق عليها شبيحة الأسد حصارهم وعسفهم، فجعلها حكاية يسردها في أغنية حملت عنوان "فزعة فزعة لحوران" وذلك تعبيرًا عن تأييده وتعاطفه مع ما جرى لأبناء درعا، فراحت كلمات أغنيته تستعرض مجمل أحداث درعا في تلك الفترة، وغيرها من المدن السورية، وتسلط الضوء على المذابح والحصار والتجويع، التي اعتمدتها شبيحة الأسد بهدف القضاء على المتظاهرين، واستئصال حلم الحرية من وجدانهم:

"فزعة فزعة لحوران 

ارفع صوتك وغنّ هذه الأغنية

بدي حرية  

فزعة فزعة لسوريا

وأنا معكم                                                                                                                             

قالوا إنها لن تحصل في هذا البلد                                                                                 

فهمس الهواء بمطالبنا 

أطفال مدرسة كتبوا على الجدار   

نريد إسقاط النظام  

التقطهم رجال المخابرات وزجوهم في الزنزانات     

 اقتلعوا أظافرهم      

وأذاقوهم أشد انواع العذاب        

هرع الأهالي يستنجدون بمحافظ المدينة 

نصحهم أن ينسوا أولادهم 

وقال أنجبوا غيرهم إن تجرأتم"

هذه الكلمات ليست تقريرًا صحفيًا، أو خطابًا سياسيًا، إنما هي كلمات أغنية ديلان كونر. وكما هو واضح فهي تروي تلك الأحداث التي فجرت روح الثورة، وقد صاحبتها مشهدية بصرية، استعرضت جملة من وقائع وأحداث الثورة، بلغة مبسطة، إلى حد تكاد تقترب من السرد اليومي، مشيرة إلى حادثة أطفال درعا، واقتلاع أظافرهم، وإلى التظاهرات السلمية، والرصاص وهو يستهدف المتظاهرين، وكذلك خروج الدبابات إلى الشوارع، كما أظهر الفيديو المصاحب للأغنية، مشاهد وصورًا من الأرشيف، كمظاهرات ساحة الساعة في حمص، وجثامين الضحايا وهي ملفوفة باللون الأبيض، وصورًا لأطفال مشردين يبحثون عن بقايا طعام على أرصفة الشوارع، وهروب أطفال آخرين من أصوات الرصاص. بالعموم كانت الكلمات تصف المشهد، وكذلك المشهد، كان يمنح الكلمات بعدًا بصريًا.

"عيونكم على إدلب"

 وعلى مدار سنوات الثورة، لم تستطع جميع أدوات الفتك والقتل التي وظفها التنظيم الأسدي، أن تقتل عزيمة وإرادة السوريين، وظل حلم الثور ساكنًا في وجدانهم، ما أوحى إلى المغني كونر أن يبدع أغنية جديدة في عام 2018 تحمل عنوان" الثورة باقية" أو "عيونكم على إدلب"، وكان المراد من هذه الأغنية التعبير عن التفاؤل بعودة المظاهرات السلمية التي شهدتها مدينة إدلب في تلك الفترة.

لم تستطع براميل وطائرات الأسد، ولا طائرات بوتين، أن تقتل روح الثورة، وعشق السوريين للحرية، فخرجوا يرفعون أعلام ثورتهم، هاتفين للحرية

 وكما هي عادته، اعتمد على لغة بسيطة، مشحونة بطاقة الأمل، ومشاعر تكاد ترتقي إلى ما يشبه حالة يقينية، يتشبث بها هذا الفنان الأميركي، مراهنًا من خلالها على أن ثورة السوريين باقية، ولن تموت، معتمدًا على أدلة تعزز من يقينه، يستعرضها واحدة بعد الأخرى، داعيًا العالم في نشيده الغنائي هذا، كي يلتفت إلى ما يحدث في إدلب من مظاهرات سلمية، لم تستطع براميل وطائرات الأسد، ولا طائرات بوتين، أن تقتل روح الثورة، وعشق السوريين للحرية، فخرجوا يرفعون أعلام ثورتهم، هاتفين للحرية، ولسقوط التنظيم الأسدي وجميع التنظيمات الإرهابية، مكذبًا بذلك التهم التي نالت من روح الثورة ونقائها، وحملتها مسؤولية الإجرام والإرهاب: 

"الثورة باقية

الثورة لن تموت

كل الأعين على إدلب

لأنهم أبقوها على قيد الحياة

رائد الفارس على الهواء

راديو فريش يملأ السماء..

لا تراجع ولا استسلام

الثورة باقية

الثورة لن تموت"

 

 

حضور رموز الثورة

وعلى هذا النحو يواصل أغنيته، مستشهدًا بالعديد من رموز الثورة السورية، كـ "رائد الفارس" الذي اشتهر بمقارعته للعصابات الأسدية، عبر الرسوم واللافتات الملونة، وراديو "فريش" الذي كان يديره، وكذلك يستشهد بـ "عبد الباسط الساروت" يوم كان يحمل "الميكرفون" ويهتف مع الثوار، مطالبًا بوحدتهم ووقوفهم صفًا واحدًا، ولم يتراجع أو يستسلم طوال سبع سنين، حتى فارق الحياة. وكذلك يأتي على ذكر الشاب "محمود" الذي وقف على أحد الجسور في مدينة إدلب، رافعًا علم الثورة، مجازفًا بحياته وهو يلوح به، وكذلك يتحدث عن الثائرة "رانيا قيصر" التي وقفت في مكان مرتفع، بين المتظاهرين، وراحت تصور الآلاف منهم، لافتة أنظار العالم إلى سلمية السوريين، ومقدار جمالهم وجمال أدوات تعبيرهم بعيدًا عن الأسد السفاح. وفي واحد من مقاطعه الغنائية يقول:  

"ولا بد لشيء أن يحدث

 عندما يرى الإنسان قمة الجبل يعطيه الله القوة كي يصلها"

وكما في أغنيته "فزعة فزعة لحوران" يحاول في أغنيته هذه، أن يجعل منها مصدر أمل وتفاؤل، ووثيقة فنية تستعرض مجريات أحداث الثورة في محافظة إدلب، وفي عموم سوريا. حيث رافقت أغنيته، صور ومشاهد من المظاهرات الحاشدة، التي خرج بها آلاف المتظاهرين في إدلب وريفها، وهم يرددون شعارات الثورة، مطالبين بإسقاط التنظيم الأسدي. وتحدث كونر عقب إنتاجه لهذه الأغنية، التي جاءت مترجمة إلى اللغة العربية، أنه من خلال هذه الأغنية، يعلن عن تضامنه مع أهل إدلب الذين يواصلون الاحتجاج والتجمع من أجل حقوقهم في الحرية والإنسانية، على الرغم من مرور سنوات حملت أسوأ الفظائع، التي ارتكبت على يد الأسد ووكلائه، وغيرهم من الجماعات المتطرفة.

وأضاف: "في عام 2011، بدأت الغناء دعماً للثورة في سوريا، واحتجاجاً على الأهوال التي حلت على السوريين من قبل حكومتهم وبعد تلك السنوات، ما زال شغفي بالثورة يشتعل"، مشيراً إلى أن "أهل إدلب تنفسوا خلال الشهر الحالي أملاً وطاقة جديدة من أجل قضيتهم.. وخرجوا في موجات هائلة من الاحتجاجات السلمية. ولهذا أقول شكراً لكم!".   

وأكثر ما يلفت الانتباه، هو سعي المغني كونر للتماهي مع أحداث الثورة، وكأنه أضحى ثائرًا يعيش فيها، ومعها. فحين ألمح في أغنيته فزعة فزعة لحوران، إلى شاب يقف بالصفوف الأولى في المظاهرات، وإطلاق الغاز المسيل للدموع عليه، عرضت في المشاهد المصاحبة للأغنية أيضاً صورة لشاب مصاب بالرصاص وهو ينزف دمًا، فيجعل المغني من نفسه أبًا لهذا الشاب، ويسارع بحسب وصف كلمات الأغنية، إلى احتضانه، لكن رصاصة القناص كانت أسرع إليه منه.

إلهام زوجته السورية

 وإن كان المغني الأميركي ديلان كونر، قد صرح في أكثر من مناسبة، أنه لولا ارتباطه عاطفيا بفتاة سورية، لما كان قد تنبه أو غنى للثورة السورية، حيث لمعت في ذهنه فكرة الأغنية حين كان في زيارة لعائلة زوجته الدرعاوية، وسمع والد زوجته وهو يشاهد التلفاز يهتف: "فزعة فزعة لحوران.." وتلك الحادثة كانت البداية التي ألهمته لصناعة تلك الأغنية، ما يعني أنه لو لم يحب تلك الفتاة ويتزوج منها، لما كان قد سمع بالثورة السورية أو غنى لها.

وهنا يحضر سؤال كان قد تطرق إليه أحدهم، وإن كان يبدو عبثيًا: ترى، هل كان يجب على كل فتاة سورية ثائرة، أن تُلهم عاشقًا أميركيًا، أو فرنسيًا، أو بريطانيًا.. حتى يكف العالم عن نهش لحم السوريين، ويتنبه إلى موتهم، ويغني لهم؟ لتتحقق بذلك وجهة نظر "جلجامش" التي وردت في ملحمته حين تحدّث عن ترويض "إنكيدو" الهمجي قائلاً: "الأشد همجية، مهما كان، تروضه امرأة، فيغدو رقيقًا".