جيل ما بعد الحرب

تاريخ النشر: 29.07.2021 | 06:33 دمشق

آخر تحديث: 29.07.2021 | 06:37 دمشق

في الثامن من أيار ١٩٤٥ استسلمت القوات الألمانية على كل جبهات القتال، وأعلن رسمياً عن انتهاء الحرب العالمية الثانية. وفي اليوم التالي خرج الناس مبتهجين في عواصم المنتصرين بالحرب ليعبروا عن فرحهم بانقضاء تلك السنوات المروعة، والتي حالما انطوت صفحتها بدأت آثارها الثقافية في الظهور لاسيّما مع إعادة التقييم للهياكل التقليدية في المجتمعات التي تعرضت للحرب، وذلك بجرد ثقافي لم يكن في أوروبا فقط، بل وفي أميركا حيث ولدت مراهنات ثقافية لأجل تشكيل وعي جديد للأمة، سوف يتبلور مع خمسينات ذلك القرن.

لكن الحرب لم تنته بالفعل بعدما سكن شرّها أرواح من كابدها خصوصاً من أولئك الذين قد أمضوا ليالي طويلة في الخوف من الفوضى التي جاءت معها، وفي الرعب الذي كان قابعاً في جبهات الخطوط الأولى لتكون العودة منها شبه مستحيلة، والعيش فيما بعد على وتيرة أنها قد انتهت كان أشبه بالعيش في ضباب أسود ظلّ يغطي وجه من نجا من ذلك المستنقع البشري. إن جيل ما بعد الحرب كان ملوثاً بتلك المآسي دون أن يقدر على التخلص منها لا بالضحك ولا بالبكاء، وهكذا غدت حالة الضياع نوعا من الدراما الذاتية التي قادت الإنسان في تلك الحقبة إلى كره ذاته أولاً قبل أن يشتم الزمن الذي أدى إلى ذلك. وأكثر من هذا الإرهاق ما جاء على لسان ألن غينسبرغ الشاعر الأميركي عندما عبّر عن الحالة النفسية لهذا الجيل من خلال قصيدته المشهورة بعنوان (عواء):

رأيتُ أفضل العقول في جيلي وقد دمرها الجنونُ، يتضوّرون عراةَ ومُهَسترين

يجرجرون أنفسهم عبر شوارع زنجية في الفجر باحثين عن إبرة مخدّر ساخطة

لقاء بالصدفة في جامعة كولومبيا عام ١٩٤٣ سوف يؤسس لحركة ثقافية كاملة لهذا الجيل المخدر باليأس والكافر بماضي أسلافه

إنّه العواء الإنساني المثقل بالرغبة في الخلاص، وقد جرب ما ظنّه بأنّه نافع، فالخدّر شعور سلبي ضد الألم الذي لا يمكن التخفف منه إلا عن طريق تجاهله كلياً. يكتب جون هولمز في نيويورك تايمز عام ١٩٥٢ مقالاً عن ذلك الجيل المسمّى بـ (جيل البيت) «بأنه جيل لديه حسّ غريزي بالفردية، ولا يثق بالحسّ الجماعي» وإنّ لقاء بالصدفة في جامعة كولومبيا عام ١٩٤٣ سوف يؤسس لحركة ثقافية كاملة لهذا الجيل المخدر باليأس والكافر بماضي أسلافه. إن كلاً من جان كيروك الروائي الأميركي والشاعر ألن غينسبرغ والكاتب ويليام بوروز كانوا آنذاك كتاباً شباباً، وطلاباً مشككين في قيم الرأسمالية المادية، وإن الصدفة التي جمعتهم قد زادت الحركة نمواً لا سيّما مع المد الأدبي لهؤلاء الثلاثة الذين جسدت أعمالهم الأدبية العصيان ضد أميركا ما بعد الحرب، وضد التزمّت الأميركي، فالسياسة المحافظة كانت نهجاً مع بداية الحرب الباردة، وكانت القوى المحافظة تحاول إرساء مفاهيمها الثقافية والاجتماعية رغم سخط جيل الشباب الساعي إلى الإفلات من قيم العالم القديم، وقيم ما قبل الحرب العالمية الثانية، بالبحث عن نبي معاصر، ما عُبّر عنه بالولع بالحياة الماجنة والإسراف، اتهاماً لذلك الجيل، في محاولة لمحي أثره بصفات من هذا القبيل من قبل مثقفين آخرين لا تخلوا مشاعرهم من احتقار شديد للمجتمع وللحياة.

«إن أصول كلمة بيت غامضة لكن معناها واضح عند الأميركيين حيث تشير إلى غرابة الأطوار وتولد إحساسا بشخص تم استغلاله، وتتضمن نوعا من العري العقلي، والعري الروحي» يفسر جون هولمز في مقالته تلك، أن هذا الجيل امتلك توقا خاصا إلى الحرّية، وانغمس بالبحث عن شيء جديد بالكشف الذاتي، أدى إلى نشوء الأسواق السوداء، والمخدرات، والاختلاط الجنسي والتشرد، ليبدو جيلاً منغمساً في رومانسية التحرر، والبحث عن السعادة كما في طرقات الرحلات التي كان يخوضها بطل رواية (على الطريق، ١٩٥٧) لجاك كرواك، الرواية التي اعتبرت بيانا لجيل البيت، وأثرت على جيل ما بعد الحداثة إلى جانب قصائد ألن غينسبرغ.

إن لقاء هؤلاء الشبان قد ألهم الأدب الأميركي ونقله إلى منحى آخر رغم أن أعمالهم الأدبية قد لاقت اعتراضاً كبيراً. فرواية ويليام بوروز (الغداء العاري) وفيها صوّر بوروز هواجسه ووقائع من حياة حقيقية لتجارب متفاوتة ممزوجة بنوع من الفانتازيا والأوهام، ونشرها كنص راديكالي ضد موضوع السيطرة والإرادة الإنسانية باستخدام لغة مدمني المخدرات، قد منعت من النشر في أميركا بقرار من المحكمة التي وصفتها بأنها رواية سامة ومقززة، وماجنة، لذا نشرت الرواية أولاً في فرنسا عام ١٩٥٩، وفيما بعد انتصرت المحكمة العليا لحرّية الأدب بإلغاء حكم منع الرواية في عام ١٩٦٦ وأصبح بعدها بوروز من أهم الكتاب في أميركا.

«رولاند شاب نزق، أحمر الوجه وكاره للعالم، لكن ترتسم على محياه أرقّ ابتسامة، وأكثرها دفئاً متى قابلته الحياة الحقيقية بعذوبتها ليلاً» هكذا يصف جاك كرواك أبناء جيله في روايته وكأن النزق سوف يلد ابتسامة دافئة ورقيقة. وبالفعل إن (جيل البيت) كان على طريق ولادة عصر جديد. كتب سامر أبو هواش الكاتب والمترجم اللبناني في تصدير رواية جاك كرواك (على الطريق) «بأن جيل البيت قد حول الهزيمة إلى إنجاز، والتعب إلى صحوة».

تاريخ جيل البيت قد انطلق متعثراً مثل موسيقا الجاز التي كان هذا الجيل بالذات مغرماً بها

ومع مرور الوقت، إن مضمون كلمة (بيت) والمأخوذ من العامية وتعني: الهزيمة، والمتعب، قد تحولت إلى شيء إيجابي، وهذه الكلمة اكتسبت فتنتها وتحول معناها إلى حالة يرغب المرء بأن يعيشها بدل أن يتقزز منها رغم أن تاريخ جيل البيت قد انطلق متعثراً مثل موسيقا الجاز التي كان هذا الجيل بالذات مغرماً بها، فهذه الموسيقا وقبل أن يحتفى بها في جميع أنحاء العالم بدأت أيضاً بشكل خجول مثل بداية (جيل البيت) الخارج من أنقاض مجتمعاته المدمرة، ومرارة أحوالها الاجتماعية والاقتصادية، لكنه ظلّ ينظر إلى المستقبل مع حالة من عدم الاكتراث بالشخصية الثقافية المتزمتة والسائدة آنذاك لدرجة أن رواية (على الطريق) رفضت من قبل الناشرين بسبب طرحها الجريء، لكن ومع نشرها أصبحت أحد أهم الروايات الكلاسيكية، كذلك وإن رواية (الغداء العاري) التي وصفتها صحيفة نيويورك تايمز بالتحفة الفنية، وإن كتبت هي الأخرى من جنون الإدمان والهلوسات وعلى أنغام الجاز في سواحل طنجة المغربية، مع ذلك اعتبرت ذات قيمة أخلاقية.