icon
التغطية الحية

ثمن باهظ للأمومة.. كلفة "طفل الأنبوب" تتجاوز 25 مليون ليرة سورية

2024.06.10 | 11:06 دمشق

شعبة طفل الأنبوب بمشفى التوليد وأمراض النساء الجامعي
شعبة طفل الأنبوب بمشفى التوليد وأمراض النساء الجامعي ـ إنترنت
دمشق ـ نور عيسى
+A
حجم الخط
-A

تغيراتٌ هامة ومفصلية أصابت بنية المجتمع السوري، دفعت بآلاف الأزواج إلى تأجيل الإنجاب ما أدى إلى إبراز مشكلة العقم بشكلٍ أكثر وضوحاً، إضافة لعدم الاستقرار والنزوح والأوضاع الاقتصادية السيئة، لتُسجِّلَ معها مشكلات الإخصاب ارتفاعاً ملحوظاً خاصةً مع التبدلات الاجتماعية والديموغرافية وتقدم سن الزواج، أضف إليها زيادةً في انتشار الأمراض المتنقلة بالجنس بناء على ما ذكره أحد أطباء النسائية لموقع تلفزيون سوريا، وهو ما دفع بكثيرٍ من الأسر السورية التي تعاني من مشكلة العقم، للجوء إلى مشروع الإخصاب المساعد  خارج الجسم أو كما يعرف علمياً بـ "أطفال الأنابيب"  الذي وصلت كلفته  في أحد المراكز المعروفة في دمشق إلى ما يقارب 1500 دولار شاملة بذلك نفقات تحريض الإباضة والفحوصات الهرمونية وبزل البويضات وإرجاع الأجنة.

أحلام أمومة مؤجلة

تفاصيل كثيرة ومعاناة ترويها سيدات تشبه بأحداثها معاناة مئات إن لم نقل آلاف السوريات اللواتي لن يتمكن ربما من تحقيق حلمهن بالإنجاب، وفق شهاداتٍ عدة لمجموعةٍ من السيدات اللواتي تحدثن لموقع تلفزيون سوريا عن تجاربهن المريرة مع مشروع الإخصاب في أثناء طريقهن لتحقيق حلم الأمومة، وسعاد إحداهن.

سبب العقم لـ سعاد مشكلةً عاطفية مع زوجها دفعتها إلى التفكير بطفل الأنبوب على الرغم من التكاليف الباهظة للعملية قائلة: "أخبرني طبيبي باستحالة حدوث حمل طبيعي واقترح اللجوء للإخصاب، وفعلاً قمت بإجراء كل الإجراءات الطبية اللازمة مع زوجي، إلا أنني لم أتمكن من الحمل، وتوقفت بعدها عن إعادة التجربة بعد أن تراكمت الديون علينا، ما دفعني في نهاية المطاف إلى اللجوء لأحد العطارين، حيث قمت بأخذ مجموعة أعشاب كادت تودي بحياتي بعد ما سببته لي تلك الوصفة من كارثةٍ، من جرَّاء تعرضي لنزيفٍ شديد استمر قرابة أسبوع انتهى معه حلم الأمومة للأبد".

أما سلام فتجربتها لا تختلف كثيراً في قساوتها عن تجربة سعاد، فالتجربتان تتقاسمان المرارة والحسرة، تقول سلام "على الرغم من كل التقدم الطبي والتطور وكل ما وصلت إليه تقنيات الإخصاب المساعد، إلاَّ أنَّ كل ذلك لم يجدِ نفعاً في حالتي وفشلت محاولتَي الإنجاب التي قمت بهما، لتضيف مشكلات نفسية عدة عانيت منها بسبب الخوف من عدم قدرتي على الإنجاب، خاصةً مع تحميل المجتمع المرأة دون الرجل، كامل المسؤولية الاجتماعية ما يزيد الضغط عليها، إضافةً للأعباء المادية التي فاقت قدرتي وقدرة زوجي، والتي اضطرتني للاستعانة مادياً بأخي المقيم بالسويد مع ازدياد التكاليف في كل محاولةٍ، مضيفةً في نهاية حديثها، "لو كان التبني مسموحا لما ترددت لحظة بتبني طفل خاصةً مع وجود عشرات الأطفال الذين تخلَّى أهلهم عنهم في دور الأيتام".

أما تغريد التي نزحت من مخيم اليرموك بعد خسارة زوجها الذي يحمل الجنسية الأردنية كل ما يملك من محلٍ للحلويات ومنزلٍ، روت تجربتها التي تعرضت خلالها لما يُشبه التهديد من زوجها الذي أصر على أن تكون محاولة الإنجاب هي الأخيرة بينهما، مستطردةً "لا يمكنني لوم زوجي فقد اضطر للعمل كأجير عند أحد المحال المشهورة بعد أن كان الآمر الناهي" مضيفةً "بعد فشل المحاولة الأخيرة انفصلنا و عاد زوجي إلى الأردن، وها أنا اليوم وحيدة عاجزة بعد مرارة ما أصابني".

احتكار ومافيات طبية

هي فعلاً كذلك، مافيات طبية تحتكر إجراء عمليات الإخصاب أو فتح المراكز الخاصة بها، وفقاً لما ذكره أحد الأطباء المقيمين في مشفى التوليد الجامعي لموقع تلفزيون سوريا و(طلب عدم ذكر هويته)، مبيناً أن المشفى وعلى الرغم من احتوائه على شعبة إخصاب إلا أن المتنفذين سواء داخله أو في الوزارة يعرقلون تفعيل الشعبة بحجة عدم وجود كادر طبي متخصص، رغم وجود كل التجهيزات المطلوبة فيها واستعداد عددٍ من الأطباء للعمل به لرغبتهم باكتساب خبرةٍ علمية وعملية.

ويتابع قائلاً "تم إغلاق شعبة طفل الأنبوب في المشفى مع بداية 2011 بسبب هجرة الطبيب والمخبرية الوحيدين المختصين بالمشفى، ولغاية اليوم ومع كل إدارة جديدة للمشفى تبقى تصريحاتهم بإعادة فتح الشعبة مجرد بيع كلام تتبخر معها أحلام مئات الأسر، خاصةً أن كلفة عملية طفل الأنبوب فيها أقل بكثير مما هي عليه في المراكز الخاصة، والأمر لا يقتصر على إغلاق الشعبة فقط بل على احتكار الاختصاص وحصره بفئة محدودة جداً من الأطباء، ومنعه عن البقية".

كلامٌ أكدته إحدى السيدات التي انتظرت طويلاً إعادة فتح شعبة طفل الأنبوب في مشفى التوليد، قائلةً "حتى ولو تم افتتاحها بعد عام أو عامين ما الفائدة؟ فكل دقيقة تضيع هي بمثابة كارثة عليَّ وعلى كثير من السيدات لأننا مع تقدمنا بالعمر نخسر حلمنا  بالأمومة، فنحن لا نملك رفاهية الوقت و الانتظار".

ويتابع الطبيب حديثه قائلاً "مراكز معروفة بالاسم تعمل في دمشق وتحارب كل من يفكر ولو مجرد تفكير بفتح أو ترخيص مركز، وآلية عملها تتم عبر استقطاب ليس فقط السوريين بل أيضاً الجنسيات الأخرى حيث يبدأ عملها بدءاً من المطار ومروراً بالفنادق وانتهاء بالمركز الطبي، ولكلٍّ نصيبه وحصته، مضيفاً بأن الأمر يتم وبعلم الجميع، علماً بأن الكثير من تلك المراكز غير مرخصة، ولكن يتم غض الطرف عنها لأن الجميع مستفيد".

ارتفاع التكاليف

ويرجع ارتفاع تكاليف إجراء هذا النوع من العمليات إلى ارتفاع كلفة موادها المستخدمة في هذا الإجراء الطبي، كون كل المواد مستوردة بدءاً من الإبرة وانتهاءً بالأواسط الزراعية، ما جعل ارتفاع تكاليفها الإنتاجية أحد أسباب عزوف تصنيعها محلياً وفقاً لما ذكرته إحدى الطبيبات المختصات بطفل الأنبوب،  مؤكدةً لموقع تلفزيون سوريا، بأن التكاليف وعلى الرغم من ارتفاعها إلا أنها لا تزال مقبولة مقارنة بما هي عليه في دول الجوار، لكن الفرق بأن الوضع المادي للأسر ودخلها الشهري لا يقارن بالجوار إطلاقاً ما يجعل إجراءها مستحيلاً على شريحةٍ  واسعة من الأسر، لينعكس سلباً على تلك الأسر في استنزافٍ واضحٍ لطاقتها المادية والجسدية والنفسية.

هذا ويذكر بأن كلفة طفل الأنبوب في سوريا قبل عام 2011 وصلت إلى 200 ألف ليرة، فيما يتجاوز الرقم اليوم 25 مليون ليرة، ويختلف من مركزٍ لآخر بابتزازٍ واضح، خاصةً مع لجوءِ عدد من الجنسيات الأخرى لتلك المراكز من لبنان والأردن والعراق.