icon
التغطية الحية

دورات التنمية البشرية والذاتية.. بين علم النفس و"التخريف"

2022.02.18 | 11:20 دمشق

tnmyt11.jpg
صورة تعبيرية (موقع: hellooha)
+A
حجم الخط
-A

منذ مطلع تسعينيّات القرن الماضي، بدأت تنتشر في العالم العربيّ ظاهرة الدورات التحفيزيّة لما أُطلق عليه "التّنميّة البشريّة"، وعُقدت أول ندوة عامة في "البرمجة اللّغويّة العصبيّة" المرتبطة بتلك الظاهرة عام 1994 في دولة الكويت.

في سوريا، تكرّست هذه الّظاهرة رسميّاً بعد استضافة المحاضر الراحل إبراهيم الفقي على قناة الفضائيّة السوريّة بحلقة مطولة عقب إجرائه دورةً تدريبيّة للعاملين في إحدى المؤسّسات السوريّة، وبدعم حكومي رسميّ.

اليوم وبعد مرور ما يقارب الـ30 عاماً على انتشارِ هذه الدّورات، كيف يمكننا تقييم أثرها في المجتمع إن كانت تستند على بحوث ودراسات علميّة أم أنّها مجرد "تخاريف" بحسب وصف منتقديها؟

تنميّة  بشريّة.. أزمة المصطلح

غالباً ما نطلق "تنميّة  بشريّة" على بعض الدورات التّدريبيّة، لكن تعريف التّنميّة البشريّة بحسب ما نصّ عليه قرار للجمعيّة العامة للأمم المتحدة عام 1986: "عمليّة اقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة وسياسيّة شاملة تستهدف التّحسين المستمر لرفاهيّة السكان على أساس مشاركتهم في التّنميّة، بما يضمن التّوزيع العادل للفوائد النّاجمة عنها". من خلال هذا التّعريف نجد أن التّنميّة البشريّة مسؤوليّة حكومات ومنظمات دوليّة لأنّها شاملة لمختلف أنشطة الإنسان اعتباراً من إزالة القمامة من الشّوارع وصولاً إلى المشاركة السّياسية وحجب الثّقة عن الرّئيس إن تطلب الأمر.

إلا أن ما ينتشر اليوم من دورات وكتب هو عبارة عن "تنميّة ذاتية" وليست بشريّة، وهي خيار شخصيّ للتعلم واكتساب مهارات جديدة، وللبحث عن حلول لبعض المشكلات الشّخصيّة.

خلق مشكلات ثم البحث عن حلول!

معظم هذه الدّورات تتبع أسلوب الخطابات أمام الجماهير -على الطّريقة الأميركيّة- وغالباً ما يترافق تصفيق الجمهور مع موسيقا صاخبة، وعند بدء المدرب بالإلقاء يدخل الجمهور في سكينة أشبه بسكينة التعبّد.

إثارةُ حماسة الجمهور والوصول إلى الأهداف المنشودة منه، ليس بالضرورة أن يكون استناداً إلى خطة عملٍ واضحة. فمعظم الخطابات تكون عامّة وتهدف لاستقطاب أكبر عدد ممكن من المتدربين ومن سويّات علميّة مختلفة، أي أنّ الهدف التسويقيّ هو ما يحدد لغة الخطاب.

وغالباً ما يُلاحظ أن كثرة التّحفيز في غياب خطة العمل، تسبب شعوراً بالعجز لدى المتدرّب، وفي بعض الأحيان تخلق شعوراً بلوم النّفس، ويمكن أن يصل الأمر إلى الإصابة بالاكتئاب المَرضي أيضاً.

لمعالجة هذا الأمر، انقسم المدربون إلى قسمين؛ بعضهم راح يبحث عن حلول من خلال دراسة "علم النّفس" ليتمكن من معالجة المشكلات النّفسية المتولدة عن هذه الخطابات، وقسم آخر أخذ يعدّ خطط عمل جدّية –وفق قناعته- معتبراً أن غيابها هو السّبب الرّئيسيّ للفشل الّذي وَلّد لوم الذات. وهنا، راحت تنتشر كتب ودورات عدّة مستندة إلى خطط شخصية محضة، وغالباً ما يبتعد أصحاب هذه الخطط عن مجال التّنميّة الذاتيّة المتعارف عليه ليتخصّصوا في مجالات تتعلق بـ "فنون التّسويق" و"الإدارة" وغيرها من المجالات التي لا تولّد إشكالات بحجم الإشكالات السابقة.

 وأيضاً، يعدّ "قانون الانعكاس" أحد مسببات المشكلات المؤهّلة لأن تتحول إلى أمراض نفسيّة. حيث يقول ذلك القانون إنّ كل ما يحصل للفرد هو "انعكاس لعالمه الدّاخلي"، فإذا كانت النتيجة سلبيّة، فسيدخل المتدرِّب بدوامة من الاكتئاب ولوم الذّات وتأنيب الضّمير.

ومن مسببات تلك المشكلات أيضاً، هناك "قانون الجذب" الذي ينصّ على أنّ كل المصائب التي تحدث في عالم الفرد يكون هو المسؤول عن جذبها، سواء بوعي أو بدون وعي، فتكون المحصلة في النهاية أنّ التّسليم بالقضاء والقدر والرِّضا به الّذي يولد سلاماً وسكينة في النّفس، غائبة عن خوازميّات التّنميّة الذاتيّة!

المشكلة التي تعاني منها "التّنميّة الذاتيّة" تكمن في غياب التراتبيّة، فالمدرِّب المبتدئ يمكن أن يجاري أساتذة كباراً، ويمكنه أيضاً أن يَضع قبل اسمه عبارة "كبير المدربين" بسبب غياب المعايير

الحلول لكل تلك المشكلات يقدّمها (أصحاب الخطط) من خلال استشارات نفسيّة مأجورة أو دورات عن كيفيّة التّخلص من المشاعر السّلبية التي تتولد لدى المتدرّبين، فيعلمهم (المدربون) كيفيّة عدم التّعلق بالأهداف والأشخاص، والتمتّع بقبول واقعهم... وبذلك يعود المتدربون (المأزومون) إلى المربّع الأول الذي سبق حضورهم دورات التّحفيز وإثارة الحماسة الأولى!

التّنميّة  الذاتيّة بين علم النّفس والإدارة

لا شك أنّ معظم ما يتمّ الترويج له مأخوذ من علم النّفس وعلم الإدارة، لكن بتوظيف تطبيقيّ، كمثال عن الدّورات المتعلقة بعلم الإدارة. الدورات المخطَّط لها شخصياً، تكون مثمرة أحياناً إذ يتعلّم المتدرِّب فيها أبجديَّات التّخطيط، وليبدأ برسم خططه السّنوية وكتابة "رسالته في الحياة".

ومن الأمثلة عن الدّورات المتأثرة بعلم النّفس، يوجد ما يطلق عليها "بنظريّة الاختيار" ودورات "الذّكاء العاطفيّ".

إلا أن المشكلة التي تعاني منها "التّنميّة الذاتيّة" تكمن في غياب التراتبيّة، فالمدرِّب المبتدئ يمكن أن يجاري أساتذة كباراً، ويمكنه أيضاً أن يَضع قبل اسمه عبارة "كبير المدربين" بسبب غياب المعايير الضابطة لهذه الظاهرة!

التّنميّة  الذاتيّة ارتداد لأزمة علم النّفس المعاصر؟

في كتابه "أزمة علم النّفس المعاصر"، اعتبر البروفيسور James Deese أن "علم النّفس في أزمة، تتمثل بعدم الثّقة في المنهج العلميّ عامة وفي الطريقة التّجريبيّة بصفة خاصّة. أمّا علم النّفس الحديث فإنّ بعضهم يطالب بالتّخلي عن الجهد العلميّ فيه والاعتراف بأنّ علم النّفس يجب أن ينضمّ إلى عالم الأسطورة والوهم".

بينما يعتبر "توماس كون" أنّ علم النّفس غير قائم على أسس علميّة ثابتة مثل العلوم الأخرى. أمّا أستاذ علم النّفس "Scott Lilienfeld" فقد أكدّ "ظهور أساليب غير مثبّتة وضارة أحيانًا مثل استرجاع الذّاكرة بالتّخيل التّصويريّ الموجه وأساليب العلاج بالطّاقة (العلاج بحقول التّفكير وتقنيّة الحريّة النّفسيّة) وأساليب العلاج الروحانيّ الحديثة كالعودة إلى الحياة السّابقة". والمتتبّع لدورات وكتب التّنميّة الذاتيّة يجد أنّ هذه الأساليب معتمدة بشكلٍ رئيسيّ، أي أنّ مشكلات التّنميّة  الذّاتيّة مستوردة من إشكاليّات علم النّفس ذاتها.

هكذا تنشأ العلوم

العلوم غالباً، نشأت كنشأة التّنميّة الذّاتيّة؛ حيث تكون في البدء عبارة عن أفكار عامة مبعثرة، لا تجمعها فكرة مركزيّة، ثم ما تلبت الأفكار أن تتمركز حول محور رئيسي، ليأتي من يضع لها المنهجيات والأصول ويصيغها بالشكل العلمي المناسب. وبعد أن تتعرض تلك المنهجيات ومخرجاتها للانتقادات، يتمّ تعديلها، وهكذا ضمن صيرورة لا تنتهي.

وإذا كان علم النّفس لا يزال خاضعاً للنّقد والتشكيك بوصفه علماً، فكيف بمجموعة أفكارٍ لا تزال تبحث عن محورٍ تتجمّع حوله وعلى منهج يضبط قوامها؟

مشكلة التّنميّة الذّاتيّة أنها تحولت إلى صناعة قبل أن تصل إلى مرحلة العلم، وهذا التّحدي من أهم وأكبر التّحديّات الّتي قد يعيق تحوّلها إلى علم، إضافة إلى تعدد الموضوعات وتشعّبها وتنوّعها بحيث يكون إيجاد محور رئيسي لها مهمّة مستحيلة، وكذلك يشكّل الأخذ من الأساليب الرائجة حديثاً (الطّاقة البشرية - الفلك/ التّنجيم...) عَقبة ضخمة أمام تحولها إلى علم.

تخصّصات الكوتشينغ وتحوّلها إلى "ريادة أعمال"!

بدأت تخصّصات الكـوتشـينغ تتنوّع بمختلف مجالات الحياة فهناك مُتخصّصون في التّربيّة، والعلاقات، والمشكلات الشّخصية، والإدمان والتّغذية. ويعتبر الكوتشينغ تدريباً شخصيّاً من خلال طرح الأسئلة لإيصال المتدرّب إلى أجوبة حول مشكلاته بدون إعطاء معلومات أو اقتراحات من الكوتش.

 ولتشعّب هذه التخصّصات وتنوعها، نتناول العلاقة بين الكوتشينغ وعلم النّفس. الكوتش هنا لم يدرس أو يختص بعلم النّفس أو بالطّب النّفسيّ، وإنّما تدرّب على نظريّات محددة فيهما ومُنح على إثرها شهادات تقدمها له جهات ومراكز تدريبيّة أصبحت شائعة في أيامنا هذه.

يدَّعي هؤلاء أنّهم يسهمون في تحسين الوعي بالصّحة النّفسيّة عند النّاس من خلال مناهج مدروسة، وأنّهم يتعاملون مع المشكلات النّفسيّة فقط ولا يتعاملون مع الأمراض النّفسية الّتي يتعامل معها الطّبيب أو المعالج النّفسيّ.

وهناك قلّة منهم تجاوزوا في خبراتهم خريجي علم النّفس، وأسّسوا مدارس إلكترونيّة تقدّم "دورات متخصّصة من قبل غير متخصّصين"! ليس ذلك فحسب، وإنما يتمّ أحياناً تعيين متخصصي وخريجي علم النّفس أو أطباء نفسيين لإعداد محتوى هذه الدَّورات، لتتحول العمليَّة بذلك إلى مشاريع لـ "ريادة الأعمال" وما شابهها.

لا شك أن كتب ودورات التّنميّة الذّاتيّة تضمّ بين صفحاتها ما هو مفيد، كونها اعتمدت على مراجع ومصادر متخصصة في علم النفس بالدرجة الأولى، ولكنّ نسبة هذا المفيد مقارنة بحجم الإنتاج صغيرة جداً، أي أنّ إيجاد إبرة بكومة قش أهون من إيجاد هذا المفيد.

وحين يحاول أحد المبتدئين تعلّم هذا المجال، فإنّه سيأخذ من سنوات عمره الكثير بين تجريب وفشل وتعديل ثمَّ العلاج النّفسي للآثار المترتِّبة عن بعض الأفكار والمعتقدات الّتي زرعتها تلك الدورات والكتب.

وبالمقابل، نجد من يعمّم أحياناً على التّنميّة الذّاتيّة بوصفها خزعبلات وتخاريف. هذا التّعميم دفع بمعلِّمين كبار، وخصوصاً من الّذين يفهمون طبيعة المجتمع، إلى تبطين الأفكار المأخوذة من حقول التّنميّة الذاتيّة وتغليفها بما يقبله النَّاس على مختلف مشاربهم.