icon
التغطية الحية

رغم الاستهداف الإسرائيلي المتكرر.. إيران تعيد بناء قواعدها المدمرة في سوريا

2023.05.07 | 06:35 دمشق

غارات
طائرة إسرائيلية (AFP)
إسطنبول ـ ضياء قدور
+A
حجم الخط
-A

أصبح من الواضح أكثر من أي وقت مضى قدرة أي متابع اعتيادي لأنباء الضربات الإسرائيلية المستمرة والمتكررة منذ قرابة عقد من الزمن ضد مواقع إيرانية في سوريا، على تحديد المكان المحتمل أو التقريبي للاستهدافات الإسرائيلية انطلاقاً من معرفة المنطقة السورية التي انطلقت منها دفاعات النظام الجوية للتصدي المزعوم للغارات الإسرائيلية.

في خضم ذلك، قلّما تخطئ بعض الحسابات الشخصية التي تعتبر من وجهة نظر صحفية أو تقنية غير دقيقة في تحديد المواقع الإيرانية المستهدفة إسرائيلياً تبعاً للمعطيات الأولية للغارات الإسرائيلية منذ الدقائق الأولى للإعلان عنها.

وكانت الأنباء التي وردت قبل أيام (1 مايو/ أيار 2023) عن استهداف إسرائيل لمواقع على مدرج مطار حلب الدولي ومحيطه ومعامل الدفاع في السفيرة، بصفتها مواقع مستهدفة إسرائيلياً بشكل متكرر في وقت سابق، قد أكدت على ذات التقديرات أعلاه، مثيرة الشكوك حول الدوافع الإسرائيلية من هذا الإجراء، والأسباب التي تجعل إيران تتشبث بهذه المنشآت المعاد ترميمها.

في غضون ذلك، من المثير للاهتمام أن نرى مواقع معامل الدفاع في السفيرة توضع على قائمة المواقع المستهدفة إسرائيلياً مرة أخرى، خاصة أن آخر استهداف إسرائيلي لنفس الموقع يعود إلى أيار وأيلول 2020، حيث استهدفت الطائرات الإسرائيلية حينذاك مستودعات ومنشآت لإنتاج الصواريخ الخاصة بحزب الله اللبناني.

مواقع عديدة، على سبيل المثال لا الحصر، مثل معامل الدفاع في السفيرة، أو المطارات السورية (دمشق وحلب والتيفور والشعيرات والضبعة)، أو مواقع البحوث العلمية SSRC في مصياف، أو جمرايا والكسوة وقدسيا والديماس في محيط دمشق، أو قواعد شرقي سوريا كقاعدة الإمام علي أو المعبر غير الرسمي قرب معبر القائم - البوكمال أو المعبر الرسمي نفسه، كلها أصبحت عناوين لأخبار متشابهة حول غارات إسرائيلية ضربت أهداف متقاربة مكانياً في ذات المواقع المذكورة.

بعد قرابة عقد من الزمن على تواتر أخبار الضربات الإسرائيلية، لم تخرج مجمل السياقات الإخبارية للمواقع المستهدفة عن العناوين المعتادة، إلا في حالات خاصة ومحددة كانت في معظمها عبارة عن نشاطات إيرانية مشبوهة تجري بين المحطات الرئيسية التي غدت بمثابة قواعد إيرانية شبه دائمة يجري العمل على إعادة استثمارها وبنائها وتحصينها رغم الضربات الإسرائيلية المتكررة.

على سبيل المثال، في أواخر شهر أبريل/ نيسان الماضي، أظهرت صور الأقمار الصناعية استهدافاً إسرائيلياً لموقعين على طريق حمص دمشق الدولي قرب مدينة شنشار (شاحنات وقود ومستودع).

بحسب مصادر مفتوحة، فإن الغارات حول شنشار نادرة إن لم تكن معدومة، لكنها منطقة انتشار مهمة لحزب الله بين مطاري الشعيرات والضبعة (قواعد إيرانية معروفة)، وإذا ما قارنا هذا التحليل مع المعلومات التي تحدثت عن استهداف مواقع حول كازية مدنية (كازية عليوي) في المنطقة من المحتمل أن القصف كان يهدف لملاحقة شخصيات قيادية أو طرود مشبوهة.

المطارات كموانئ شبه إجبارية للطرود الإيرانية المشبوهة

تشير المعطيات التي رصدها "تلفزيون سوريا"، في تقرير سابق إلى أن الغارات الإسرائيلية في سوريا تصاعدت خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري 2023 بنسبة 50% مقارنة بالفترة نفسها من العامين الماضيين 2022، 2021.

 

وفي التفاصيل، كان أكثر من 50% من الغارات الإسرائيلية خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري 2023، مخصصة للمطارات السورية (مطار حلب، مطار دمشق، مطار الضبعة)، مما يجعل هذا العام هو عام المطارات السورية.

ونتيجة لذلك، تصدر مطار حلب جدول التعطيلات المؤقتة التي أصابت المطارات السورية الثلاث خلال العام الجاري نتيجة الضربات الإسرائيلية بمعدل ثلاث توقفات مؤقتة خلال العام الجاري، توقفان منهما فقط خلال شهر مارس الماضي وحده فقط.

وكانت مدونة "إنتيلي تايمز" قد كشفت حديثاً، نقلاً عن مصدر استخباري، أن الهجوم الإسرائيلي الأخير ألحق أضراراً بعدة حظائر مرتبطة بمشروع "الدفاع الجوي الإيراني" في سوريا، خاصة بمطار النيرب.

وأشارت المدونة إلى أن أحد ضباط فيلق القدس "خزاعي"، هبط في سوريا بعد الهجوم الذي استهدف مطار حلب في مطلع مايو الجاري، من أجل تقييم أضرار الهجوم ومواصلة الخطط، الذي كانت تتم تحت إشراف العقيد دواود جعفري، قبل مقتله بعبوة ناسفة في سيارته في حي اللؤلؤة الذي يقيم فيه ضباط إيرانيون كبار بدمشق في 23 نوفمبر 2022.

وفي السياق نفسه، أشارت معطيات رصدها تلفزيون سوريا في 14 كانون الثاني/ يناير 2023، إلى وجود أياد إسرائيلية أدت لتعطيل مطار دمشق الدولي بهجمات إلكترونية بعد زيارة وزير الخارجية الإيرانية أمير عبد اللهيان إلى دمشق، حيث طرأ تغيير على جدول الرحلات الجوية في مطار دمشق وتحولت إلى مطار اللاذقية.

ورجحت مصادر تلفزيون سوريا حينذاك أن الهدف الإسرائيلي من الاستخدام غير المسبوق للقوة الناعمة (الحرب السيبرانية) لتعطيل مطار دمشق الدولي، هو إيصال رسائل سياسية إلى الإيرانيين.

 

في حال بدت الاستراتيجية الإسرائيلية المتأنية لعرقلة عمل هذه المطارات السورية لفترات محدودة مفهومة، فإن الإصرار الإيراني على إعادة ترميم المدراج المدمرة وملاجئ الطائرات المحصنة (HAS) يبدو أكثر تعقيداً، ويظهر في التفاصيل الأدق أهمية المسارات الجوية وحتميتها في إبقاء قنوات الاتصال العسكري والأمني مع دمشق ثم بيروت مفتوحة في ظل التكلفة المادية والأمنية والزمنية المرتفعة للمسارين البري والبحري على حد سواء.

الدفاعات السلبية للجبال كأحضان آمنة من الغارات الإسرائيلية

أبرز مثال مهم يمكن أن نضربه لتوضيح هذا العنوان هي جبال مصياف الحصينة.

في 12 مارس/ آذار الماضي، تعرضت مواقع في جبال مصياف الحصينة لضربات إسرائيلية جديدة، وذكرت المواقع الإسرائيلية أن الموقع المستهدف تعرض للقصف ثلاث مرات خلال نصف العقد الماضي (13/3/2023 – 13/5/2022 – 4/8/2018).

وأوضحت صور الأقمار الصناعية أن المنشأة المستهدفة بشكل مكرر عبارة عن مبنى تم تصميمه مع أنفاق تدخل في قلب الدفاعات الحصينة في جبال مصياف، وهو ما جعل من عملية القصف الإسرائيلي المضادة تتكرر عدة مرات.

الأمر نفسه ينطبق على الاستهدافات الإسرائيلية لمواقع التطوير الصاروخي SSRC بالقرب من مصياف أيضاً، حيث توالت الضربات الإسرائيلية على هذه المنطقة في الأعوام (2017، 2019، 2020، 2022).

بشكل عام، حولت التضاريس الجبلية الحصينة لمصياف ما حولها المنطقة لساحة انتشار وتمركز مغرية لفيلق القدس، حيث تشير الإحصائيات التي جمعها تلفزيون سوريا إلى أن الغارات الإسرائيلية على منطقة مصياف تشكل قرابة 10 بالمئة من مجموع الغارات الإسرائيلية المنفذة على الأرض السورية منذ عام 2013.

هذا المقياس نفسه يمكن جره على مواقع استراتيجية مهمة أخرى، كجبل المانع في الكسوة أو منشآة البحوث العلمية في جمرايا، اتخذها فيلق القدس كقواعد عسكرية شبه دائمة للانتشار والتمركز.

تحليل البيانات

تسعى إيران وهي تحاول التشبث بقواعد استراتيجية مهمة في سوريا التقليل من كلفة الضربات الإسرائيلية من خلال المناورة بين المطارات السورية بصفتها مسارات تهريب شبه إجبارية، والتحصن في أحضان الجبال والمنشآت المحصنة والاحتماء بدفاعاتها السلبية وتحويلها لقواعد شبه دائمة.

في خضم ذلك، تجري مجمل النشاطات الإيرانية المشبوهة بين هذه القواعد الرئيسية، لكن الانكشاف الاستخباري الذي تعانيه إيران في سوريا، بالإضافة للكلفة العالية لإعادة الانتشار من قواعدها المدمرة إلى قواعد جديدة وعدم جدواها، دفعها لإعادة تأهيل وترميم القواعد المدمرة نفسها، والعمل على تحصينها والغوص بها داخل أعماق الأرض.