حكومة الشماتة بالمنتحرين وعموم اللبنانيين

حكومة الشماتة بالمنتحرين وعموم اللبنانيين

الصورة
ea8cc73802.jpg
05 كانون الأول 2019

شادي علاء الدين

صحافي وكاتب ومعد برامج تلفزيونية لبناني

بعد توالي حالات الانتحار بسبب ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد من ترهل برزت ظاهرت الشماتة بالمنتحرين وتسفيه الأسباب التي دفعتهم إلى الإقدام على إنهاء حياتهم. قاد تلك الحملات المنظمة جمهور ينتمي إلى طرف حزب الله أو يدور في فلكه في ظاهرة سبق أن تكررت في محطات كثيرة بعضها لبناني وبعضها الآخر سوري.

لا يمكن للمرء سوى أن يستنتج أن هذه الفعلة إزاء افتقاد المنطق الحزبي الإلهي للعفوية ليست سوى سياق يؤسس لشكل السلطة التي يدافع عنها الحزب ويسعى إلى تمكينها ومدها بأسباب الاستدامة.

ما تجلى من ملامحها يكشف أنه طالما حملت بنية تمساحية لا تتأثر بأحوال الناس وبمصائبهم وتفصل نفسها عن همومهم ومشكلاتهم وتتآمر عليهم في الوقت الذي تدّعي فيه تمثيلهم ولكن الجديد الذي تسعى لحظة الشماتة المفتوحة في زمن ثورة اللبنانيين أن ترسخه يتجلى في تحويل فعل الشماتة بانتحارهم فعلا مؤسسا للسلطة القادمة أي إلى ترسيخه كمنظومة تتحرك السياسة والقوانين والسلطات على أساسها.

كل ما تم اتخاذه مؤخرا من إجراءات يصب في هذا الإطار ففي مواجهة أزمة مالية خانقة عمدت السلطات إلى احتجاز أموال صغار المودعين وتقتير السحوبات وتقنينها لدرجة تحويل مشهد سحب الأموال إلى مشهد توسل وشحاذة وكذلك فإن ارتفاع وتيرة الأزمات وتوالي أخبار طرد الناس من وظائفهم ترافقت ليس مع تخفيف حدة القبضة الأمنية على الاحتجاجات بل على العكس من ذلك بتنا نشهد ارتفاعا ملحوظا ومنظما في وتيرة القمع بالتزامن مع تصاعد وتيرة الأزمات وما تتسبب به من غضب عارم.

إثر ذلك كله تخرج السلطة لنا مشروع حكومة يترأسها رجل الأعمال المشبوه سمير الخطيب الذي يشير ملفه إلى ارتباطه بكل منظومات الفساد والهدر التي قامت على أساسها السلطة الحالية منذ فترة طويلة مع اقتراحات بتمثيل الثورة بوزراء يختارهم من سعَوا لقتلها في المهد واللافت أن كل سياق الحديث عن حظوظ لإنجاح طبخة هذه الحكومة قد تمت خارج الأطر الدستورية والقانونية.

من هنا تتضح بنية الشماتة التأسيسية في تركيبة السلطة المستجدة فإزاء موت اللبنانيين انتحارا تبنى منظومة تحول كل العيش إلى انتحار في ظل استعصاء قدرتها على إيجاد الحلول كونها لا تستجيب لمطالب ثورة تمثل القسم الأكبر من اللبنانيين. لا يعود الحديث

ليس بسيطا ما ينسج على ضفاف السعي إلى تشكيل حكومة الشماتة بموت اللبنانيين وذلك لأنها تقدم بوصفها الاستجابة القصوى التي يمكن للسلطة تقديمها للثورة

عن منحها فرصة من عدمه حاملا لأي معنى لأنها تنشأ في الأساس خارج منطق الرغبة في تدبير الحلول والعمل عليها بل تستمد شرعيتها من فعل الشماتة بالدستور وبالقوانين الذي يراد له التحول إلى القانون في ظل مواكبة من سقوط أخلاقي وإنساني كبير يتمثل في الشماتة بمن انتحروا بسبب الأوضاع يراد لها أن تتحول إلى صيغة تمثل الشكل العام للأخلاق والقيم في البلاد.

ليس بسيطا ما ينسج على ضفاف السعي إلى تشكيل حكومة الشماتة بموت اللبنانيين وذلك لأنها تقدم بوصفها الاستجابة القصوى التي يمكن للسلطة تقديمها للثورة وتاليا فإن رفضها في حال نجحت لا يعني سوى أن الثورة ليس لها مطالب وأنها لا تريد سوى الفوضى والخراب ما سيحرمها أولا من أي صفة شرعية ويسمح بوصم كل المشاركين فيها بصفة الخارجين على القانون والانتظام العام ونزع صفة المواطنة عنهم وتحويلهم إلى مجرمين وشرعنة القمع العنيف لهم.

تدبر السلطات هذا السيناريو في لحظة بات فيها شبح الجوع الفعلي يهدد القسم الأكبر من اللبنانيين فهل تتوقع أن يسكت الجياع؟ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب الالتفات إلى دور الإعلام ومدى حرصه على التلاؤم مع بنية الشماتة السلطوية ففي كل هذه الفترة نجد محطات التلفزة اللبنانية تفتح الهواء لحالات التسول المباشر ويحرص مقدمو البرامج على استجلاب مساعدات وهبات لمن ينجح في القفز أمام المراسلين وأن يستعرض وجعه وآلامه. هكذا ببساطة لا يعود هذا المواطن ثائرا أو آيلا لأن يكون ثائرا بل يصبح متسولا والمتسول كما لا يخفى على أحد لا يطالب بحقوق له بل يطلب الشفقة التي تحمل كل عناصر الازدراء في أعماقها وترسخ بخبث لئيم كل ما تريد السلطة تثبيته في علاقتها مع المواطنين.

ببساطة تطرح علينا السلطة حكومة تحولنا جميعا إلى منتحرين بشكل من الأشكال

لا مفر من الراديكالية التامة في مواجهة هذه السلطة لأنها لن تترك لنا شيئا يصلح لأن نعيش عليه لا ماديا ولا معنويا

وتقول لنا إن قبولنا بهذا النوع من الانتحار الذي يضمن لنا البقاء على قيد الحياة تحت ظلال الإقامة الجبرية الدائمة في لحظة التسول وموت الكرامة إنما يشكل اللحظة القصوى للسياسة في البلد وإن كل ما عداها لن ينتج سوى الخراب التام والنهائي.

من هنا فإنه لا مفر من الراديكالية التامة في مواجهة هذه السلطة لأنها لن تترك لنا شيئا يصلح لأن نعيش عليه لا ماديا ولا معنويا وستحرص أن تسلب منا الحق في أن نكون أصحاب قصصنا الخاصة. هل انتبهتم أنها أطلقت كلاب إعلامها على جثث المنتحرين لتروي بشهوة الكاميرات إلى الدماء قصة السلطة عن الانتحار وكانت طوال الوقت تقول إن الناس ينتحرون للتكفير عن ذنبهم في التسبب بالفقر والجوع أي أن كل هذا الانتحار إنما هو بسبب الثورة. من هنا نفهم أن التراجع لا يعني مجرد هزيمة للثورة ولكن في تحويل الشماتة إلى القصة الرسمية لنا ولآمالنا ولكل حبنا العظيم للبلد وناسه ودفاعنا المستميت عن العيش فيه.

شارك برأيك