دولة الاحتلال استيطان واندماج إقليمي

2022.07.03 | 04:33 دمشق

دولة الاحتلال استيطان واندماج إقليمي
+A
حجم الخط
-A

استراتيجيًّا، كان يمكن ملاحظة مسارين صهيونيين، يتنازعان الأولوية، في دولة الاحتلال؛ مسار اليمين الهادف إلى تعزيز الوجود اليهودي في فلسطين، بالاستيطان والتهويد، ومسار التغلغل في العالم العربي، والاندماج فيه، الذي كان مِن أبرز منظّريه، شمعون بيريز، السياسي المخضرم، ومِن أهم زعامات الصهيونية التاريخية، وحزب العمل، مؤلِّف كتاب: "الشرق الأوسط الجديد"، والذي دعا فيه إلى الانتقال من اقتصاد صراع إلى اقتصاد سلام، يتضمن بناء هياكل اقتصادية شاملة ومتنوِّعة تشارك فيها إسرائيل.

لكن المفارقة أن المسارين، الآن، نجح تفعيلهما، وعلى أشدُّهما، لا يبطئ الاستيطانُ المتفاقم في الضفة الغربية والقدس، والتهويد، من مسار دمج إسرائيل، ولا يكبح التطبيعُ والدمج من شهوة قادة الاحتلال والمستوطنين لمزيد من الاستيطان وقضم الأراضي وطرد السكان الفلسطينيين، وهدم بيوتهم.

هذا في وقت يتجه فيه الرأي العام في إسرائيل إلى اعتبار اليسارية تهمة، أو منقصة، في جو يتجه نحو مزيد من اليمينية؛ بوصفها الحامية لمشروع الاستيطان والتهويد، في مقابل تنقية الحكومة من العناصر، أو الأحزاب العربية، وفي سياق ذلك جاء "قانون الدولة القومية لليهود في إسرائيل" الذي هو قانون أساسي إسرائيلي، يُعرِّف إسرائيل دولةً قومية للشعب اليهودي. ويجعل ممارسة حق تقرير المصير في دولة إسرائيل حصرية للشعب اليهودي.

اليمين الصهيوني، في المقابل، تلقّف من أطروحات حزب العمل الجوهرية العمل على دمج إسرائيل في المنطقة العربية، حين وجد الفرصة سانحة؛ عبر اتفاقات أبراهام

ومع أن حزب العمل حافظ على موقفه الموافق على حل الدولتين، إلا أنه صار أكثر اقترابًا من أطروحات اليمين، وهو المفترَض تاريخيًّا أنه ممثل لليسار والليبرالية، من ذلك مواقف قادته من موضوع الاستيطان والأبعاد الدينية في الصراع، ومشاركة العرب في الحكومة، من ذلك ما صرّح آفي غبّاي، زعيم حزب العمل "في مقابلة مع القناة الإسرائيليّة الثانية تصريحين أثارا الرأي العام الإسرائيليّ: الأول هو نفيّ إمكانيّة تشكيل حكومة ومعسكر يضم القائمة المشتركة؛ والثاني هو معارضته لإخلاء مستوطنات في الضفّة الغربيّة حتّى في حالة توقيع اتفاق سلام. أمّا الحالة الثالثة التي قام بها غبّاي، وأثارت الرأي العام الإسرائيليّ، لا سيما أنها تختلف عن نهج "حزب العمل"، فهي قيامه أولًا باستضافة رجل دين يهوديّ "راف" لافتتاح مناسبة حزبيّة بكلمات توراتيّة، وتصريحه بأنّه يهوديّ مؤمن، وأن الإيمان بالديانة اليهوديّة هو شرط وجود اليهود على أرض فلسطين".

لكن، اليمين الصهيوني، في المقابل، تلقّف من أطروحات حزب العمل الجوهرية العمل على دمج إسرائيل في المنطقة العربية، حين وجد الفرصة سانحة؛ عبر اتفاقات أبراهام، والاتفاقات العسكرية والأمنية مع دول عربية عديدة. لتضاف إلى الدول العربية التي أبرمت اتفاقات سلام، من قبل، وهي مصر والأردن. وكلُّ ذلك تحت رعاية أميركية حثيثة.

والسؤال: ما الذي ساعد دولة الاحتلال على الجمع بين هذين المسارين الاستراتيجيين في تكريس نفسها، داخليًّا، وخارجيًّا؟

كان لقيام السلطة الفلسطينية، بموجب اتفاق أوسلو أثر واضح في حدوث انعطافة بالحالة النضالية داخل فلسطين وخارجها، فقد تخلّت منظمة التحرير عن الكفاح المسلّح، عمليًّا، وأصبحت حركة فتح، وهي التي تمثِّل نواة الحركة الوطنية أقرب إلى "حزب السلطة"، فانعكس ذلك على عمليات التنظيم والتعبئة، في مواجهة الاحتلال.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أصبحت السلطة بموجب أوسلو موكَّلة بمنع النضال العسكري، أو حتى أي مقاومة غير سلمية. وبقيت العمليات الفردية، وهي لا تقوى على صنع ديمومة نضالية، ويصعب توظيفها في برنامج كفاحي سياسي.

أما حركة حماس فقد أضحت رهينة غزة، كما أن غزة أضحت رهينتها، ذلك أنها ممنوعة من النشاط والتنظيم، أو حتى أي نشاط سلمي داعم، في الضفة الغربية، يحرمها من ذلك الوجودُ الاحتلالي المباشر، والمتمثل في الاعتقالات شبه اليومية، والملاحقة، بالتوازي مع تعاون أجهزة أمن السلطة الفلسطينية الذي لا يتوقف، مهما ساءت العلاقات السياسية بين الأخيرة ودولة الاحتلال.

في الوقت نفسه، أدّى انهماك عموم الفلسطينيين بالضفة الغربية في متطلبات الحياة اليومية، وبعض أوهام الحكم الذاتي الفلسطيني إلى تغذية طبقة اقتصادية منتفعة، بالامتيازات الاقتصادية، وإغراء الفلسطينيين بالبُعْد الاستهلاكي، الأمر الذي ضاعف عليهم الاستحقاقات، وأوقع غير قليل منهم في دائرة الديون، أو القروض البنكية.

كل ذلك يحدث والقضية الوطنية معلّقة؛ فلا هي دولة مستقلة، ولا هو احتلال صريح يستفز الطاقات، ويوحدها.

وأدَّى ذلك إلى تحجيم كبير في خيارات حماس، لتكون في مواجهات عسكرية في قطاع غزة، أدَّى تكرارُها، مع الحصار، إلى إنهاك كبير للفلسطينيين هناك؛ الأمر الذي جعل قرار المواجهة العسكرية شديدة الكلفة، ولو أنه يبقى خيارًا قائمًا، لكنه حتى حين يُراد استثماره، يكاد يتسلَّط على مطالب تخصُّ قطاع غزة، كرفع الحصار، والموافقة على إنشاء ميناء، وإعادة إعمار ما خلّفته الحروب والاعتداءات الصهيونية السابقة.

أما الظروف التي ساعدت نجاحات إسرائيل عربيًّا، وإقليميًّا، فلعل في مقدمتها وجود قناعة ورغبة لدى نظم عربية كثيرة بدولة الاحتلال وبقائها، وتتغذى تلك القناعات بعلاقات عربية أميركية ثابتة، وما دام رضا أميركا أمرًا بالغ الحيوية لتلك النظم، ولبقائها؛ نظرًا لافتقادها الدعم الشعبي الداخلي، فقد فهمت تلك النُّظُم الرسالة، وعملت جدًّا، بمقتضاها: أن العلاقات الجيدة مع إسرائيل هي الجسر إلى علاقات داعمة من واشنطن.

وبعد أن وقَّع الطرف الفلسطيني اتفاق أوسلو، وسلك طريق التفاوض، (مع أن ذلك الطريق لم يثمر) أصبح بإمكان المتلهفين للتطبيع والتعاون مع الاحتلال التذرُّع بانتهاء حالة الحرب، وأن لكل طرف عربي الحق في البحث عن مصالحه الخاصة.

الأوضاع العربية المحيطة بفلسطين، أصابت كثيرين بما يشبه الذهول، وفي وسط هذه المعمعة تقدّم مسار التطبيع، الذي انتهى إلى دمج إسرائيل في حلف عسكري، بعد دمجها في اقتصاد المنطقة

شجّع على هذا الاجتراء الرسمي العربي المتجاهل لكل التعديات الاحتلالية التي صارت أكثر سفورًا، وخطورة، ولكل النهج الاحتلالي الممعن في الاستيطان والتهويد، وإزهاق فرص حل الدولتين، شجّع عليه دخولُ المنطقة العربية في صراعات داخلية، أعقبت ثورات الربيع العربي، كما في اليمن، وليبيا، والمخاضات السياسية المؤلمة، كما في السودان والعراق وتونس، والأوضاع الاقتصادية المقلقة والمتعبة، كما في معظم الدول العربية، كما في مصر، ولبنان، فضلًا عن سوريا التي جمعت أشكالًا من المعاناة الواسعة، حربًا، وقمعًا، وإفقارًا، وتهجيرًا، ومجازر، وغيرها.

كلُّ هذه الأوضاع العربية المحيطة بفلسطين، أصابت كثيرين بما يشبه الذهول، وفي وسط هذه المعمعة تقدّم مسار التطبيع، الذي انتهى إلى دمج إسرائيل في حلف عسكري، بعد دمجها في اقتصاد المنطقة.

يحدث هذا فيما المبادرة العربية التي تشترِط الانسحاب من الأراضي المحتلة مقابل التطبيع الكامل، والمفترض أنها تمثِّل الموقف العربي الرسمي، تُترَك للنسيان والتجاهُل.