رحلة أميركي في سجون النظام من القامشلي إلى عدرا ثم لبنان

تاريخ النشر: 02.02.2021 | 05:04 دمشق

آخر تحديث: 02.02.2021 | 07:21 دمشق

وول ستريت جورنال- ترجمة: ربى خدام الجامع

كانت إليزابيث غودوين تمضي عطلة يوم الذكرى في عام 2019 عندما وصلتها مكالمة عبر فيس تايم من ابنها سام الذي كان في سوريا، وذلك مع اقتراب رحلته التي امتدت لسنة والتي زار خلالها 193 بلداً من مختلف بقاع العالم.

كان السيد غودوين من سانت لويس والذي كان يلعب الهوكي أيام الجامعة قد حجز بالطائرة ليعود إلى ولاية ميسوري في الأسبوع القادم، وذلك ليحضر نهائيات كأس ستانلي وليرى فريقه بلوز من سانت لويس يلعب أمام بروينز من بوسطن.

أمسك بهاتفه ليعرض على أمه نظرة شاملة لما يحيط به في سوريا، وقد شملت تلك اللقطة تمثالاً لحافظ الأسد، وتخبرنا السيدة غودوين بأنها سمعت فيما بعد صوت رجل يصرخ على ابنها، فيما رد ابنها قائلاً: "إنني أتحدث إلى أمي"، ثم انقطع الاتصال...

مرت أسابيع قبل أن تعرف السيدة غودوين وعائلتها بما جرى، فقد التفت ابنها البالغ من العمر 32 عاماً التفاتة خاطئة، فانتهى به المقام إلى قبو في سجن بسوريا، حيث صارت تتناهى إلى سمعه صرخات المعتقلين.

وهكذا دفع اختفاء السيد غودوين بأسرته القادمة من وسط غرب البلاد نحو عالم التفاوض على الأسرى الذي يفضي إما للحياة أو للموت، ما شجعهم على طلب المساعدة من عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالية، والفاتيكان، ووسطاء من الشرق الأوسط، ومبعوث سري روسي شديد الحرص، في حين شكت السلطات السورية بأن السيد غودوين لم يكن سوى جاسوس.

 

وقد استعان الرئيس ترامب خلال فترة ولايته بالقوة العسكرية والضغوطات الدبلوماسية لإعادة أكثر من 50 أميركياً محتجزاً في أكثر من عشرين دولة أجنبية إلى بلدهم. وخلال آخر شهور له في الحكم، سعت إدارة ترامب لعقد اتفاق مع بشار الأسد من أجل إطلاق سراح أوستين تايس، وهو صحفي حر اختطف في عام 2012، بالإضافة إلى مجد كم ألماز، وهو معالج أميركي من أصول سورية، شوهد آخر مرة عند حاجز تفتيش بدمشق في عام 2017، غير أن ترامب لم يفلح في ذلك.

وفي نهاية الأمر، اكتفت الإدارة الأميركية بلعب دور الداعم فقط بالنسبة لعائلة غودوين، ولهذا تعين على تلك الأسرة أن ترسم خطة للإنقاذ، وأن تستعين بمواردها وعلاقاتها، وأن تستجمع ما لديها من شجاعة وحظوظ.

بيد أن المسؤولين السوريين لم يردوا على أي طلب للتعليق على هذه القضية.

بدأت رحلة السيد غودوين لسوريا بلقاء بالصدفة حدث في أيار من عام 2019، وذلك في أحد مطارات فيجي، جمعه بجوس ستون وهي موسيقية حائزة على جائزة غرامي وكانت تلك السيدة على وشك أن تنهي ملحمتها في الغناء في كل دول العالم قاطبة، كما سبق لها وأن غنت في شمال شرق سوريا، ضمن المنطقة التي تسيطر عليها القوات الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة الأميركية، وذلك في حملتها التي استمرت لأربع سنوات بهدف القضاء على دولة الخلافة التي أعلن تنظيم الدولة عن قيامها.

  وهكذا أصبحت سوريا الدولة رقم 181 التي خطط السيد غودوين لزيارتها، فقد كان حينها رحالة موسمياً زار كلاً من اليمن والصومال وأفغانستان وكوريا الشمالية.

وتخبرنا السيدة ستون أنها عرفت السيد غودوين على سنجار خليل وهو صحفي عراقي ساعدها وساعد الكثير من الصحفيين في الحصول على إذن لدخول المناطق التي يسيطر عليها الكرد في شمال شرق سوريا. وفي أواخر شهر أيار، وقبل العبور إلى سوريا من شمال العراق، أرسل السيد غودوين والسيد خليل مقطع فيديو قصير للسيدة ستون يشتمل على مجرد سلام.

وفي رسالة اطلعت عليها وول ستريت جورنال كتب السيد خليل مخاطباً السيدة ستون: "سيكون بخير في سوريا".

وقد انزعج السيد غودوين بسبب دفعه لمبلغ 500 دولار بصورة يومية من أجل دليل محلي ولهذا رتب ليلتقي بأحد معارفه وحده في مدينة القامشلي السورية على الحدود مع تركيا والتي تؤوي عاملين في مجال الإغاثة، وصحفيين ومخبرين ومقاتلين أجانب يحاربون إلى جانب الكرد.

هذا ويسيطر نظام الأسد على أجزاء من تلك المدينة، لذا فإن الوصول بسلام إليها يتطلب وجود خبير من أهل المنطقة يستطيع التمييز بين الجنود ومعرفة أماكن تمركزهم. وبعدما وصل هذا الشاب إلى فندق آسيا في 25 من أيار، انطلق السيد غودوين للقاء أحد معارفه في مطعم قريب يمكنه بلوغه سيراً على الأقدام. غير أنه لم يكن يدري أنه يتقدم نحو جزء من المدينة يعرف بين الأهالي باسم مثلث برمودا.

اتصل السيد غودوين بوالدته عبر تطبيق فيس تايم وأخذ يجول في المكان، حيث وصل إلى تقاطع طرق يصل إلى المناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد، وتلك التي يسيطر عليها الكرد.

وعن ذلك يخبرنا سليمان حسن مدير فندق آسيا فيقول: "إننا من هذه المنطقة ومع ذلك نخاف أن نتوجه إلى هناك".

إلا أنه لم يتضح ما إذا كان السيد غودوين قد استدرج إلى منطقة النظام على يد أحد الجنود، بيد أن ذلك لا يهم بعد وصول المرء إلى تلك البقعة.

وعموماً، يقول لنا السيد حسن: "عندما يختفي الأجانب، فلا يمكن لأحد أن يعثر عليهم".

علاقات عائلية

عاد والدا السيد غودوين إلى سانت لويس بعد آخر مكالمة هاتفية وصلتهما من ولديهما، وأخذت مخاوفهما تتعاظم بمرور الأيام، وذلك لأنه كان يتصل بهما بانتظام كلما حط رحاله في مكان ما.

فقد بدأت رحلته حول العالم قبل سنوات من ذلك التاريخ، إذ في عام 2012، سافر إلى سنغافورة ليشرف على علاقات المستثمرين بالنسبة لشركة ناشئة تقوم بتطوير لعبة إنترنت مخصصة للأطفال. ولهذا الغرض، أخذ يسافر كلما سنحت له الفرصة، وبحلول عام 2018، كان قد زار 120 دولة، كما ساعد خلال تلك الفترة في تدريب فريق الهوكي الوطني بكوريا الشمالية على مدار أسبوع في عام 2016، كما قام بتدريب الناس على لعب الكرة الطائرة في أفغانستان خلال عام 2018.

أما والد سام غودوين، واسمه توماس أكويناس غودوين، والمعروف باسم تاغ، فقد كان يعمل نائباً لرئيس مؤسسة بارسونز، وهي شركة تقنية تقدم خدماتها في مجال الدفاع والاستخبارات والبنية التحتية الحساسة في مختلف بقاع العالم، في حين أن السيدة غودوين تترأس ثانوية كاثوليكية للبنات.

وهكذا اتصل الوالدان بمكتب التحقيقات الفيدرالية، وبوزارة الخارجية وبدبلوماسيين أميركيين في الشرق الأوسط، فسألهما عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالية إن كان ابنهما من ذلك النوع الذي يمكن أن ينضم لأي تنظيم أو جماعة في سوريا، والتي وصل إليها عدد قليل من الأميركيين لينضموا لتنظيم الدولة أو ليحاربوا إلى جانب القوات الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة.

ثم تواصل أصدقاء الأسرة مع السيدة ستون، وعن ذلك تقول: "شعرت بأني مسؤولة شخصياً عما حدث، بالرغم من أن المنطق يقول إن الذنب ليس ذنبي، إلا أن قلبي كان يحدثني بغير ذلك".

وبعد مرور أسبوعين على اختفاء السيد غودوين، سافر والداه إلى واشنطن ليلتقيا بعناصر من خلية الدمج لاستعادة الرهائن التي يوجهها مكتب التحقيقات الفيدرالية، وتضم موظفين من وزارة الخارجية والبنتاغون. وقد حذر المسؤولون من أن الوضع قد يسوء، وبأن التوتر قد يعتري زواجهما ويهدد استمراره.

وخارج مقر مكتب التحقيقات الفيدرالية، هتفت السيدة غودوين قائلة لزوجها: "قد لا نرى ابننا بعد اليوم، إلا أن ذلك لا يمكن أن يبعدنا عن بعضنا".

إلا أن عائلة غودوين استمعت لنصيحة مكتب التحقيقات الفيدرالية فأخفت أمر اختفاء ابنها عن الإعلام، ثم أنشأت تلك الأسرة فريق عمل خاصاً بها يضم ستة من الأصدقاء والمساندين، وسميت هذه الفرقة بـ SG23 حيث حملت أول حرفين من اسم السيد غودوين، والرقم الذي يحمله ضمن فريق الهوكي بجامعة نياغارا، والذي يعرف باسم فريق النسور الأرجوانية.

ثم أرسلت تلك الأسرة الكاثوليكية رسالة إلى الأب فرانسيس شددت فيها على طلب المساعدة من سفير الفاتيكان في سوريا. كما ساعدهما أحد الأصدقاء في التعرف على مسؤول لدى فريق SEAL التابع للقوات البحرية الأميركية، والذي سأل الأسرة إن كان بوسعها دفع مبلغ 1.5 مليون دولار لتحرير ابنها إذا لزم الأمر.

وقد استعان الزوجان بمعارف الأسرة للوصول إلى أحد المبعوثين الروس الذي أخبرهما أن بوسعه أن يسأل السفير الروسي في سوريا عن مصير ابنهما، بيد أن بعض المسؤولين الأميركيين ثبطوا من عزيمة أسرة غودوين بالنسبة للتعاون مع الروس. فيما ذكر آخرون بأن موسكو التي تعتبر من أهم حلفاء الأسد، قد تقدم أفضل فرصة لإعادة ابنهما إلى وطنه.

رد علي مملوك

يذكر أن هذه الأسرة أيضاً طلبت النصيحة من روبرت فورد السفير الأميركي السابق إلى سوريا، والذي ظل في دمشق إلى أن قامت أميركا بقطع علاقاتها مع نظام الأسد في عام 2014، فقال لهما السيد فورد: "لا أحب أن أقول لكما ذلك، إلا أن ابنكما سيظل هناك لفترة طويلة، طويلة جداً".

وقد اتصلت الشقيقة الصغرى للسيد غودوين، واسمها ستيفاني ماك كيو، بزميلتها السابقة في السكن الجامعي والتي تعرف باسم ستيفاني حجار وذلك بجامعة بيلمونت في ناشفيل بولاية تينيسي الأميركية، وتتذكر تلك الفتاتان محادثتهما، حيث سألت السيدة حجار: "هل بوسعي أن أقدم المساعدة بأي طريقة؟"، فردت السيدة ماك كيو: "فقط الدعاء، إلا إذا كنت تعرفين أحد أصدقاء الأسد"، عندها هتفت السيدة حجار: "سأتصل بك بعد قليل".

لم تكن السيدة ماك كيو تعرف بأن عم السيدة حجار واسمه جوزيف عباس مسؤول عسكري متقاعد في لبنان، وبأنه صديق للواء عباس إبراهيم، أهم مسؤول أمني في لبنان، وبأنه لم يكن هنالك أفضل من السيد عباس يمكنه تقديم المساعدة في هذا المضمار، فقد سبق له وأن ساعد في إطلاق سراح شخصيات غربية أخرى محتجزة لدى نظام الأسد.

وهكذا ساعدت أسرة الحجار عائلة غودوين في التواصل مع السيد عباس، لكنهم لم يخبروا الأسرة بأن الشخص الذي سيساعدهم في لبنان هو اللواء إبراهيم، لأن كل ما كانت السيدة غودوين تعرفه عن ذلك هو أن هنالك شخصاً يُدعى جو في كونيتيكت لديه صديق في لبنان بوسعه أن يساعدهم في العثور على ابنهم المفقود.

ولكن في البداية كان على عائلة غودوين أن تطمئن السيد عباس بأن ابنها لم يكن يعمل لدى وكالة الاستخبارات المركزية. وهكذا وبطلب من السيد عباس، رفع اللواء إبراهيم قضية السيد غودوين إلى مسؤولين سوريين أخبروا الجنرال اللبناني بأنهم يحاولون أن يعرفوا ما إذا كان ذلك الأميركي يعمل جاسوساً. فأخبرهم الجنرال إبراهيم بأن السيد غودوين كان مجرد رحالة، بحسب ما ذكره الأشخاص الذين انخرطوا في تلك المحادثات، بيد أن هذا الرجل أخبرهم بعد مرحلة معينة بأنه لا وجود للسيد غودوين، إذ لم يقتنع رئيس المخابرات السورية، علي مملوك بكل تلك القصة، حيث قال: "لا يوجد سياح في سوريا" وذلك بحسب ما أورده من سمعوا كلامه.

وفي السادس عشر من حزيران، نقل السيد عباس رسالة من صديقه الجنرال إبراهيم ورد فيها بأن ابنهما بسلام وبصحة جيدة، وهو مسجون لدى النظام في دمشق، بيد أن السيدة غودوين شككت بذلك، في حين عاود الأمل السيد غودوين بأن ابنه مايزال على قيد الحياة.

بعد ذلك وصلت رسالة محيرة لأسرة غودوين من قبل أحد معارفهم الروس وذلك بعد 12 يوماً على ذلك ورد فيها ما يلي: "السفير الروسي إلى سوريا يخبركم بأن سام ليس رهن الاعتقال في دمشق، والخبر مؤكد 100%".

 

رسالة تصل إلى الوطن

وفي 30 من حزيران، أي بعد مرور خمسة أسابيع على اختفاء سام غودوين، وردت مكالمة لوالده من فلوريدا من رقم لم يستطع التعرف عليه، وفيها أخذ رجل يتحدث بإنكليزية ركيكة ويخبره بوجود رسالة من ابنه السيد غودوين. عندها انتاب تاغ غودوين هلع شديد، إذ خشي أن تكون تلك المكالمة عبارة عن خدعة قام بها أحد قساة القلوب، ولهذا طلب صورة للرسالة المذكورة.

بدأت الرسالة المكتوبة بخط اليد بكلمتين: "سالم وحي- سجن عدرا- سجن دمشق المركزي. السفارة الأميركية في بيروت، وأنا بحاجة لمساعدة قانونية/قنصلية".

وفي السطر الوحيد الذي تضمنته تلك الرسالة التي لم يرد فيها أي تاريخ ورد ما يلي: "أطلب وجبة سلمون دوماً عندما أتناول طعامي في نادي الأطلسي بميسوري".

كانت تلك الرسالة أول دليل واضح على أن السيد غودوين مايزال على قيد الحياة، فقد تفحصت الأسرة وعناصر من مكتب التحقيقات الفيدرالية الخط الذي كتبت به، وخلص هؤلاء جميعاً إلى أنه خط سام غودوين نفسه.

وهنا أخذ مكتب التحقيقات الفيدرالية يمارس ضغوطاته على أسرة غودوين ليكشفوا عن أسماء المصادر التي تعاونوا معها في لبنان، فرفضت الأسرة ذلك، بما أن السيد عباس طلب منها أن تكون على حذر، ولهذا أخذ الزوجان يطلقان على السيد عباس اسماً مستعاراً وهو حارس البوابة.

وبنهاية شهر حزيران، طلب السيد عباس من أسرة غودوين أن تكف عن بذل أية جهود بصورة شخصية وسرية لإعادة ابنهما إلى وطنه، فوافقت الأسرة على طلبه.

وفي السادس من تموز، تلقت السيدة ماك كيو شقيقة سام رسالة على تطبيق انستغرام من حساب مجهول ليس فيه أي متابعين أو منشورات، ورد فيها الآتي: "شقيقك مع شقيقي في السجن ذاته، تمني لسلان وبي عيد ميلاد سعيداً".

عندها أدركت السيدة ماك كيو بأن هذه الرسالة من شقيقها فعلاً لأنه استخدم فيها الاسم الحركي لوالدته وشقيقته، ولهذا لم تنتظر حتى تخبر مكتب التحقيقات الفيدرالية بأمر الرسالة، بل ردت على الفور: "أرجوك أخبر سام أني أحبه، وأن يتحلى بالقوة، فأنا لا أطيق صبراً حتى أتناول معه تشيبوتيل بوريتو".

فوصلها رد في اليوم التالي جاء فيه: "سام يقول إنه يحبك ولا يطيق صبراً حتى يتناول تشيبوتيل برويتو هو أيضاً، ويسأل هل فاز فريق بلوز بالكأس؟"

وهكذا أخبر عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالية عائلة غودوين بأن "تشيبوتيل" قد تكون رمزاً للسلطات السورية، وليس لسلسلة المطاعم التي تقدم وجبات مكسيكية. ولهذا قلقت الأسرة من احتمال تعريض ابنها للخطر دون قصد منها.

وبعد مرور أسابيع على ذلك، وتحديداً في 23 من تموز، أخبرهم السيد عباس بأنه تلقى رسالة من الجنرال إبراهيم، وعلق على ذلك بالقول: "يبدو أن ابنكم سيخرج".

خبز وعصابات للعيون

في تلك الأثناء كان السيد غودوين قد عرض على المحكمة بدمشق أربع مرات، حيث اتهمته السلطات السورية بدخول سوريا بشكل غير قانوني من المناطق التي يسيطر عليها الكرد، وفي المحكمة لم يتم تعيين أي مترجم له أو محام ليقوم بالدفاع عنه.

إذ بعد آخر اتصال له بأمه، وضعه جنود سوريون في سيارة فان صغيرة، ونقلوه إلى زنزانة في بناء متفحم يقع وسط أحد البساتين، وذلك بحسب ما ذكر السيد غودوين في أولى رواياته حول ما جرى معه خلال فترة الأسر، حيث كان حينها يخشى أن يتم إعدامه هناك.

بعد ذلك عصبوا عينيه، وقيدوا معصميه، ونقل بطائرة شحن إلى دمشق، حيث حبس في زنزانة انفرادية، وكان الحرس يقدمون له الخبز، وحبة بطاطا مسلوقة وماء. ويوماً بعد يوم، أصبح السيد غودوين يسمع صرخات أثناء تنقل الحراس من زنزانة إلى أخرى، حيث كانوا يضربون السجناء. وعندما يصلون إلى زنزانته، يقفون عند مدخلها، وينادون عليه باسمه ثم يرحلون.

استخدم السيد غودوين قطعة حجر صغيرة ليحفر تقويماً على جدار زنزانته، وقد اشتمل ذلك التقويم على مواعيد نهائيات كأس ستانلي، وعن ذلك يقول السيد غودوين: "يمضي أي سجين عادي وقته بعد الأيام بشكل تنازلي إلى أن ينتهي حكمه، غير أن الأمر يختلف تمام الاختلاف مع الأسير، بما أن الأسرى يمارسون العد التصاعدي مع الزمن".

وبعد أسابيع في الحبس الانفرادي، خضع السيد غودوين للتحقيق الذي استمر لساعات وهو معصوب العينين، ويداه مقيدتان خلف ظهره ومربوطتان إلى كرسي.

وهناك قام محقق يتحدث الإنكليزية بلكنة أميركية لا تشوبها شائبة بالترجمة إلى ثلة من الرجال الذين قاموا باستجواب السيد غودوين حول رحلته حول العالم.

وبعد 27 يوماً في الحبس الانفرادي، تم تحويله إلى سجن عدرا، وهو مركز احتجاز ذكر ناشطون حقوقيون وآخرون تابعون للأمم المتحدة بأن السجناء السياسيين فيه يتعرضون للتعذيب.

وهكذا حبس السيد غودوين في زنزانة واحدة مع منحو 30 سجيناً آخرين، وهناك أخذ يفكر بالحصول على المساعدة، ثم عرض عليه أحد السجناء في الزنزانة بأن يقوم بتهريب رسالة يكتبها السيد غودوين بين ثيابه المتسخة التي ستخرج للغسيل، وهكذا أتى سام على ذكر طبق السلمون المفضل لديه الذي يتناوله في نادي الأطلسي بميسوري.

وبعد مرور أسبوع على ذلك، وجد السيد غودوين أحد معارفه على إنستغرام، حيث أخبره سجين سوري اسمعه علاء بأن بوسعه الاستعانة بمكالماته اليومية مع شقيقته لنقل رسالة لعائلة غودوين، وعن ذلك يقول علاء: "كان وحيداً ولم يكن له عائلة في سوريا، ولا أحد بوسعه أن يقدم له المساعدة" وقد أطلق سراح علاء من السجن وطلب ألا يتم ذكر اسمه من أجل حماية عائلته.

 

باب مفتوح

في 25 من تموز، اتصل السيد عباس بعائلة غودوين، وقال: "لقد وافق الأسد على إطلاق سراح سام، فمتى يمكنكم القدوم إلى بيروت بأقصى سرعة ممكنة؟"

وفي دمشق، أخبر حراس سوريون السيد غودوين بأن يقوم بحزم أشيائه، وفي اليوم التالي، اقتادوه إلى مبنى أمني آخر حيث رأى جندياً علق العلم اللبناني على بزته العسكرية، فقال له: "سآخذك معي إلى لبنان اليوم، ألا تريد أن تأتي؟"

وهكذا أسرعت قافلة تضم سيارات دفع رباعي سوداء مزودة بصفارات أخذت تدوي بالخروج من دمشق حاملة معها السيد غودوين ثم عبرت الحدود إلى لبنان في غضون ساعة من الزمان.

ولم يطل الأمر بعائلة غودوين التي وصلت إلى بيروت برفقة السيد عباس، الذي يعمل ضمن الإدارة التنفيذية لسلسلة توريد ضمن شركة متخصصة بعلوم الحياة في كونيتيكت، حيث وصلت تلك المجموعة إلى بيروت مع مرافقتها من السيارات السوداء ذات الدفع الرباعي.

وفي الطريق، قام أحد الجنود بتسليم هاتف للسيدة غودوين، فسمعت صوت ابنها يقول لها: "أهلاً بكم في لبنان".

ثم علمت السيدة غودوين بأن الصديق اللبناني الذي ساعد على إطلاق سراح ابنها هو الجنرال إبراهيم، حيث أخبر الجنرال المسؤولين الأميركيين في خضم المفاوضات بأنه يعمل على تلك القضية. وعلى مدار العقد الماضي، ساعد الجنرال إبراهيم في تحرير أكثر من 65 شخصاً احتجزوا لدى حكومات بلاد تلك المنطقة أو لدى جماعات متطرفة موجودة فيها، وعن ذلك يقول: "الأمهات نقطة ضعف بالنسبة لي".

وبعد لم شمل الأسرة في مكتب الجنرال إبراهيم، أحاطت السيدة غودوين ابنها بذراعيها وهمست في أذنه: "هل أنت بخير؟"

كان السيد غودوين من بين أميركيين اثنين تم إطلاق سراحهما على يد النظام السوري دون أن تكون لديهما أصول سورية، وذلك منذ بداية قمع النظام للمتظاهرين بصورة وحشية في عام 2011، إذ يعتقد أن أكثر من نصف مليون سوري لقوا حتفهم في الحرب السورية التي أعقبت تلك الأحداث.

وعن ذلك تقول السيدة غودوين: "كنت أؤمن على الدوام بأن المعجزات تتحقق، لكني لم أظن يوماً بأن الرب سيحقق لي إحدى معجزاته".

أما كيران رامزي الذي شغل حتى فترة قريبة منصب مدير الدمج بين الوكالات لاستعادة الرهائن فقد أخبرنا بأن الولايات المتحدة: "ملتزمة بإعادة كل الرهائن الأميركيين المحتجزين في الخارج".

هذا وقد أعلنت عائلة غودوين بأنها لم تدفع أية فدية، كما ذكر مسؤولون أميركيون بأن النظام لم يبد ما يدل على أنه تقاضى أموالاً مقابل إطلاق سراح السيد غودوين.

وعن ذلك يقول السيد روبرت أوبريان مستشار الأمن القومي لدى إدارة ترامب الذي تم تعيينه كمبعوث من أجل الرهائن والأسرى عندما فقد السيد غودوين: "ما قامت به عائلة غودوين كان استثنائياً بحق".

وبعد عودة السيد غودوين إلى الولايات المتحدة شرع بمتابعة إعادة لنهائيات كأس ستانلي، والتي انتهت بفوز ساحق لفريق بلوز على بروينز في الجولة السابعة.

ثم أمضى السيد غودوين عشية رأس السنة في البرازيل، لتكون الدولة رقم 193 التي يزورها ولتصبح محطته النهائية في رحلته حول العالم، وقد احتفظ بذلك كذكرى عبر صورة أخذت له وهو يقف تحت ذراعي تمثال المسيح المخلص الممدودتين على اتساعهما وذلك في ريو دي جانيرو.

 

المصدر: وول ستريت جورنال