خطوة بخطوة والتجميد والبناء: مقاربات سياسية للحل في سوريا

تاريخ النشر: 28.05.2022 | 03:46 دمشق

ثمة مقاربتان سياسيتان في أروقة السياسة الغربية/ الخارجية تجاه سوريا، الأولى: خطوة بخطوة، أو خطوة مقابل خطوة، والثانية التجميد والبناء. تعود الأولى إلى دراسة ظهرت في شباط من العام 2016، للباحثين: رافائيل بارنيس ويانير بار يام في معهد نيو إنجلاند للأنظمة المعقدة [[1]]، تلتها دراسات أخرى من مراكز أبحاث غربية (مركز كارتر في واشنطن) [[2]]، إلى أن تحولت إلى خطة يعمل عليها اليوم، غير بيدرسون، المبعوث الدولي الخاص لسوريا. والمقاربة الثانية، ظهرت مؤخراً، في معهد الشرق الأوسط، للباحث تشارلز تايلور، في آذار 2022 [[3]].

تنطلق المقاربة الأولى من أن سوريا أصبحت "دولة فاشلة" ينتشر فيها العنف على نطاق واسع، ومصدراً للتطرف الإيديولوجي العنيف والإرهاب الداعشي، ومنبعاً لمزيد من النزوح والتهجير لمختلف مناطق العالم، وتتقاسم السيطرة عليها مجموعات متنافسة المتعددة، حيث لا تسمح تلك الحالة بتنفيذ عملية وطنية لحل جميع الصراعات. ونتيجة لدخول الصراع في سوريا وعليها حالة من الجمود، ولوقف صراعات محلية محددة، تقترح المقاربة مساراً من سبع خطوات تفاوضية: 1- الإصلاح السياسي و2- المعتقلون السياسيون و3-عودة اللاجئين و4- حماية المدنيين والوصول للمساعدات و5- وقف النار في إدلب و6-الجهات الفاعلة الخارجية و7-الأسلحة الكيماوية.

اعتمد المبعوث الدولي لسوريا، غير بيدرسون جوهر هذه المبادرة، لكن وفق الفهم الروسي، ومن دون الالتزام أو الترويج لكامل مساراتها السبعة

يعتمد مسار المبادرة على تبادل التنازلات بين الأطراف الدولية الفاعلة بما فيها النظام الأسدي، بقصد خلق مناطق آمنة يمكن توسيعها تدريجيًا لتكون بمثابة أمثلة لتحقيق حكم محلي مستقر لحين الوصول إلى حل شامل. وهو ما يقلل الاحتكاك الذي يؤدي إلى مزيد من الصراع من خلال تمكين أولئك الذين لديهم قيم مختلفة، وإنشاء حدود بين المجموعات العرقية لتوفير حكم ذاتي محلي جزئي يمكنه أن يزيد من الاستقرار ويمنع الصراع الحالي والمستقبلي في سوريا ويعالج معاناة السكان بشكل مباشر من خلال إرساء سلامة وحوكمة محليتين قويتين، تكون بمثابة إغاثة فورية للسكان المحليين المتأثرين بشدة الصراع.

اعتمد المبعوث الدولي لسوريا، غير بيدرسون جوهر هذه المبادرة، لكن وفق الفهم الروسي، ومن دون الالتزام أو الترويج لكامل مساراتها السبعة، وأخذ يعمل على تسويقها أولاً كطريقة لإحراز تقدم في متاهة المفاوضات السورية، التي تتلخص منذ أعوام، بمسار اللجنة الدستورية، والعمل بالخلف مع النظام السوري وداعميه لتقديم بعض التنازلات علّها تخلق "بيئة آمنة"، مقابل تخفيف شيء من الضغط الدولي مع النظام والتطبيع معه. ويدرك بيدرسون تماماً أن إحراز مثل هذا التقدم مرهون تماماً بتغيرات في المواقف الدولية أكثر مما يتعلق بنواياه ورغباته، لكنه يواصل عمله مثل من سبقه من مبعوثين كـ "موظف" مطلوب منه أن يمرر الأيام، مع علمه التام أن تلك الأيام تحمل مزيداً من الآلام للسوريين.

والأمر الثاني، أن مسعى بيدرسون المعتمد على تلك المقاربة، يستثني مشاركة سلطات الأمر الواقع في الجزيرة السورية، وبالتالي فهو يستبعد ربع الجغرافية السورية، فضلاً عما تملكه من مخزون نفطي وزراعي، وكتلة سكانية تصل لحوالي الثلاثة ملايين، وبذلك يكرس مثله مثل الجميع الحدود "الجديدة" القائمة في سوريا، بفعل الأمر الواقع ومصالح الدول المتصارعة في المشهد السوري. 

أما المقاربة الثانية المعنونة بالتجميد والبناء التي طرحها الباحث تشارلز تايلور مؤخراً، آذار 2022، على موقع معهد الشرق الأوسط فتنعى إلى حدٍّ كبير المبادرة السابقة، وتنطلق من أن العملية الدبلوماسية في سوريا مشلولة حاليًا ويصعب إحياؤها، وكون المجتمع الدولي في حالة شلل، ومن أجل الحفاظ على النفوذ الغربي الجماعي وربما تعزيزه بحال عودة العملية الدبلوماسية إلى الحياة، لذلك لا بد من التفكير في مقاربة جديدة تجاه سوريا: مقاربة تركز على تجميد خطوط الصراع الحالية وبناء مناطق السيطرة والتأثير في مناطق الاستقرار الذاتي غير الخاضعة لنظام الأسد (شمال شرقي وغربي سوريا). تطالب تلك المقاربة الولايات المتحدة تحديداً بالتنسيق مع الحلفاء المتشابهين في التفكير، بإطلاق استراتيجية "التجميد والبناء" حازمة لسوريا، والابتعاد عن المساعدة الطارئة التكتيكية والاتجاه نحو الاستقرار الاستراتيجي وإعادة البناء الموجه في عموم مناطق شمالي سوريا غير الخاضعة لسيطرة نظام الأسد.

تطالب المبادرة الولايات المتحدة أيضًا بالحفاظ على العقوبات الحالية ضد نظام الأسد والجهات الفاعلة المرتبطة به المتورطة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سوريا. وتحافظ على موقفها الصارم تجاه التطبيع مع نظام الأسد. وكذلك ممارسة ضغط أكبر بكثير على الأمم المتحدة لمعالجة القضايا الهيكلية العميقة المرتبطة بجهود المساعدة في دمشق، إذ لا يمكن للمجتمع الدولي أن يواصل استثمار مئات الملايين من الدولارات تتلاعب به دمشق، وتحوَّل هذه المساعدات بعيدًا عن المحتاجين أو الذين سرقهم عملاء النظام. وتحذر من أنه إذا ظل المجتمع الدولي على مساره الحالي بخصوص السياسة السورية، فإن عددًا أكبر من العواقب الأسوأ والآثار الدولية المزعزعة للاستقرار ستصبح شبه مضمونة. يجب أن يكون العقد الماضي من الأزمة السورية درساً للعالم مفاده أن ترك مشكلة سوريا وحيدة لن يؤدي إلا إلى زيادة التكاليف والأخطار.

تقدم المقاربة أيضاً آلية لحل المشكلات القائمة بين الولايات المتحدة وتركيا، كونهما الطرفين المعنيين أساساً بتلك المقاربة، وخاصة المتعلقة بالتعامل مع تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي/ الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، وهيئة تحرير الشام، اللذين يصنفهما البلدان كتنظيمات إرهابية، بالاعتماد على التعامل الحالي لكلا البلدين مع الواقع الحالي. وتقترح أيضا لتيسير مثل ذلك الطرح استثناء تلك المناطق من العقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر على سوريا بما يعزز فرص التبادل التجاري والتعايش الاجتماعي بين المنطقتين، ويعود بالاستقرار على تلك المناطق ويخلق قوة ضغط جدية على نظام الأسد.

تتعامل مقاربة التجميد والبناء مثلها مثل مقاربة خطوة بخطوة مع جزء من الجغرافية السورية المكونة من شمال شرقي وغربي سوريا

ولإنجاح هذه المبادرة يجب على الولايات المتحدة وأوروبا العمل بسرعة وحزم لاستغلال التوترات الحالية في علاقة تركيا مع روسيا وذلك في محاولة لتقريب أنقرة من فلك السياسة الغربية تجاه سوريا. فعلى الرغم من مخاوف تركيا بخصوص قوات سوريا الديمقراطية، هناك فرصة لترتيب اتفاق/ مقايضة موضوعي بديل مع أنقرة، يركز على أعمال المساعدة وتحقيق الاستقرار في شمال غربي وشمال شرقي سوريا، الذي سيؤمن بيئة مناسبة للاستثمار والتجارة، ويأخذ مخاوف تركيا الأمنية بالحسبان.

تتعامل مقاربة التجميد والبناء مثلها مثل مقاربة خطوة بخطوة مع جزء من الجغرافية السورية المكونة من شمال شرقي وغربي سوريا، التي تشكّل (35-40) في المئة من مساحة سوريا، مكرسة أيضاً حالة من الانقسام القائم بحكم الأمر الواقع، رغم ادعائها بأنها ليست "سياسة تقسيم"، وأنها تندرج في النهاية ضمن عملية التسوية النهائية في سوريا التي لا يعرف أحد متى ستأتي، كما لا يسعى أي طرف دولي بشكل جادٍ إليها.

لربما ما يجري في هذه الأيام من قرارات أميركية برفع العقوبات عن شمال شرقي سوريا (مناطق سيطرة قسد) وعن مناطق من سيطرة الجيش الوطني باستثناء عفرين، وإدلب التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام، وتسيير أول دورية أميركية غرب الفرات في مناطق النفوذ التركي، وإعلان تركيا عن عزمها على إقامة المنطقة الآمنة بعمق (30) كم، والإعلان عن إعادة مليون لاجئ بشكل "طوعي" إلى تلك المنطقة يكشف عن موت مبادرة خطوة مقابل خطوة، والانتقال نحو مقاربة التجميد والبناء، رغم الخلافات الأميركية التركية حول بعض من نقاطها، لكن السياسة بما هي تسويات، يبدو أن نقاط الخلاف تلك قابلة للحل، وخاصة في ضوء المشكلات التي طرحها غزو روسيا لأوكرانيا وتوسيع حلف الأطلسي وتعزيز دوره.

ما تكشفه هذه المقاربات، أن سوريا بحدودها القديمة قد صارت أمراً منسياً، وأن طموحات السوريين في الكرامة والحرية أيضاً، والتعامل مع سوريا صار أمراً يخص المصالح الدولية، بما يكرس مناطق السيطرة الحالية وسلطاتها إلى أجل غير مسمى، والمؤسف، أن الغائب عن تلك المقاربات، وعما يدور في سوريا وعليها، هم السوريون وطموحهم في التحرر من الاستبداد، حيث تركت لهم الدول الراعية حق التقاط الصور وقت الاستدعاء، صوراً للذكرى وإرضاء لوهم الإنجازات.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار