رسالة من عالم آخر.. آثار جغرافية في حلب

رسالة من عالم آخر.. آثار جغرافية في حلب

رسالة من عالم آخر.. آثار جغرافية في حلب

تاريخ النشر: 11.12.2020 | 23:01 دمشق

آخر تحديث: 12.12.2020 | 07:29 دمشق

إن في حلب بعض آثار جغرافية مهمة نرى لبيانها لزوماً لأجل تصحيح تاريخ آثار جغرافية. فمن ذلك صحراء "سوق الجمعة" وأكنافها وهي صحراء واسعة متوسطة في المدينة تشبه صحراء المغرب في توسطها أفريقيا، ومحيطها نحو أربعين كيلو متراً وفيها سلسلة جبال تحاكي جبال أورال في ارتفاعها وهي متكونة من أوساخ المدينة ولم يمنع من تجسمها وارتفاعها ما تحمله عواصف الأهوية منها وتمطر على رؤوس سكّان المدينة، لأن كثرة ما هو متّصل الورود عليها من الأوساخ يعوض النقص، بل ويزيد ولشهرة هذه الصحراء لا حاجة لتحديدها. ومن تلك الآثار أخرى أيضاً هي "بحيرة الكلاسة" وهي مستنقعة تتكون من اجتماع مياه القاذورات، ومساحة وجهها يبلغ نحو ألف متر أو يزيد وموقعها في الجهة الغربية من المدينة وهي محدودة شرقاً بسور المدينة، وغربا بمتنزه رئيس دائرة البلدية الأولى (عز تلو زكي بك) وجنوباً بمحلة الكلاسة وشمالاً بطريق عام وقد كان ظهورها هذه البحيرة منذ ثلاث سنين، غير أن في هذه الأيام نضب ماؤها، ولا نعلم هل ذلك من شدة حرارة الصيف، وهو الغالب، أم من ثمرة دائرة البلدية الثانية؟ وعلى كل حال، فقدت المدينة بذلك ما يكسبه الهواء من الجودة فيمتزج ببخارها المتصاعد منها.

ومن الآثار أيضاً "مزابل الحمامين" التي هي، في جسامتها وارتفاعها وشكلها المربّع أو المستدير، تحاكي أهرامات مصر المشهورة وهي تتكون من "الروث" الطري ويتسلق على الشكل لأجل التجفيف، ولها فائدتان للمدينة: الأولى بخارها والثانية دخانها الذي ينشر في سماء المدينة فيظلها ويلطف عنها الحرارة صيفاً والبرد شتاء!!

وهذا تؤذى كله بعض فضل دائرتّي البلدية على أننا إذا أردنا تحرير تاريخ لأعمال تلكما البلديتين في حلب فلا يسعنا أن نكتب بعد هذه الخطبة والمقدمة إلا جملة مختصرة، أعني: "لا شيء!!"

هذه المقالة مقتطفة من جريدة الاعتدال العدد الأول 5/ شعبان سنة 1296 هـ الموافق 13و25/ تموز 1879 يوم الأربعاء. والمقالة نموذج من طرافة الكواكبي وصحافته الساخرة.

آثار جغرافيّة في حلب نص كتبه الكواكبي في 25 تموز عام 1879 م، أي قبل 141 عاماً، في صحيفة (اعتدال)، التي أنشأها الكواكبي بعد توقّف جريدة "الشهباء" حيث استطاع الكواكبي الحصول على ترخيص باسم (شريف زاده سعيد) لإنشاء صحيفة جديدة وأطلق عليها اسم (اعتدال).

صدر العدد الأول منها بتاريخ (5 شعبان 1296 هـ) و(25 تموز 1879 م)، وفي افتتاحيّتها يعرّف بنهجها: "الاعتدال هي الشهباء/ من كل حيثية، وقد أخذت على نفسها، من قبلُ ومن بعد، القيام بكامل وظائف الجرائد الأهلية، من نشر حسنات الإجراءات، وإعلان سيئات المأمورين، وعرض احتياجات البلاد إلى مسامع أولي الأمر، ونشر كل ما يقتضيه تهذيب الأخلاق، وتوسيع دائرة المعارف". هكذا يعاود الكواكبي في "اعتدال". التي لم يكن لها من اسمها نصيب نهجه السابق فيطالعنا في العدد الأول منها حرصه على "إعلان سيئات المأمورين وعرض احتياجات البلاد" غير عابئ بما قد يجرّ عليه هذا النهج من ويلات، وحسبه أنه يخط قناعاته من غير موالاة أو محاباة.

أما ما تحتويه الأعداد العشرة، إنما يتبدّى من خلال العدد الأوّل الذي تتصدّره افتتاحية بعنوان "اعتدال"، وفيها يبيّن محررها حرصه على "نشر ألوية المطبوعات" خدمة لوطنه، بالرغم مما لاقاه من الظلم والاضطهاد بسبب جرأته في "الشهباء" ويعلن أن نهج "اعتدال" لا يختلف عن نهج سابقتها في"إعلان سيئات المأمورين، وعرض احتياجات البلاد"، وفي نشر كل ما يقتضيه تهذيب الأخلاق، وتوسيع دائرة المعارف، من أبحاث علمية وسياسية وغيرها". ثم يشرح أسباب إصدارها باللغتين: العربية والتركية "بناء على كون أكثر من نصف أهالي ولايتنا من الأتراك اقتضى تنسيب إصدار الاعتدال باللغتين" ولكن الأهم في خروج الصحيفة على هذا الشكل هو أمر "اقتضته رغبة من لا يمكننا مخالفته" وهذا يـعني أن إضافة اللغة التركية واقتصار الصفحات العربية على اثنتين، كان شرطاً أساسياً في منح الرخصة لإصدار "اعتدال ".

تلي تلك الافتتاحية أخبار السلطنة والأخبار الخارجية، بعد تلك الأخبار تأتي مقالة "لجنة الإصطلاحات العموميّة" وفيها يتكلّم المحرّر على أهميّة الإصلاح، مبتدئاً بإصلاح معناه، بعد ذلك يورد بعض الأخبار المحلية، وأخيراً، يقدّم مقالة ساخرة بعنوان "آثار جغرافية في حلب". وفيها يتحدّث عن آثار "صحراء سوق الجمعة" التي هي عبارة عن مركز لتجمّع أوساخ المدينة "وهي صحراء واسعة متوسطة في المدينة تشبه صحراء المغرب في توسطها أفريقيا، ومحيطها نحو أربعين كيلو متراً، وفيها سلسلة جبال أورال في ارتفاعها، وهي متكونة من أوساخ المدينة، ولم يمنع من تجسّمها وارتفاعها ما تحمله عواصف الأهوية منها وتمطرها على رؤوس سكّان المدينة، لأن كثرة ما هو متّصل الورود عليها من الأوساخ يعوض النقص، بل ويزيد". ويعرّج على آثار أخرى أيضاً هي "بحيرة الكلاسة" وهي عبارة عن مستنقع لتجمع مياه القاذورات، يشكّل متنزه رئيس دائرة البلدية أحد حدودها.

ثم يتحّدث عن أثر ثـالث هو "مزابل الحمامين" التي تشكّل جبلاً من "الروث" تؤذى الناس برائحتها ودخانها، يقول " مزابل الحمامين التي هي، في جسامتها وارتفاعها وشكلها المربّع أو المستدير، تحاكي أهرامات مصر المشهورة".

ثم يبين مسؤولية "دائرتي البلدية" عن ذلك، بلهجة ساخرة: "وهذا كله من بعض فضل دائرتّي البلدية" اللتين يلخص نتاج أعمالها بكلمة "لا شيء". ولم يطل الوقت بصحيفة "اعتدال" حتى لاقت مصير "الشهباء" وتوقّفت عن الصدور بعد شهرين ونصف من إنشائها.

ماذا لو أن الكواكبي عاد اليوم ليرى حلب. اليوم يتوارى تمثال الكواكبي خلف الشجيرات في حديقة السبيل. ونصف المدينة غدت مثل براكات الأرمن القديمة في قسطل الحرامي. نهر قويق بات مكبّ نفايات. رائحة المدينة نتنة كجناح مشرحة في الطبابة الشرعية. كرائحة روث البقر التي كانت تهب على المسافرين حين يصلون حدود منطقة السفيرة، أو حين ينفجر مجرى كهريز ضخم. كأن وباء البله انتشر في هواء المدينة فاصفرّت الوجوه وانعقدت الألسن وفقدت الحواس خصائصها. المدينة التي كانت لا تنام، تغطّ الآن في سبات عميق ساحق طوال اليوم. ليصفر الريح الممزوج بعواء الكلاب والصمت المترقب الحذر، طوال الليل. مدينة تحتضر طوال النهار لتبدو ميتة مع مغيب الشمس. ولا يبقى في الشوارع سوى الكلاب الشاردة من البشر والحيوانات.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
روسيا تنفي علاقتها بنشر معلومات مضللة حول لقاحات كورونا الغربية
إصابة واحدة و80 حالة شفاء من فيروس كورونا شمال غربي سوريا
كورونا.. 5 وفيات و56 إصابة جديدة في مناطق سيطرة "النظام"