حين يعمل الرئيس كمخبر..

2023.10.08 | 06:18 دمشق

حين يعمل الرئيس كمخبر..
+A
حجم الخط
-A

هل سمع أحد منكم برئيس يشتغل مخبراً في دولته الأمنية؟ ربما سيذهب بعضكم إلى شخصية عادل في مسلسل ضيعة ضايعة، ووظيفته في نقل أخبار وأحداث الضيعة للمخفر. وربما يعتقد بعضكم أننا نكتب بغاية السخرية من موقع الرئيس! لا أبداً القصة حدثت فعلاً.

روى لي معتقل سياسي يساري سابق قضى في سجون النظام عشر سنوات، أنّ أحد رفاقهم في الحزب تمّ الاعتراف عليه من قبل أحد المعتقلين، من ثمّ تمت مداهمة بيت أهله في القرية، ولحسن الحظ يومها لم يكن هناك. وصادف أن والد هذا المعارض كان يعمل مُدرساً وكان حافظ الأسد يوماً ما أحد طلابه. واستمرت العلاقة الاجتماعية بين المعلم وحافظ الأسد بعد انقلاب التصحيح في عام 1970 وخلال ملاحقة هذا المعارض تمكن والده من تأمين مقابلة مع الرئيس. وذلك خلال زيارة الأسد للقرداحة.

خرج الأب من اللقاء ملتحفاً بالأمل. وما هي إلا ساعات قليلة حتى تمّ القبض على المعارض الملاحق، فالرئيس المخبر أخبر رئيس استخباراته أين يختبئ المعارض له

في اللقاء تحدّث الأب عن ابنه وشرح حاله أمام الرئيس طالبا منهً العفو وأن تكفّ أجهزة الاستخبارات البحث عن ولده. وعده الرئيس بالخير وخلال شرح الوالد عرف الرئيس، "المخبر" أين يختبئ الابن تماماً. خرج الأب من اللقاء ملتحفاً بالأمل. وما هي إلا ساعات قليلة حتى تمّ القبض على المعارض الملاحق، فالرئيس المخبر أخبر رئيس استخباراته أين يختبئ المعارض له.

واتضح لي أنّ دور المخبر الذي اشتغله حافظ الرئيس وهو رئيس لا يقتصر عليه وحده فقد قرأت في كتاب "تشريح التدميرية البشرية" لمؤلفه إيريك فروم أن هتلر اشتغل مخبراً على الجنود الصغار خلال فترة من فترات عمله في الجيش "فقد أصبحت رغباته الأخيولية وموهبته العظيمة في الإقناع مرتبطة بالواقع الاجتماعي والسياسي، واستأجره ضباط الجيش الرجعيون لا ليتجسس على الجنود الآخرين وحسب، بل لهدايتهم إلى أفكار العسكرانية الرجعية).

وضمن الإنتاج القومي لدولة الاستخبارات الأسدية وجود عدة فروع للاستخبارات، والكل يدور حول الرئيس، المركز، حيث كان يلتقيهم دورياً ويشجعهم على التجسس على بعضهم بعضا، فكانت الأجهزة تتصارع فيما بينها وغايتها هي خدمة الرئيس. وهذه الفروع الأمنية تشتغل ليلاً ونهاراً عبر شبكة هائلة من المخبرين والمخبرات، وكان المطلوب دائماً أن تزداد أعدادهم. فكل معتقل رأي كان يُطلب منه في مرحلة ما خلال التحقيق التعاون مع الجهاز من أجل وقف التعذيب. وكلّ من يذهب للتحقيق في فرع ما كان يُطلب منه التعاون، أي أن يصبح مخبراً.

وللأمانة في بلد لم يعرف سوى الخوف كانت طاقة إنتاج المخبرين لا تقتصر فقط على الجانب السياسي فقط، فغالبية مناحي الحياة السورية تطلبت إنتاج أعداد كافية من المخبرين. فكل معاون وزير قد يكون مخبراً وكل مدير عام هو مخبر على الوزير. وعلى سبيل المثال كان ومازال كل أمناء فروع الحزب وأمناء الشعب الحزبية عبارة عن مخبرين عند كافة الأجهزة الأمنية وبالوقت نفسه غالبية الحزبيين المنتسبين لحزب البعث النشيطين كانوا مخبرين لهذا الفرع أو ذاك. وربما لا نظلم أحداً إن قلنا بأن أعداداً ليست قليلة من عناصر أحزاب الديكور الخاص بالجبهة الوطنية التقدمية هم مخبرون لجهات أمنية متعددة.

كانت الغاية أن يصبح المجتمع كله مطلوباً وخائفاً ومرعوباً، فكانت زيارة عنصر استخبارات لحي شعبي للسؤال على شاب معين كافية لبث الرعب في الحي.

والمضحك المبكي هناك أن البعثيين يطلقون على تلك الأجهزة لقب الجهات المختصة.

ومثلما دمّر المخبر هتلر ألمانيا وقسماً من أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، تمكن المخبر حافظ الأسد ووريثه بشار من تدمير سوريا وتشريد وتهجير أكثر من نصف شعبها.

وكما في الصناعة لكل منتج علبة وغلاف، كذلك غلّف البعثيون والأسديون مهماتهم الاستخبارية بالوطنية وخدمة الوطن، وعبؤوها في عبوات أطلقوا عليها: الشهادة، التحرير، والأرض، والقائد الخالد، المقاومة، فلسطين، وشعارات الوهم المعروفة من وحدة إلى حرية واشتراكية وغيرها من مناجل المخبرين في أحزاب الجبهة.

وحين يقوم المخبر عادل في مسلسل ضيعة ضايعة بتقديم معلومة مهمة للشرطي حسان، يقوم هذا الأخير بإهدائه لوح شوكولا. فينظر عادل للهدية بفخر ويعتبرها وساماً تمّ تعليقه على صدره.

كم عدد الوزراء المخبرين الذين انتهت صلاحيتهم وتمّ رصفهم عند رصيف مجلس الوزراء وتحت تصرف رئيس الحكومة؟

قد يظن البعض أن المخبرين كانوا يعملون فقط باتجاه واحد، أي ضد من يعارض الأسد، لا أبداً الوضع كان وما يزال معقداً للغاية، فالمخبرون يتصارعون فيما بينهم بعثيون أو غير بعثيين على المكاسب الصغيرة، وإذا أردتم أمثلة يمكن لكم المرور على وزارة الإعلام والاستعلام عن عدد المخبرين من المديرين العامين السابقين الذي انتهت صلاحيتهم وصلاحية تقاريرهم وتم وضعهم تحت تصرف الوزير. وكم عدد الوزراء المخبرين الذين انتهت صلاحيتهم وتمّ رصفهم عند رصيف مجلس الوزراء وتحت تصرف رئيس الحكومة؟

المخبر أو المخبرة لا يكتب فقط تقريراً ويرسله لأسياده إنما قد يدخل لبيوت أسياده لينظف لهم شققهم الفخمة وبالمعية ينقل أخبارا عن الحسودين وغيرهم.

في وقت مضى، خلال دراستي الجامعية في سوريا، عشت عامين في المدينة الجامعية في المزة وسكنت في الغرفة رقم 59 الوحدة 11 وكنا يومها أربعة طلاب وذلك في أعوام 1983 و1984. ولا يمكن لي نسيان المُخبر الطالب الذي كان يدرس اللغة العربية ولصق على خزانة الغرفة المسكينة صورة كبيرة "لحافظ الأسد"، وكان يردد أمامي بأن البعث أمه وأبوه والرئيس هو الروح التي يتنفسها.

أساتذة جامعيون بعضهم كان مخبراً، أطباء، مهندسون، ضباط، ضباط استخبارات اشتغلوا مخبرين عند رؤسائهم، تجار، طلاب، بعثات دبلوماسية، رؤساء تحرير.. وزراء.. رياضيون ومواهب واعدة وفنانون وفنانات، مخرجون تحت إمرة فرع المداهمة في فرع الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون.

جريدة البعث وموظفون كبار فيها وصغار.. متسولون. رجال دين من مختلف الطوائف.

وغيرهم.. اشتغلوا اشتغلن كمخبرين في أسوأ نظام أمني عرفه التاريخ.